محللون يستبعدون انخراط دمشق في المواجهة

استهداف “التنف”.. إيران تنقل رسائلها الإقليمية إلى الساحة السورية

أطفال يلعبون بجانب صاروخ إيراني سقط في محافظة الحسكة - 5 آذار 2026 (AFP)

camera iconأطفال يلعبون بجانب صاروخ إيراني سقط في محافظة الحسكة - 5 آذار 2026 (AFP)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – ركان الخضر

في خضم الصراع الإقليمي الدائر بالمنطقة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، لم تغب الساحة السورية عن المشهد بعد إعلان “الحرس الثوري” الإيراني استهداف قاعدة “التنف” مرتين خلال أيام معدودة.

وقال “الحرس الثوري”، في 17 من تموز الحالي، إنه استهدف قاعدة “التنف” الأمريكية في سوريا، واعتبر ذلك “ثأرًا لدماء جنود إيرانشهر” الذين سقطوا بضربات أمريكية على إحدى القواعد العسكرية الإيرانية.

كما عادت إيران لاستهداف المنطقة ذاتها في 20 من تموز، مما أثار تساؤلات حول أهداف طهران من استهداف الأراضي السورية خاصة أن الجيش الأمريكي سبق أن أعلن انسحابه من القاعدة في شباط الماضي.

رسائل سياسية أكثر منها عسكرية

يرى الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله، أن إيران ما زالت تتحرك ضمن استراتيجية تهدف إلى توسيع دائرة التوتر في المنطقة، لكن ليس بالضرورة عبر إلحاق خسائر عسكرية كبيرة بالطرف الآخر، وإنما من خلال الحرب النفسية والإعلامية.

وتهدف الاستراتيجية الإيرانية، بحسب العبد الله، إلى إظهار أن طهران ما زالت تمتلك القدرة على التأثير في مجريات الأحداث، لذلك نراها تستمر في تنفيذ هجمات متفرقة، بعضها يستهدف مواقع محدودة الأهمية أو حتى مناطق سكنية، في محاولة لإرسال رسائل سياسية وأمنية أكثر من تحقيق مكاسب عسكرية مباشرة.

ويتفق الباحث في “المركز السوري للدفاع والأمن” (مسداد) معتز السيد مع الباحث العبد الله، في أن استهداف القاعدة لم يكن له هدف عسكري، لأن الجميع، بما في ذلك إيران، يعلم أن القوات الأمريكية انسحبت منها منذ فترة، الأمر الذي يجعل العملية أقرب إلى رسالة سياسية.

ويعتقد السيد أن الرسالة الأولى موجهة إلى الولايات المتحدة، ومفادها أن مصالحها في سوريا، كما في بقية المنطقة، تبقى ضمن دائرة الاستهداف متى قررت طهران ذلك.

أما الرسالة الأهم، برأي السيد، فهي موجهة إلى دمشق، مشيرًا إلى أن إيران أرادت التأكيد أنها لا تزال لاعبًا مؤثرًا في الساحة السورية، وأن أي تصعيد ضد شبكاتها، ولا سيما شبكات تهريب السلاح كما ظهر بعد ضبط الشحنة الأخيرة، لن يمر دون رد.

وأوضح السيد أن العملية تحمل أيضًا تحذيرًا غير مباشر بأن أي انخراط سوري في إجراءات تستهدف “حزب الله” أو تؤثر على مصالحه قد يفتح الباب أمام انتقال جزء من المواجهة إلى الداخل السوري.

ارتباط العملية بـ”دور سوري” في لبنان

جاء الاستهداف الإيراني في ظل تصاعد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، وتزايد الحديث عن احتمال لعب دور سوري في مواجهة “حزب الله” اللبناني.

وكان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، جدد تصريحاته حول هذا الدور خلال لقائه بالرئيس اللبناني، جوزيف عون، بواشنطن في 21 من تموز الحالي، قبل أن يتحدث وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، في تصريحات صحفية عن ضرورة ضبط الحدود السورية- اللبنانية من قبل الحكومة السورية، واصفًا “حزب الله” بالعدو للدولة السورية الساعي لتقويضها.

وسبق التصريحات الأمريكية إعلان وزارة الداخلية السورية، في 16 من تموز، إحباط محاولة تهريب شحنة كبيرة من الأسلحة النوعية عبر الحدود السورية- العراقية، مشيرة إلى أن التحقيقات الأولية أظهرت أن الشحنة كانت معدّة للعبور عبر الأراضي السورية باتجاه لبنان لمصلحة “حزب الله” اللبناني.

كما أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك السورية، في 21 من الشهر ذاته، أن أمانة جمارك جديدة يابوس بريف دمشق ضبطت 226 قنبلة من نوع “RGC” كانت مخبأة بإحكام ضمن مخابئ سرية داخل إحدى السيارات المتجهة إلى الأراضي اللبنانية.

ويطرح الاستهداف الإيراني استفسارات حول مدى ارتباطه بالتصعيد العسكري الإقليمي والحديث عن دور سوري في لبنان، بالإضافة إلى نجاح الحكومة السورية في ضبط حدودها عبر منع شحنات الأسلحة المتجهة إلى الحزب المتحالف مع طهران.

الباحث معتز السيد أشار إلى أن تأثير هذه الضربة على سوريا يبقى محدودًا حتى الآن، خصوصًا أن السلطات السورية منذ بداية التصعيد الإيراني- الأمريكي- الإسرائيلي اتبعت سياسة تقوم على تجنب الانخراط في صراعات الإقليم، وأظهرت رغبة واضحة في عدم تحويل الأراضي السورية إلى ساحة مواجهة جديدة.

لكن التحدي الحقيقي، بحسب السيد، يكمن في الضغوط المتزايدة على دمشق من أطراف مختلفة، فالتصريحات الأمريكية حول احتمال انخراط سوريا في مواجهة تستهدف “حزب الله”، تضع الحكومة أمام ضغوط سياسية، بينما تأتي الضربة الإيرانية لتضيف ضغطًا من الاتجاه المقابل، في محاولة للتأكيد أن أي تغيير في قواعد التعامل مع نفوذ طهران أو حلفائها ستكون له تداعيات.

من جانبه، أوضح الباحث سمير العبد الله أن استهداف قاعدة “التنف” لا يخرج عن التطورات التي تشهدها الساحة اللبنانية، ولا عن الحديث المتزايد حول احتمال وجود دور سوري في مواجهة “حزب الله” أو في ضبط الحدود اللبنانية بصورة أكثر فاعلية.

وأضاف أن طهران من خلال هذا القصف، إلى جانب تصاعد محاولات تهريب السلاح عبر الأراضي السورية، وازدياد تهديدات بعض الميليشيات العراقية المرتبطة بها، تسعى إلى توجيه رسائل ضغط وردع للإدارة السورية، مفادها أن أي انخراط في خطوات تستهدف نفوذها أو حلفاءها في المنطقة ستكون له تكلفة أمنية.

سيناريوهات الرد السوري

انتهجت إيران سياسة استهداف دول المنطقة، بذريعة توجيه ضربات عسكرية إلى قواعد ومصالح أمريكية في هذه الدول، لكنها لم يسبق أن أعلنت استهداف الأراضي السورية بشكل مباشر منذ بداية النزاع العسكري في 28 من شباط الماضي.

واقتصرت ارتدادات الحرب الأمنية على سوريا، من خلال سقوط بعض المقذوفات داخل الأراضي السورية، نتيجة اعتراض الصواريخ الإيرانية من قبل الدفاعات الجوية الإسرائيلية، بالإضافة إلى قيام بعض المجموعات العراقية المسلحة المتحالفة مع طهران باستهداف الأراضي السورية خلال الفترة الماضية.

والتزمت سوريا الحياد وعدم الرد العسكري على كل التطورات الماضية، فكيف ستكون سيناريوهات تعامل دمشق مع الاستهداف الإيراني المباشر.

الباحث سمير العبد الله لا يعتقد أن هذه التطورات ستدفع دمشق إلى تغيير سياستها أو الانجرار إلى مواجهة مباشرة، مشيرًا إلى أن الإدارة السورية تبدو مدركة لطبيعة هذه الرسائل، وتتعامل معها باعتبارها جزءًا من محاولة إقليمية لفرض وقائع جديدة أو التأثير في خياراتها السياسية والأمنية.

ورجح العبد الله أن تواصل الحكومة السورية اعتماد سياسة ضبط النفس، مع تعزيز الإجراءات الأمنية والتنسيق مع حلفائها لتفادي أي تصعيد غير محسوب.

وأضاف أن إيران تدرك أن قدرتها على خوض مواجهة عسكرية واسعة تراجعت بعد التطورات الأخيرة التي شهدتها المنطقة، ولذلك باتت تعتمد بدرجة أكبر على أدواتها غير المباشرة، سواء عبر الميليشيات الحليفة، أو شبكات تهريب السلاح، أو الحملات الإعلامية، أو العمليات الأمنية المحدودة، بهدف الإبقاء على حضورها الإقليمي ومنع خصومها من استثمار المتغيرات التي أعقبت الحرب الأخيرة.

واختتم الباحث العبد الله حديثه، بأن إيران تريد أن تقول إنها ما زالت لاعبًا إقليميًا لا يمكن تجاوزه، وأن لديها القدرة على التأثير في أمن المنطقة متى شاءت، أما الإدارة السورية فتبدو حريصة على عدم الانجرار إلى هذا المسار، والتركيز بدلًا من ذلك على أولوياتها الداخلية، وفي مقدمتها تثبيت الاستقرار، واستكمال بناء مؤسسات الدولة، وجذب الاستثمارات، وهي أهداف تتطلب تجنب أي انخراط في صراعات إقليمية جديدة.

من جهته، استبعد الباحث معتز السيد أي مؤشرات على تصعيد واسع في الساحة السورية، متوقعًا استمرار تبادل الرسائل بين الأطراف الإقليمية ودمشق، سواء عبر تحركات محدودة أو ضغوط سياسية وأمنية، بهدف التأثير على مواقف الأطراف وتحديد هامش التحرك لكل طرف.

أما موقف الحكومة السورية حتى الآن فيمكن اعتباره، بحسب السيد، متزنًا، من خلال التعامل مع مختلف الضغوط والاستفزازات بهدوء، انطلاقًا من إدراكها أن الانخراط في أي صراع إقليمي ليس من مصلحتها في هذه المرحلة، في ظل تركيزها على إعادة بناء مؤسسات الدولة ومعالجة الملفات الداخلية، وليس الدخول في مواجهات قد تزيد من تعقيد الوضع السوري.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة