
جانب من الأضرار التي أصابت إحدى مسامك ريف حماة الشمالي بقرية باب الطاقة - 24 تموز 2026 - (عنب بلدي)

جانب من الأضرار التي أصابت إحدى مسامك ريف حماة الشمالي بقرية باب الطاقة - 24 تموز 2026 - (عنب بلدي)
يواجه مربو الأسماك في سهل الغاب كارثة اقتصادية وبيئية، بعد تفشي وباء غامض يضرب حصرًا أسماك الكارب، متسببًا في نفوق جماعي يبيد أحواضًا كاملة خلال ساعات، وسط عجز عن تحديد مصدر العدوى وتشخيصها في البداية.
وبينما يحاول المربون إنقاذ ما تبقى من موسمهم مثقلين بالديون، يكشف خبير مختص في أمراض الأسماك، في شهادة خاصة لعنب بلدي، عن تشخيص مخبري دقيق يؤكد أن الفيروس المتهم هو “هربس الكارب”، المسجل عالميًا ضمن الأمراض الواجب إبلاغ المنظمة العالمية للصحة الحيوانية بها، محذرًا من استيطانه في ظل غياب ثقافة الأمن الحيوي وضعف البنية التحتية للقطاع.
المزارع سالم أحمد قطيش، من قرية باب الطاقة في سهل الغاب، قال لعنب بلدي، إن الفاجعة بدأت تضرب الأحواض أواخر العام الماضي، وتحديدًا بين أواخر أيلول وتشرين الأول، حين ظهر مرض مجهول وغامض لا يرحم، يترصد حصرًا بسمك الكارب دون غيره من الأنواع.
وأوضح قطيش أنه بينما كان الكارب يموت بالآلاف، كانت بقية الأنواع مثل المشط والسلور والفضي والعشبي تعيش في الأحواض ذاتها دون أن تصاب بأي أذى، مؤكدًا أن المرض انتشر كالنار في الهشيم، وتنقل بين الأحواض والمزارع من منطقة تل حويز وصولًا إلى قلعة المضيق.
وقال إن الشكوك الأولى توجهت نحو الملوثات أو الرواسب الكيماوية في المسامك التي كانت مهجورة لسنوات، لكن المأساة شملت الجميع دون استثناء، لتتأكد فرضية المرض الوبائي.
وصف قطيش سرعة النفوق بأنها مرعبة ولا تُصدق، فالحوض الذي تظهر فيه أول علامة إصابة لا يمر عليه الليل إلا وقد أبيد بالكامل. وخلال 12 إلى 24 ساعة فقط، يستيقظ المزارع ليرى مسمكته التي تضم أكثر من عشرة أطنان من الأسماك قد انتهت تمامًا.
وأضاف أن تحديد مصدر العدوى كان مستحيلًا بالنسبة للمربين، فلا يُعرف إن كان المرض ينتقل عبر الهواء أم الطيور أم المياه، مشيرًا إلى أنه حتى مسامك الدولة الموجودة في باب الطاقة والجهات المعنية، عجزت عن تشخيص هذا الوباء أو الحد منه.
ولفت قطيش إلى أن الإصابات لم تقتصر على المياه السطحية أو مياه نهر العاصي والمصافي، بل حتى المزارعون الذين يعتمدون كليًا على الآبار الارتوازية ذات المياه النقية الصالحة للشرب، ضُربت أحواضهم بالكامل، مما فنّد فرضية التلوث كمسبب رئيس.
وعن خسائره الشخصية، قال قطيش إنه خسر قبل أيام قليلة أكثر من 500 كيلوجرام من الأسماك في ليلة واحدة، ففي المساء كانت الأمور تسير على ما يرام، ومع ساعات الصباح الأولى كان الحوض قد قضى بنسبة كاملة.
وأضاف أن هذا السيناريو يتكرر رغم أنه عاد للاستثمار بقوة هذا الموسم واستدان مبالغ مالية لترميم المسمكة وتأمين الأعلاف، متجاوزًا التكلفة خلال ثلاثة أشهر فقط ما بين 3500 إلى 4000 دولار، تبخرت جميعها دون أن يجني ليرة واحدة.
ورغم هذا الواقع المأساوي، شدد قطيش على رفض المزارعين للاستسلام، مؤكدًا أن الجميع مستمر في إعادة التجربة، وإن كان بأسلوب حذر كتقليل كثافة التزريع من خمس فراخ في المتر المربع إلى فرخ واحد أو فرخين، أملًا في سداد الديون وتعويض جزء من هذه الخسائر الفادحة.
من جانبه، أكد المزارع علاء رمضان، من قلعة المضيق، لعنب بلدي، أن المرض ظهر في فصلي الخريف والربيع، وتحديدًا في فترات تبدّل الطقس التي ساعدت بشكل كبير على ظهوره ونشاطه، حيث بدأ بشكل تدريجي متسارع ومفاجئ.
وأوضح رمضان أن النفوق أصاب أسماك الكارب فقط وبكل الأعمار، دون أن يمس أي نوع آخر، مؤكدًا أنه حاليًا يربي ويفرخ أسماك الكارب فقط، مما يجعله عرضة للخطر بشكل كامل.
وكشف رمضان أن الجائحة والمسبب المرضي الأساسي هو فيروس “الهربس كارب”، مصحوبًا بإصابات ثانوية بكتيرية وفطرية، وفي بعض الحالات طفيليات.
حسين الحسين، طبيب مختص في تغذية وأمراض الأسماك ومحاضر في كلية الطب البيطري بحماة، لعنب بلدي، عن تفاصيل التشخيص المخبري الدقيق الذي أجراه بنفسه، مؤكدًا أن المرض الذي ضرب المنطقة هو فيروس “هربس الكارب” (Koi Herpes Virus).
وقال الطبيب إنه سحب العينات بنفسه من الأسماك المصابة، وحللها على جهاز “PCR” في مخبر البيولوجيا الجزيئية بكلية الطب البيطري في جامعة حماة، حيث أظهرت النتائج إيجابية للفيروس الذي كان يشتبه به منذ اللحظة الأولى.
وأوضح أن الأعراض ومعدلات النفوق العالية جدًا، وإصابة نوع واحد دون غيره وهو الكارب، كانت تدل على شيء نوعي فيروسي، وقد تم إثبات ذلك مخبريًا عبر تحليل الغلاصم والأعضاء الداخلية.
وأقرّ الطبيب بأنه لم يتمكن من إخبار المربين بالنتيجة فورًا، مرجعًا ذلك إلى ثقافة المربين وظروفهم القاسية، إذ إنهم عائدون من المخيمات وبيوتهم مدمرة ومزارعهم مدمرة، وهم غارقون في الديون لتشغيل مزارعهم، مما يجعل تلقي خبر من هذا النوع بمثابة ضربة قاصمة.
وكشف أن هذا المرض لم يُسجل في سوريا سابقًا، فما كان مسجلًا هو حمى الربيع فقط، أما “هربس الكارب” فلم يكن معروفًا، لكنه مسجل في العراق والأردن، وكان أكثر فتكًا في العراق خاصة عام 2019.
وعن مداخل العدوى، أوضح الحسين أنها كثيرة جدًا، فقد تكون عبر أمهات أسماك مدخلة من الخارج حاملة للمرض وتنقله، أو عبر أنواع أسماك الشبوطيات جميعها بما فيها العاشب وبعض أنواع الزينة.
شدد الطبيب حسين الحسين على أن المرض شديد الخطورة وشديد السراية، ومن الأمراض الفيروسية الواجب إبلاغ المنظمة العالمية للصحة الحيوانية بها، محذرًا من أن الفيروس يبقى حيًا دون عائل، وأفضل ما يؤثر عليه هو ضوء الشمس.
ويرى أن نوعية العلف الجيدة وروافع المناعة وجودة المياه، جميعها تلعب دورًا إيجابيًا في التخفيف من معدلات النفوق وشدة المرض، إلا أن المرض يبقى خطرًا جدًا.
وأكد أن الأمراض الفيروسية بشكل عام لا علاج لها، والعمل على المناعة منذ البداية هو الأساس، داعيًا إلى اعتماد خطة متكاملة تبدأ باختيار أمهات أسماك سليمة وخالية من المرض، والكشف عن الطور الكامن للمرض وفق تقنية “PCR”، وهو ما أصبح متوفرًا في سوريا بعد طلب مواد خاصة من كوريا لهذا التحليل، مما يمكّن من كشف الأسماك الحاملة للمرض على المعابر.
وأوضح الحسين أنه بعد التأكد من خلو الأسماك من المرض، يجب أن تكون المفارخ مجففة ومعقمة، وتُنقل الأسماك بواسطة صهاريج معقمة بشكل جيد، وبعد الحضن والتفريخ، تُنقل إلى أحواض معقمة بالكلس الحي، خاصة الأحواض التي ظهرت عليها إصابة سابقة.
ودعا الحسين إلى تطبيق أنظمة أمن حيوي في كل المراحل الإنتاجية، بداية من الأمهات وحتى مرحلة التسمين، بما في ذلك تعقيم الشباك، وتحديد استخدام المعدات بحيث تكون مخصصة لكل مزرعة، ومنع انتقالها بين المزارع، إضافة إلى تعقيم وسائل النقل وحتى العمال.
وشدد على أن الكثافة ليست مشكلة بحد ذاتها، إنما المشكلة تكمن في عدم البدء بشكل صحيح وفق أسس الأمن الحيوي والتأكد من سلامة الأمهات وخلوها من المرض.
قال الطبيب حسين الحسين إن الإنذار المبكر هو أحد أهم الركائز، داعيًا إلى الشفافية والتعاون بين المربين والالتزام بكلام المختصين بشأن الأمن الحيوي، لألا ينتشر المرض، محذرًا من أنه إذا استوطن فلن يترك سمكة كارب واحدة في البلاد.
ودعا إلى أخذ عينات دورية للتقصي عن الأسماك الحاملة للمرض ضمن المزارع المشتبه بها، مؤكدًا أن هذا الأمر أصبح متوفرًا لكنه بحاجة إلى دعم من الدولة.
ووجه الطبيب الحسين انتقادًا لحال القطاع، معتبرًا أن الناس لا يستوعبون حجم الضرر، لأن الاستزراع السمكي في سوريا لا يزال بدائيًا ويعود إلى القرون الوسطى، محذرًا من أن حجم هدر المياه والموارد مخيف، خاصة المياه، في وقت تعاني فيه البلاد من شح الموارد المائية.
ويأمل مربو الأسماك في سهل الغاب أن تصل تحذيرات الخبراء إلى الجهات المعنية، وأن يتم تبني خطة وطنية عاجلة لمكافحة فيروس “هربس الكارب” قبل أن يستوطن ويمتد إلى كامل المسطحات المائية السورية، في وقت يتحول فيه الأمل الوحيد للمربين إلى تقليل كثافة التزريع والتعقيم المستمر، في انتظار حلول قد لا تأتي قبل فوات الأوان.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى