مضيق هرمز بين رهان تكتيكي محدود وآخر استراتيجي
لمى قنوت
بعد توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، سعى كل طرف إلى تعزيز نفوذه، وإعاقة المكاسب التي حصل عليها الطرف الآخر من المذكرة، فمن جهة الولايات المتحدة، عملت على سحب ملف لبنان من التأثير الإيراني، وحرمانها من ربط المسارين، بحسب ما جاء في البند الأول من المذكرة، الذي نص على وقف فوري للعمليات العسكرية في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، ودفعت واشنطن باتجاه توقيع اتفاق إطاري بين لبنان وإسرائيل، سبق أن رفضه نتنياهو في آذار الماضي.
ومن بين المسائل التي التزمت بها واشنطن في المذكرة بعد وقف إطلاق النار، رفع الحصار البحري الأمريكي عن إيران، وإعفاءات تُمكنها من تصدير نفطها، والإفراج عن أجزاء من أموالها وأصولها المجمدة، بينما تُستأنف الملاحة في المضيق بموجب “ترتيبات” إيرانية. وفعليًا، من بين تلك الالتزامات، رُفع الحصار، وتمكنت طهران من بيع حوالي 60 مليون برميل من النفط الخام خلال الأسابيع الثلاثة التي أعقبت توقيع المذكرة، ومع تسارع التوترات العسكرية وتهديدات ترامب، باعت إيران خلال يوم واحد عشرة ملايين برميل.
ومع انهيار مذكرة التفاهم بينهما، بعد أن هاجمت إيران ثلاث سفن تجارية في 7 من تموز الحالي عبرت من الجانب العُماني للمضيق بحماية أمريكية، وهو ما اعتبرته طهران انتهاكًا للمادة الخامسة في المذكرة، ركزت واشنطن في ردها العسكري المباشر على تقويض قدرة إيران على استهداف الملاحة في المضيق، فاستهدفت الخط الدفاعي الأول الموازي له، بحوالي 90 هدفًا، شملت أبراجًا للمراقبة الساحلية، ورادارات بحرية قصيرة ومتوسطة المدى، وأنظمة دفاع جوي، ومواقع لتخزين الصواريخ والمسيّرات، وبنية تحتية للخدمات العسكرية على طول ساحلها، إضافة إلى قصف جسر “أك كالا خان” شمال شرقي إيران، الذي يقع على خط سكة الحديد الدولية، وتعتبره إيران وسيلة لكسر الحصار الأمريكي عليها، ويمثل أيضًا استهدافًا لمصالح الصين، فهو يربط النقل في منطقة أوراسيا الكبرى، بين الصين وكازاخستان وتركمانستان وإيران من جهة، ويشكل ممرًا بريًا استراتيجيًا يربط إيران بالصين وروسيا يتجاوز القيود والعقوبات من جهة أخرى.
ترافق الاستهداف الإيراني للسفن والتصعيد العسكري مع إبلاغ ترامب للكونجرس استئناف العمليات العسكرية ضد طهران اعتبارًا من 7 من تموز، وألغى الترخيص الذي يسمح ببيع النفط الإيراني، وأعاد فرض قيود على مبيعاته، واستأنفت واشنطن فرض الحصار البحري على المواني والسواحل الإيرانية، وردت طهران بإغلاق مضيق هرمز، في ابتزاز متبادل. ويبدو أنهما اختارتا استئناف الحرب بوتيرة منخفضة، وتراهن كل منهما على قدرتها على إيلام واستنزاف الطرف الآخر وتنازله.
وعليه، فإن تحول الصراع بينهما من مواجهة واسعة إلى استنزاف متمركز حول المضيق في هذه المرحلة، هو رهان تكتيكي محدود من وجهة نظر الإدارة الأمريكية، يرفع تكلفة إيران في تعطيل الملاحة تدريجيًا كي تتنازل عن ورقة هرمز تحديدًا، دون المخاطرة بحرب مفتوحة، وذلك عبر الضغط العسكري المتكرر والمحسوب، والمقترن بحصار اقتصادي، وهو خيار يتمحور حول إنهاك القدرة الإيرانية في نقطة جغرافية محددة، للوصول إلى ترتيبات تحمي الملاحة وتمنع انفجار أسواق الطاقة وتحد من الخسائر، أو من حدوث كساد اقتصادي يخشى ترامب أن يرتبط باسمه، كما صرح، وهذا الرهان يترك أو يؤجل الملفات الأخرى دون حسم.
ورغم أن الرهان الأمريكي ليس موقفًا موحدًا، بل ساحة صراع مفتوحة، فإن الرهان الذي أشرنا إليه ينسجم مع قناعة نائب الرئيس، جي دي فانس، وجناحه داخل الإدارة، وهو أحد المرشحين للرئاسة في عام 2028، وقد صرح بأن “تأمين الملاحة بالقوة العسكرية وحدها مهمة شديدة الصعوبة، فالسفن الضخمة والمكلفة باتت أهدافًا مكشوفة أمام مسيّرات وصواريخ منخفضة التكلفة. والرافضون للتفاوض مع إيران لا يقدّمون بديلًا واقعيًا، وكل ما لديهم هو الدعوة إلى قصف مفتوح، طويل، باهظ التكلفة، ومن دون أفق سياسي واضح”.
وأشار فانس إلى أن “الأولوية الاستراتيجية للولايات المتحدة الآن، ليست إسقاط النظام الإيراني، بل إبقاء مضيق هرمز مفتوحًا وضمان استمرار تدفق النفط والغاز إلى الأسواق العالمية”، وأضاف، “انتهى زمن إرسال عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين إلى الحروب البعيدة من أجل تغيير الأنظمة، ولن يخوض الجيش الأمريكي حروبًا نيابة عن الآخرين”. وفي حواره مع جو روغان، اتهم فانس إسرائيل بالوقوف وراء حملة تهدف إلى إفشال المفاوضات مع إيران وتشويه صورته أمام الرأي العام الأمريكي، وأن هناك أشخاصًا يتلاعبون بالرأي العام لاستمرار هذه الحرب، مستشهدًا بتحقيق نشرته مجلة “التايم” عن المدير السابق لحملة ترامب الانتخابية، براد بارسكيل، الذي قاد حملة تأثير رقمية ممولة من حكومة الاحتلال بقيمة 1.5 مليون دولار شهريًا، هدفها الاستراتيجي منع المحافظين الشباب من الابتعاد عن إسرائيل، بعد تراجع التأييد لها في أوساط اليمين الأمريكي، ولمهاجمة مذكرة التفاهم مع إيران وإفشالها.
أما الرهان الإيراني فهو استراتيجي شامل، لأنها تراهن على موقعها الجغرافي والهيمنة على واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية، مضيق هرمز، الذي أصبح سلاحًا مؤثرًا، توظفه كأداة ردع عسكرية، وفق ما وصفه مستشار قائد الثورة، اللواء محسن رضائي، إذ قال إن المضيق “أهم من عشرات القنابل الذرية”، وقد استخدمته لإبعاد التفاوض على الملفات التي كانت سببًا للحرب عليها، ونقلته إلى حرية الملاحة، وإدارة مسارات المضيق، ورفع العقوبات عنها، والإفراج عن أموالها.
تتعلق حدود رهان الطرفين بالقدرة على تحمل الإنهاك سياسيًا واقتصاديًا، فالاقتصاد الإيراني يعاني من أزمة حادة، وهو يعتمد على تصدير النفط كشريان حيوي رئيس لتأمين الإيرادات اللازمة، بالمقابل، فإن اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس يشكل ضغطًا على الإدارة الأمريكية، كما أن الاحتياطي الاستراتيجي الأمريكي من البترول وصل إلى أدنى مستوى منذ نيسان 1983، ويعود ذلك إلى التوسع في بيعه للحد من ارتفاع الأسعار نتيجة الحرب، ناهيك بأثر إغلاق المضيق أو انخفاض الملاحة فيه على الاقتصاد العالمي، فمثلًا، في 14 من تموز الماضي، سجل عبور 21 سفينة فقط، ورغم توجيه القوات الأمريكية رسالة لاسلكية للسفن تؤكد فيها استعدادها لضمان حرية الملاحة من الجانب العماني، فضلت 16 سفينة منها العبور من الجانب الإيراني للمضيق، بينما اختارت خمس سفن مسارات أخرى أو أغلقت أجهزة التتبع، وبالمقارنة مع متوسط عبور السفن خلال الأسبوع الذي سبقه، فقد بلغ العبور بنحو 30سفينة يوميًا، بينما كان المتوسط 138 سفينة يوميًا قبل اندلاع الحرب على إيران.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





