السويداء تحت ضغط تعطل المؤسسات.. قضاء معلّق ومعاملات مجمدة

قصر العدل في محافظة السويداء - 24 تموز 2026 (عنب بلدي)

camera iconقصر العدل في محافظة السويداء - 24 تموز 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

لا تزال محافظة السويداء تعيش تداعيات أحداث تموز 2025، ليس فقط على المستوى الأمني والخدمي، بل أيضًا على الصعيد القانوني والإداري.

ويواجه الأهالي صعوبات متزايدة في إنجاز معاملاتهم الأساسية، في ظل استمرار توقف عدد من الدوائر الرسمية، وتعطل مسارات التقاضي في قضايا متعددة، الأمر الذي انعكس مباشرة على حياة المواطنين وعلى عمل المحامين في المحافظة.

وجاء أحدث الإجراءات في هذا السياق قرار وزارة العدل، في 20 من أيار الماضي، بالإيقاف المؤقت لجميع دعاوى البيوع العقارية الواقعة ضمن محافظة السويداء، إضافة إلى إيقاف جميع الدعاوى الشخصية والدعاوى التي تكون الجهات العامة طرفًا فيها.

وذكرت الوزارة أن قرارها يأتي في إطار صون الحقوق ومنع استغلال الظروف الاستثنائية التي تمر بها المحافظة.

كما شمل القرار إيقاف تنظيم الوكالات العدلية العامة، والوكالات الخاصة المتعلقة ببيع العقارات والمركبات أو التوكيل ببيعها أمام دوائر الكاتب العدل في عدلية السويداء، سواء كانت قابلة للعزل أم غير قابلة للعزل، وسواء كانت داخلية أم خارجية.

وبحسب ما أوضحته الوزارة، فإن الدعاوى المشمولة بالقرار ستُقبل قيدًا وتسجيلًا، من دون السير في إجراءات المحاكمة أو إصدار الأحكام، مع تقرير وضع إشارات الدعوى والإشارات التحفظية على الصحائف العقارية، بما يكفل تثبيت تاريخ الادعاء وحفظ أولوية الإشارة وصون حقوق الأطراف.

كما تضمن القرار وقف جميع الإجراءات التنفيذية المتعلقة بالعقارات الواقعة ضمن محافظة السويداء، بما في ذلك نقل الملكية والبيع الجبري وأي إجراء تنفيذي يؤدي إلى التصرف بالعقار أو ترتيب حقوق عينية عليه، إضافة إلى الإجراءات التنفيذية المدنية أو الجزائية المتعلقة بأشخاص مقيمين فعليًا خارج السويداء، وتلك التي تكون الجهات العامة طرفًا فيها، مع الإبقاء على جواز اتخاذ الإجراءات التحفظية متى اقتصر أثرها على حفظ الحقوق دون المساس بأصل الملكية أو نقلها.

وتضمن القرار أيضًا تعليق المهل القانونية والإجرائية المتعلقة بالدعاوى والإجراءات التنفيذية المشمولة بأحكامه طوال مدة سريانه، منعًا لسقوط الحقوق أو التقادم، على أن يعمل به بصفة مؤقتة من تاريخ صدوره وحتى صدور قرار لاحق ينهي أو يعدل أحكامه تبعًا لتبدل الظروف.

كما كُلفت إدارة التفتيش القضائي والمحامون العامون بمتابعة حسن التنفيذ وإعلام وزارة العدل بأي صعوبات أو مخالفات تعترض تطبيقه.

إجراءات سابقة

لا يأتي هذا الإجراء بمعزل عن سلسلة قرارات سابقة صدرت منذ أحداث السويداء، ففي مطلع أيلول 2025، أعلنت وزارة العدل التعميم رقم “13”، الذي نص على إيقاف جميع المهل والمواعيد القانونية في محافظة السويداء، اعتبارًا من 13 من تموز 2025 حتى إشعار آخر.

وبررت الوزارة ذلك حينها بأن الأحداث التي وصفتها بـ”المؤسفة” التي شهدتها المحافظة منذ تموز 2025 أدت إلى تعطل العمل في مرافق الدولة، بما فيها المحاكم والدوائر المالية، إضافة إلى انقطاع المواصلات بين مدن وبلدات وقرى المحافظة، وهو ما شكّل ظرفًا استثنائيًا حال دون تقديم الدعاوى والطعون المقيدة بمدد قانونية.

قضاء السويداء.. عمل محدود

رغم استمرار العمل القضائي شكليًا، لا يزال غالبية العمل معطلًا، وفق ما أكده محامٍ في السويداء (فضل عدم نشر اسمه) لعنب بلدي، وأن القضايا التي تنظر فيها المحكمة اليوم لا تمثل إلا هامشًا ضيقًا من حجم العمل المعتاد، وتنحصر الدعاوى التي ما زالت تُتابع داخل المحكمة بدعاوى الزواج والطلاق، إلى جانب بعض الدعاوى الجزائية كقضايا السرقة والقتل، لكن فقط في حال تم إلقاء القبض على الجناة، ووفق تقديره فإن هذه الملفات لا تتجاوز 5% من طبيعة عمل المحامين المعتادة.

وذكرت محامية أيضًا لعنب بلدي، أن المحكمة خلال شهر آب 2025 كانت تنجز بعض المعاملات الإدارية المحدودة، مثل معاملات الوصاية التي تحتاجها بعض الأمهات للسفر مع أطفالهن، إضافة إلى معاملات الزواج وبعض الوكالات، إلا أن الدعاوى المدنية، والمالية، والعقارية، والإجراءات المرتبطة بالأحوال المدنية بقيت متوقفة إلى حد بعيد.

النفوس والعقار والمالية.. دوائر خارج الخدمة

قالت المحامية، التي فضلت عدم نشر اسمها، إن الأثر الأكبر لتوقف العمل القضائي والإداري ظهر في تعطّل دوائر الأحوال المدنية والمالية والعقارية، وهي الدوائر التي تمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر.

وبات أي مواطن يريد تسجيل ابنه في النفوس أو إنجاز معاملة مرتبطة بالأوراق الثبوتية أو تصديق أي معاملة مضطرًا في كثير من الحالات إلى التوجه إلى دمشق.

وفي هذا السياق، أعلنت محافظة السويداء افتتاح مركز للأحوال المدنية في ناحية الصورة الصغيرة أواخر آذار الماضي، في خطوة جاءت “كمحاولة لتخفيف بعض الضغط على المواطنين”، وفق ما ذكرت في اعلانها، لكن هذا لم ينهِ المشكلة فعليًا.

أحد أهالي السويداء قال لعنب بلدي، إن المسافة بين بعض بلدات الريف الجنوبي مثل صلخد وناحية الصورة الصغيرة تصل إلى نحو 160 كيلومترًا تقريبًا، ما يجعل الوصول إلى المركز أمرًا مرهقًا ومكلفًا، فضلًا عن أن كثيرًا من الأهالي يتخوفون من التوجه إلى المنطقة، سواء لأسباب أمنية أو لوجستية.

وأضاف، “لماذا بتنا مضطرين إلى توكيل أشخاص في دمشق لمتابعة المعاملات، مقابل أجور مادية، في حين كانت هذه الإجراءات تُنجز سابقًا بسهولة وبشكل مجاني داخل المدينة”.

شلل السوق العقارية

من بين أكثر القطاعات تأثرًا، السوق العقارية التي تكاد تكون مشلولة بالكامل بحسب أحد أصحاب المكاتب العقارية، فمن جهة، أوقفت وزارة العدل النظر في دعاوى البيوع العقارية، ومن جهة أخرى، جُمدت الوكالات المتعلقة بالعقار والمركبات، ما جعل البائع يخشى التفريط بأملاكه في ظل غياب الضمانات القانونية، فيما يخشى الشاري الدخول في عملية شراء لا يمكن توثيقها رسميًا.

وقالت المحامية، إن هذا الفراغ القانوني أدى إلى ركود شبه كامل في السوق العقارية، وأصبح كثير من الناس يترددون حتى في مجرد التفكير بالبيع أو الشراء، بسبب غياب الطريق الرسمي الواضح الذي يحفظ حقوق الطرفين.

لكن هذا الشلل الرسمي لم يمنع ظهور مسارات بديلة، إذ يلجأ بعض الباعة والمشترين إلى عقود عرفية غير مسجلة، تُبرم خارج السجل العقاري ودون انتظار المسارات القضائية الرسمية.

ورغم أن بعض هذه العقود تتم بحضور شهود فإنها تبقى وفق قانونيين خطيرة ومفتوحة على احتمالات النزاع والاحتيال، لأنها لا تمنح الضمانة القانونية الكاملة التي يوفرها التوثيق الرسمي.

محامون دون عمل

لم يقتصر أثر هذا الجمود على المواطنين، بل طال المحامين أيضًا، الذين وجد كثير منهم أنفسهم أمام واقع مهني صعب.

وتقدّر المحامية عدد المحامين في محافظة السويداء بنحو 1300 محامٍ، بمن فيهم بين 200 و300 محامٍ متدرب، مع التأكيد أن هذه الأرقام تقريبية وغير رسمية، وبعد توقف معظم الدعاوى وتجميد عدد كبير من المعاملات أدى إلى توقف مصادر دخل كثيرة، وإغلاق عدد من المكاتب، ما انعكس على مئات العائلات التي تعتمد على هذه المهنة كمصدر رئيس للدخل.

وأوضحت أن المشكلة لا تقف عند تراجع العمل فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى محدودية الخيارات أمام المحامي، إذ إن القانون لا يتيح له ممارسة عمل آخر، باستثناء التدريس في الجامعات.

خيارات معقدة

أكدت وزارة العدل عند إعلانها قرار الإيقاف المؤقت لجميع دعاوى البيوع العقارية الواقعة ضمن محافظة السويداء، إضافة إلى إيقاف جميع الدعاوى الشخصية والدعاوى التي تكون الجهات العامة طرفًا فيها، أن الإجراءات المتخذة مؤقتة وتهدف إلى حماية الحقوق ومنع استغلال الظروف الاستثنائية في السويداء، غير أن الواقع اليومي الذي يرويه الأهالي والمحامون يعكس صورة أكثر تعقيدًا، إذ يجد المواطن نفسه أمام خيارين:

  1.  الانتظار حتى تعود المؤسسات إلى عملها الكامل، مع ما يعنيه ذلك من تعطيل قد يطول.
  2. اللجوء إلى حلول غير رسمية ومحفوفة بالمخاطر.

وبينما تؤكد وزارة العدل أن هذه الإجراءات مؤقتة وتهدف إلى حماية الحقوق في ظل الظروف الاستثنائية، يواجه أهالي السويداء واقعًا قانونيًا وإداريًا يزداد تعقيدًا مع استمرار تعطل المؤسسات وتقييد مسارات التقاضي.

ومع غياب مؤشرات واضحة على موعد استئناف العمل الكامل في الدوائر القضائية والإدارية، تبقى آلاف المعاملات والحقوق معلقة، فيما يواصل المواطنون والمحامون البحث عن حلول توازن بين حماية الحقوق وضمان استمرار الوصول إلى الخدمات الأساسية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة