أصدرت وزارة الإدارة المحلية والبيئة السورية مجموعة من القرارات الإدارية الجديدة الخاصة بمحافظة الحسكة، تضمنت تشكيل مكتب تنفيذي مؤقت لمجلس المحافظة، إلى جانب تكليف مديرين لمناطق ونواحٍ عدة، في خطوة قالت الوزارة إنها ضمن إطار إعادة تنظيم عمل الإدارة المحلية، وتعزيز أداء المؤسسات في المحافظة.
وتأتي هذه القرارات في وقت تشهد فيه الحسكة مرحلة انتقالية مرتبطة بإعادة ترتيب مؤسسات الدولة، واستمرار تنفيذ التفاهمات المعلنة بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والتي تنص على دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن الهياكل الحكومية، بعد سنوات من وجود إدارتين تعملان بشكل منفصل في أجزاء واسعة من المحافظة.
وأثارت التعيينات الجديدة تفاعلات مختلفة بين أبناء المحافظة، إذ رحب بها بعض السكان باعتبارها خطوة باتجاه إنهاء الانقسام الإداري وتحسين مستوى الخدمات، في حين عبّر ناشطون وصحفيون عن مخاوف تتعلق بآلية اختيار الشخصيات المعينة، وطبيعة التمثيل السياسي والمجتمعي داخل المؤسسات الجديدة.
قرارات في سياق إعادة ترتيب الإدارة
تأتي التعيينات الجديدة في محافظة الحسكة ضمن مرحلة تشهد فيها المنطقة إعادة ترتيب للهياكل الإدارية، بعد تغيرات ميدانية شهدتها المحافظة خلال الأشهر الماضية.
فمع بداية عام 2026، تغيرت خريطة السيطرة في أجزاء من الحسكة، إذ بسط الجيش السوري سيطرته على مساحات واسعة من الأرياف الجنوبية والشرقية، إضافة إلى أجزاء من الريف الغربي، في حين بقيت “قسد” موجودة في عدد من المدن الرئيسية، وعلى رأسها الحسكة والقامشلي.
وأدى ذلك إلى استمرار واقع إداري معقد، تمثل بوجود أكثر من جهة تدير قطاعات مختلفة، وهو ما انعكس على عمل المؤسسات والخدمات، بحسب سكان ومسؤولين محليين.
وفي 29 كانون الثاني الماضي، أعلنت الحكومة السورية و”قسد” اتفاقًا يقضي ببدء دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن مؤسسات الدولة، وبدأ تنفيذ عدد من بنوده بصورة تدريجية، عبر استلام الحكومة إدارة بعض المؤسسات والمنشآت العامة، مع استمرار النقاش حول ملفات أخرى.
ويرى متابعون أن قرارات وزارة الإدارة المحلية الأخيرة تأتي ضمن هذا المسار، كونها تشمل مناطق متعددة داخل المحافظة، وقد تشكل خطوة باتجاه إعادة تفعيل الإدارة المحلية الموحدة.
جدل حول آلية الاختيار والتمثيل
رغم اعتبار عدد من السكان أن التعيينات قد تكون بداية لإنهاء الانقسام الإداري، يرى ناشطون أن نجاحها يرتبط بطريقة تشكيل المؤسسات الجديدة، ومدى قدرتها على تمثيل مختلف مكونات المحافظة.
الصحفي والناشط المدني سامر الأحمد، قال في حديث لعنب بلدي، إن التعيينات كانت “خطوة متوقعة” في ظل الحاجة إلى استكمال بناء المؤسسات، لكنها في الوقت نفسه أثارت جدلًا بسبب طبيعة توزيع المناصب.
وذكر الأحمد أن الانطباع لدى شريحة من أبناء الحسكة هو أن المكتب التنفيذي منح مساحة أكبر لشخصيات مرتبطة بـ”قسد” أو عملت ضمن مؤسساتها، مقابل شعور لدى آخرين، وخاصة من المكون العربي، بأن تمثيلهم لم يكن متوازنًا.
القرارات تبدو، من وجهة نظره، أقرب إلى “تسوية فرضتها المرحلة الانتقالية” أكثر من كونها تشكيلًا إداريًا قائمًا على معايير معلنة وواضحة.
وفيما يتعلق بآلية الاختيار، قال الأحمد إنه لم يتم الإعلان عن معايير واضحة لاختيار الأسماء، معتبرًا أن غياب هذه المعلومات خلق انطباعًا لدى البعض بأن توزيع المناصب جاء وفق اعتبارات سياسية أكثر من ارتباطه بالكفاءة والخبرة.
ورأى أن التنوع في أسماء المسؤولين لا يكفي، ما لم يرافقه شعور لدى مختلف المكونات بأنها ممثلة بصورة عادلة داخل المؤسسات.
مخاوف من المحاصصة
يرى الأحمد أن أبرز المخاوف المرتبطة بالتعيينات تتمثل في احتمال تكريس المحاصصة داخل مؤسسات الدولة، معتبرًا أن ذلك قد يؤثر في كفاءة الإدارة وثقة المواطنين بها.
وقال إن نجاح مرحلة الاندماج يجب ألا يتحول إلى مجرد تقاسم للمناصب بين الأطراف، بل إلى بناء مؤسسة واحدة تعمل وفق القانون وتكون مسؤولة أمام المواطنين.
من جانبه، قال الصحفي إبراهيم الحلبي، في حديث لعنب بلدي، إن جزءًا من الاعتراضات على القرارات الأخيرة مرتبط بما وصفه بـ”تطبيق مفهوم المحاصصة بدلًا من الكفاءة”.
وأضاف الحلبي أن بعض أبناء المحافظة ينظرون إلى توزيع المناصب على أنه جاء ضمن تفاهمات بين الحكومة السورية و”قسد”، معتبرًا أن ذلك لم يراعِ، بحسب رأيه، مشاركة شخصيات مستقلة أو قوى مجتمعية أخرى في المحافظة.
وأشار إلى أن اختيار بعض الشخصيات التي عملت سابقًا ضمن مؤسسات “قسد” أثار اعتراضات لدى شرائح من السكان، معتبرًا أن ذلك يعكس مخاوف لدى بعض الأطراف من “إعادة إنتاج نفوذ سياسي داخل المؤسسات المدنية”.
وتبقى هذه المواقف، وفق أصحابها، تعبيرًا عن وجهات نظر سياسية ومجتمعية تجاه طبيعة المرحلة الانتقالية في الحسكة، في حين تؤكد الجهات الرسمية أن التعيينات تأتي ضمن إطار إعادة تنظيم الإدارة المحلية.
بين إنهاء الانقسام وتكريس الواقع
حول ما إذا كانت القرارات الجديدة تمهد لإنهاء الانقسام الإداري في الحسكة، رأى الأحمد أنها قد تكون خطوة أولى، لكنها لا تكفي وحدها.
وأوضح أن إنهاء الانقسام يحتاج إلى توحيد المؤسسات والمرجعيات والصلاحيات والموارد، وليس فقط تغيير المسؤولين، مشيرًا إلى أن استمرار وجود أكثر من جهة تدير الملفات نفسها قد يبقي المشكلة قائمة.
أما الحلبي فرأى أن هذه الخطوة لا تنهي الانقسام الإداري، بل قد تكرسه إذا بقيت المؤسسات موزعة بين نفوذ جهات مختلفة، معتبرًا أن المطلوب هو إشراك مختلف المكونات السياسية والاجتماعية في إدارة المحافظة.
وقال إن البديل، من وجهة نظره، يتمثل في مشاركة أوسع لأبناء المحافظة من مختلف المكونات، مع اعتماد معيار الكفاءة والخبرة بعيدًا عن الانتماءات السياسية.
مسار الدمج لا يزال أمام الاختبار
تتقاطع المواقف حول ما إذا كان نجاح التعيينات الجديدة مرتبطًا بمسار دمج المؤسسات بين الحكومة السورية و”قسد”، والذي ما يزال يواجه تحديات عملية.
وقال الأحمد، إن مسار الدمج يسير “في الاتجاه الصحيح من حيث المبدأ”، لكنه يحتاج إلى تسريع ومراجعة في آليات التنفيذ، معتبرًا أن نجاحه لن يقاس بعدد الاجتماعات والقرارات، بل بقدرة المؤسسات على العمل ضمن مرجعية واحدة وتحسين الخدمات.
بدوره، اعتبر الحلبي أن عملية الدمج لا تزال بطيئة، ورأى أنها تحتاج إلى خطوات عملية تتجاوز الإجراءات الشكلية، مثل توحيد المؤسسات وعودة الموظفين واستئناف عمل القطاعات الخدمية بصورة كاملة.
تحديات أمام الإدارة الجديدة
رغم أهمية القرارات الأخيرة، فإن تطبيقها على الأرض يبقى مرتبطًا بقدرة المؤسسات الجديدة على تجاوز تحديات عدة، أبرزها توحيد الصلاحيات، وإنهاء ازدواجية القرار الإداري، وإعادة تفعيل المؤسسات الخدمية بشكل كامل.
كما يبقى ملف الثقة بين مختلف مكونات المحافظة عاملًا أساسيًا في نجاح المرحلة المقبلة، إذ تحتاج الإدارة الجديدة إلى إثبات قدرتها على العمل بعيدًا عن التجاذبات السياسية، وتحقيق تمثيل يطمئن مختلف الشرائح الاجتماعية.
وبينما ينظر مؤيدون إلى التعيينات باعتبارها خطوة نحو إعادة توحيد الإدارة في الحسكة، يرى آخرون أنها تحتاج إلى مراجعة أوسع لضمان مشاركة أكبر واعتماد معايير واضحة في اختيار المسؤولين.
وفي المحصلة، فإن قدرة هذه القرارات على إنهاء سنوات من الانقسام الإداري ستبقى مرتبطة بما ستشهده المرحلة المقبلة من خطوات عملية ضمن اتفاق 29 كانون الثاني، ومدى نجاح الحكومة السورية و”قسد” في تحويل التفاهمات السياسية إلى مؤسسات موحدة قادرة على إدارة المحافظة وتقديم الخدمات لسكانها.
