“مفصول ولم يباشر”.. 361 معلمًا بالحسكة ينتظرون مصيرهم

معلمون يتفقدون جداول مباشرة العمل داخل مبنى مديرية تربية الحسكة – 23 حزيران 2026 (مديرية تربية الحسكة)

camera iconمعلمون يتفقدون جداول مباشرة العمل داخل مبنى مديرية تربية الحسكة – 23 حزيران 2026 (مديرية تربية الحسكة)

tag icon ع ع ع

تسود حالة من القلق بين أفراد فئة “المفصول ولم يباشر” في مديرية التربية بمحافظة الحسكة، عقب تداول معلومات عن توقف إجراءات استكمال عقودهم وإعادة ملفات الدفعة الثانية من ديوان محافظة الحسكة إلى مديرية التربية دون استكمال إجراءات التوقيع، ما أعاد حالة من عدم اليقين إلى مئات المعلمين الذين كانوا ينتظرون العودة إلى وظائفهم بعد سنوات من الانقطاع.

ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه محافظة الحسكة إعادة ترتيب المؤسسات ودمجها ضمن هياكل الحكومة السورية، في إطار تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، الأمر الذي جعل ملف الكوادر التعليمية أحد أبرز الملفات المطروحة خلال الأشهر الماضية.

إعادة للتدقيق دون توضيحات رسمية

رئيس دائرة الشؤون الإدارية في مديرية تربية الحسكة، حافظ العكلة، قال لعنب بلدي، إنه أُبلغ من رئيس شؤون الموظفين بإعادة عقود الدفعة الثانية إلى مديرية التربية بهدف التدقيق، دون أن يرافق ذلك أي كتاب رسمي يوضح أسباب الإعادة أو الإجراءات المطلوبة.

وأضاف أن الحالات الواردة في الدفعة الثانية هي نفسها التي تضمنتها الدفعة الأولى، مشيرًا إلى أنه أُبلغ لاحقًا بطلب إدارة محافظة الحسكة حذف أسماء الأشخاص الذين لم يباشروا العمل من الكتاب الموجه إلى المحافظ.

وأوضح العكلة أن عدم مباشرة هؤلاء المعلمين في الأصل لم يكن بسبب امتناعهم عن العمل، وإنما نتيجة عدم حصولهم على الموافقات الأمنية المطلوبة في عهد النظام السابق، وهو ما حال دون تثبيتهم في وظائفهم آنذاك.

وتداول معلمون وناشطون خلال الأيام الماضية معلومات تفيد بأن سبب توقف الإجراءات يعود إلى كتاب منسوب لوزارة التربية والتعليم يشير إلى عدم وجود أساس قانوني لإعادة هذه الفئة إلى العمل بعد مرور سنوات على إنهاء خدماتها، إلا أن مديرية التربية تؤكد أنها لم تتلقَّ أي رد رسمي بهذا الخصوص.

وقال العكلة إن المديرية خاطبت وزارة التربية للاستفسار عن أوضاع فئة “لم يباشر”، لكن الوزارة لم ترسل حتى تاريخ إعداد هذا التقرير أي جواب رسمي يوضح موقفها أو يؤكد صحة ما يجري تداوله.

تمييز بين فئتين

وبحسب العكلة، فإن المعلمين الذين أبرموا عقودهم ووقعوا عليها مع محافظ الحسكة دخلت ملفاتهم مرحلة مختلفة، إذ جرى مخاطبة قسم المحاسبة لصرف رواتبهم، وهم ينتظرون استكمال الإجراءات المتعلقة بوضعهم الوظيفي.

أما بقية الحالات التي لا تزال معلقة، فتشمل فئة “لم يباشر”، إلى جانب ملفات مفصولين من الخدمة، وهي ملفات قال العكلة إنها تحتاج إلى صدور مرسوم ينظم أوضاعهم ويحدد آلية معالجتها.

وأشار إلى أن عدد المعلمين الذين تشملهم هذه الحالات يبلغ نحو 361 معلمًا، ما يجعل القضية واحدة من أكبر الملفات الإدارية العالقة داخل مديرية التربية في المحافظة.

مَن “المفصول ولم يباشر”؟

يوضح رئيس دائرة الشؤون الإدارية أن الإشكالية الأساسية تتعلق بأشخاص نجحوا سابقًا في مسابقات توظيف مختلفة، سواء بعقود مؤقتة أو ضمن مسابقات تثبيت الوكلاء ومعلمي الصف.

لكن هؤلاء، وفق العكلة، لم يتمكنوا من مباشرة أعمالهم بسبب عدم صدور الموافقات الأمنية اللازمة في عهد النظام السابق، وهو ما منعهم من تثبيت حقوقهم الوظيفية، لتبقى ملفاتهم مصنفة ضمن فئة “لم يباشر” حتى اليوم.

أما بقية المفصولين، فتختلف أسباب أوضاعهم القانونية، إذ تشمل من فصلوا بسبب التخلف عن الخدمة الإلزامية أو الاحتياطية في عهد النظام السابق، إضافة إلى من صرفوا من الخدمة أو أوقفت أعمالهم بقرارات “كف يد”.

ويرى متابعون للملف أن اختلاف الخلفيات القانونية لهذه الفئات جعل معالجة أوضاعها أكثر تعقيدًا، خصوصًا في ظل التغييرات الإدارية التي تشهدها مؤسسات الدولة في الحسكة.

انتظار يطول

محمد رمضان، وهو أحد المعلمين المتضررين من فئة “لم يباشر”، قال لعنب بلدي، إن أفراد هذه الفئة عاشوا خلال الأشهر الماضية على أمل العودة إلى وظائفهم، بعد استكمال معظم الإجراءات الإدارية المطلوبة، موضحًا أن بعضهم راجع مديرية التربية والمحافظة عدة مرات لتقديم الأوراق المطلوبة وتحديث بياناته.

وأضاف أن توقف الملف في مراحله الأخيرة تسبب بإحباط كبير بين المعلمين، خاصة أن كثيرين منهم امتنعوا عن البحث عن فرص عمل أخرى انتظارًا لاستكمال إجراءات تعيينهم.

وأشار إلى أن عددًا من المتضررين يعيلون أسرًا كبيرة، وكانوا يعوّلون على العودة إلى الوظيفة الحكومية لتحسين أوضاعهم المعيشية بعد سنوات من عدم الاستقرار.

وأوضح رمضان أن الغموض الحالي يزيد من معاناة العائلات التي تعتمد على هذه الوظائف كمصدر دخل أساسي، مطالبًا وزارة التربية بإصدار توضيح رسمي يحدد مصير الملفات ويضع جدولًا زمنيًا لمعالجتها، بدل ترك المعلمين في حالة انتظار مفتوحة منذ سنوات.

بدوره، قال المعلم علي الأحمد إن حالة الانتظار المستمرة منذ سنوات تركت آثارًا اقتصادية ونفسية على أصحاب الملفات، لافتًا إلى أن كثيرين منهم استوفوا جميع الأوراق المطلوبة أكثر من مرة مع كل مرحلة جديدة من مراحل معالجة الملف، وكانوا يعتقدون أن العقود وصلت إلى مراحلها النهائية.

وأضاف أن إعادة الملفات للتدقيق دون توضيحات رسمية خلقت حالة من القلق، مشيرًا إلى أن المعلمين لا يطالبون سوى بحسم الملف بشكل واضح، سواء بالموافقة على مباشرتهم أو إصدار قرار رسمي يوضح وضعهم القانوني، بدل استمرار حالة عدم اليقين.

وأشار الأحمد إلى أن بعض المتضررين اضطروا خلال السنوات الماضية للعمل في مهن مؤقتة أو أعمال يومية لتأمين احتياجات أسرهم، لكنهم ظلوا يعتبرون العودة إلى التدريس هدفهم الأساسي.

ويرى أن معالجة الملف بشكل شفاف ستخفف من حالة الاحتقان بين المعلمين، خصوصًا في ظل إعادة تنظيم القطاع التعليمي ودمج الكوادر التعليمية في المحافظة.

لا موعد للحسم

وحول موعد إنهاء هذا الملف، أكد العكلة أنه لا يمكن تحديد إطار زمني واضح في الوقت الحالي، لأن الأمر مرتبط بالتوجيهات والقرارات التي ستصدر عن وزارة التربية والجهات المختصة.

وأشار إلى أن مديرية التربية تواصل مخاطبة الجهات المعنية من أجل معالجة أوضاع المتضررين، وإنهاء حالة الانتظار التي يعيشها هؤلاء منذ سنوات.

ويطالب أصحاب الملفات محافظة الحسكة ووزارة التربية والتعليم بإصدار توضيح رسمي يبين أسباب توقف الإجراءات، ويحدد مصير العقود التي وصلت إلى مراحلها النهائية، معتبرين أن استمرار الغموض يزيد من حالة القلق ويؤخر استقرار العملية التعليمية في المحافظة.

في سياق إعادة الهيكلة

يأتي هذا الملف في سياق التحولات الإدارية التي تشهدها محافظة الحسكة منذ مطلع عام 2026، عقب سيطرة الجيش السوري على أجزاء واسعة من الأرياف الجنوبية والشرقية وأجزاء من الريف الغربي، مقابل استمرار وجود “قسد” في مدينتي الحسكة والقامشلي ومناطق أخرى.

وأعقب ذلك توقيع اتفاق في 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية و”قسد” نص على البدء بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والخدمية ضمن الهياكل الحكومية، وهو مسار بدأ تطبيقه تدريجيًا منذ شباط الماضي.

وشمل هذا المسار إعادة افتتاح عدد من الدوائر الحكومية التي كانت متوقفة منذ سقوط النظام السابق أواخر عام 2024، إلى جانب تنظيم أوضاع المؤسسات التعليمية، وإعادة افتتاح المدارس، ودمج معلمي المؤسسات التعليمية التابعة لـ”قسد” ضمن مديرية التربية في الحسكة، بالتوازي مع تنفيذ ترتيبات إدارية أخرى.

وفي ظل هذه التحولات، يرى المتضررون أن حسم أوضاع فئة “المفصول ولم يباشر” يمثل أحد الملفات التي ما تزال تنتظر معالجة قانونية وإدارية واضحة، بما يضمن استقرار الكادر التعليمي ويحد من حالة الغموض التي يعيشها مئات المعلمين منذ سنوات.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة