كيف تستفيد سوريا من إعادة تفعيل خط النفط مع العراق؟

توقيع مذكرة تفاهم لإحياء مشروع خط "حديثة- بانياس"- 18 تموز 2026 (وزارة الطاقة السورية)

camera iconتوقيع مذكرة تفاهم لإحياء مشروع خط "الحديثة- بانياس" - 18 تموز 2026 (وزارة الطاقة السورية)

tag icon ع ع ع

فتح الاتفاق بين سوريا والعراق حول إعادة إحياء خط الأنابيب النفطي “الحديثة- بانياس” (كركوك- بانياس) نقاشًا أوسع حول مستقبل دور سوريا في قطاع الطاقة الإقليمي، وما إذا كان المشروع يمكن أن يتحول من مجرد مسار لعبور النفط إلى بوابة لاستثمارات وشراكات اقتصادية جديدة، وما حجم المكاسب التي يمكن أن يحققها الاقتصاد السوري من عودة هذا المسار الحيوي.

وفي 18 من تموز الحالي، أعلنت وزارة الطاقة السورية عن توقيع مذكرتي تفاهم لإعادة إحياء مشروع خط الأنابيب العراقي-السوري، خلال اجتماعات عُقدت في الولايات المتحدة الأمريكية.

ووقعت الشركة السورية للبترول مذكرة التفاهم الأولى مع شركة نفط البصرة، لإعادة تأهيل وإحياء خط الأنابيب العراقي- السوري “الحديثة- بانياس”، وتهدف إلى استعادة ممر حيوي لنقل النفط العراقي إلى مرافئ التصدير السورية على البحر الأبيض المتوسط، وتعزيز التعاون بين سوريا والعراق في قطاع الطاقة، وتطوير البنية التحتية المرتبطة بالمشروع، وفتح آفاق جديدة للتكامل الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.

كما وقعت السورية للبترول مذكرة تفاهم ثانية مع ائتلاف دولي يضم شركات “Chevron” و”UCC Holding” و”TI Capital”، بهدف المباشرة بإعداد الدراسات الفنية والمالية اللازمة للمشروع، ووضع التصورات والأسس التنفيذية لإعادة تأهيل خط الأنابيب والمنشآت المرافقة له وفق المعايير الفنية المعتمدة، تمهيدًا للانتقال إلى المراحل التنفيذية.

وبحسب وزارة الطاقة السورية، يعد المشروع من أبرز مشاريع البنية التحتية الاستراتيجية في المنطقة، إذ تستهدف أعمال إعادة التأهيل الوصول إلى طاقة تشغيلية تقدّر بنحو مليوني برميل من النفط الخام يوميًا.

وقال الخبير الاقتصادي ملهم الجزماتي، لعنب بلدي، إن إعادة تشغيل الخط ستعيد للعراق أحد مسارات تصدير النفط نحو البحر المتوسط، ما يمنحه منفذًا إضافيًا بعيدًا عن الخليج ويعزز مرونة صادراته.

بينما تتمثل الفائدة المباشرة بالنسبة لسوريا في عودة النشاط الاقتصادي المرتبط بالنقل والطاقة، سواء من خلال رسوم العبور أو تشغيل البنية التحتية وخلق فرص عمل في مجالات الصيانة والخدمات اللوجستية.

لكن الجزماتي أشار إلى أن تأثير المشروع على الاقتصاد السوري لن يكون فوريًا، موضحًا أن إعادة تشغيل الخط تمثل خطوة أولى لإعادة دمج سوريا تدريجيًا في شبكات الطاقة الإقليمية، وقد تفتح الباب لاحقًا أمام استثمارات أكبر في هذا القطاع.

سوريا ممر للطاقة

لا تقاس أهمية المشروع فقط بعودة تدفق النفط عبر الأراضي السورية، بل بقدرة سوريا على تحويل هذا العبور إلى قيمة اقتصادية أوسع، من خلال تحقيق عوائد مالية مباشرة وغير مباشرة، والاستفادة من موقعها الجغرافي لتطوير دورها في قطاع الطاقة.

وأوضح الجزماتي أن دور سوريا في المرحلة الحالية سيكون أقرب إلى ممر للطاقة وليس مركزًا للطاقة، لافتًا إلى أن الفرق بين المفهومين يكمن في أن مركز الطاقة يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التخزين والتكرير وإعادة التوزيع والخدمات اللوجستية، وليس مجرد عبور الموارد عبر أراضي الدولة.

وأضاف أن إعادة تشغيل الخط تعيد لسوريا جزءًا من وظيفة العبور التي فقدتها خلال السنوات الماضية، لكنها لا تجعلها تلقائيًا مركزًا إقليميًا للطاقة، إلا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تطوير المصافي ومنشآت التخزين والمواني والخدمات اللوجستية، وفقًا للجزماتي.

وحول العوائد الاقتصادية، بيّن الجزماتي أن القيمة لا تقتصر على رسوم العبور فقط، رغم كونها أحد مصادر الإيرادات المباشرة.

وتُحسب رسوم العبور عادة وفق اتفاقيات ثنائية تأخذ بعين الاعتبار كمية النفط المنقولة، وطول الخط داخل أراضي الدولة، وتكلفة التشغيل والصيانة والاستثمار.

لكن هناك أيضًا عوائد غير مباشرة قد تكون أكثر أهمية على المدى الطويل، بحسب الخبير الاقتصادي، مثل تنشيط المواني، وزيادة الطلب على خدمات النقل والتخزين، وتشغيل الشركات المحلية، وخلق فرص عمل.

بمعنى آخر، أوضح الجزماتي أن القيمة الاقتصادية الحقيقية لا تكمن فقط في الرسم الذي تتقاضاه الدولة عن كل برميل، بل في الأنشطة الاقتصادية التي يولدها وجود الخط نفسه.

نجاح المشروع مرهون بالتحديات

أشار الخبير الاقتصادي إلى أن نجاح المشروع يرتبط بتحديات عدة، أبرزها إعادة تأهيل البنية التحتية للخط بعد سنوات طويلة من التوقف، والتأكد من جاهزيته الفنية وفق المعايير الحديثة، إضافة إلى ضرورة وجود بيئة تنظيمية مستقرة وآليات واضحة للتشغيل والصيانة، وتطوير المواني والخدمات اللوجستية، وربطها بشبكات النقل الداخلي.

كما أكد الجزماتي أن الاستقرار السياسي والأمني يمثل عاملًا أساسيًا لاستدامة المشروع، باعتبار أن خطوط الأنابيب استثمارات طويلة الأجل، والشركات لا تنظر فقط إلى الجوانب الفنية، بل تقيّم أيضًا المخاطر المحيطة بها.

وفيما يتعلق بالمنافسة مع مسارات تصدير النفط الأخرى، أوضح الجزماتي أن الخط لن ينافس بشكل مباشر شبكة التصدير الخليجية التي تمتلك بنية تحتية ضخمة ومواني عالمية، مشيرًا إلى أن المنافسة الحقيقية ستكون مع المسارات البديلة لنقل النفط العراقي، مثل ميناء البصرة عبر الخليج وخط كركوك- جيهان التركي، والمشاريع المستقبلية التي تربط العراق بمواني الخليج أو البحر الأحمر.

وأضاف أن أهمية الخط لا تكمن فقط في تكلفته التجارية، بل في كونه يمنح العراق تنويعًا في منافذ التصدير ويقلل الاعتماد على مسار واحد، وهو أمر تزداد أهميته في ظل التوترات الجيوسياسية التي تؤثر في طرق إمدادات الطاقة العالمية.

“الحديثة- بانياس” بدلًا عن “كركوك- بانياس”

يعد اعتماد مسار “الحديثة- بانياس” بدلًا من المسار التاريخي “كركوك- بانياس” أحد التعديلات التي رافقت المشروع.

وأوضح الجزماتي أن ذلك لا يغير كثيرًا من الدور الاقتصادي لسوريا، لأن أهمية المشروع بالنسبة لها ترتبط بعبور النفط عبر الأراضي السورية وصولًا إلى ميناء بانياس، بغض النظر عن نقطة انطلاقه داخل العراق.

أما بالنسبة للعراق، فقد يكون اختيار الحديثة أكثر ارتباطًا بزيادة مرونة الشبكة النفطية، وربط مناطق إنتاج مختلفة، وتقليل الاعتماد على مسار واحد، إضافة إلى إمكانية تسهيل إدارة تدفقات النفط وحماية الخط وفق التصميم النهائي للمشروع.

يعود تاريخ خط نقل النفط بين العراق وسوريا إلى عام 1952، عندما بدأ تشغيل مسار نقل النفط الخام العراقي من حقول كركوك عبر الأراضي السورية وصولًا إلى ميناء بانياس على البحر الأبيض المتوسط.

وقد توقف الخط عن العمل عدة مرات لأسباب سياسية وأمنية، قبل أن يخرج من الخدمة بعد تعرض أجزاء منه لأضرار بالغة خلال حرب العراق عام 2003.

تصدير النفط العراقي عبر سوريا

أعلن العراق أنه يخطط لاستمرار تصدير النفط الخام و”النفتا” (مادة بترولية سائلة خفيفة تُستخرج أثناء تكرير النفط الخام) عبر سوريا.

وذكر مسؤول في وزارة الطاقة السورية لوكالة “رويترز”، في 19 من حزيران الماضي، أن سوريا تعتزم افتتاح منطقتين إضافيتين لتفريغ النفط ومرافق أخرى في بانياس لاستيعاب الخام و”النفتا” العراقيين.

بدوره، مدير إدارة الإعلام في الشركة السورية للبترول، محمد الأحدب، قال للوكالة، إن بانياس قادرة حاليًا على تفريغ 900 شاحنة يوميًا في المتوسط.

وقال مسؤولان عراقيان من قطاع النفط، إن خطط تنويع طرق تصدير الخام والوقود، والتي منها التصدير عبر سوريا، ستستمر حتى بعد انتهاء الحرب على إيران وعودة حركة الشحن عبر المضيق إلى طبيعتها، وذلك في إطار استراتيجية أقرتها الحكومة لتقليل اعتماد العراق على ممر تصدير واحد.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة