"كأن السنوات الماضية لم تمر"

يارا صبري: ما بعد الحرب يحتاج إلى فن يسمع الناس

الفنانة السورية يارا صبري في حوار مع عنب بلدي - 28 حزيران 2026 (عنب بلدي)

camera iconالفنانة السورية يارا صبري في حوار مع عنب بلدي - 28 حزيران 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – أمير حقوق

الفنانة يارا صبري، واحدة من أبرز الوجوه التي ارتبطت بالدراما والمسرح السوريين منذ مطلع التسعينيات، إذ قدمت خلال مسيرتها الممتدة لأكثر من ثلاثة عقود عشرات الأعمال التلفزيونية والمسرحية، التي تنوعت بين الاجتماعي والتاريخي والكوميدي، وتميزت بحضورها الهادئ وأدائها القائم على البساطة والواقعية.

تنحدر صبري من عائلة فنية عريقة، فهي ابنة الفنان سليم صبري والفنانة الراحلة ثناء دبسي، ونشأت في بيئة ثقافية أسهمت في صقل موهبتها مبكرًا، قبل أن تصبح واحدة من الأسماء البارزة في الدراما السورية.

وخلال سنوات الثورة السورية، كانت من أوائل الفنانين الذين أعلنوا موقفهم المعارض، ما دفعها إلى مغادرة سوريا، والاستقرار في الخارج لسنوات، قبل أن تعود إلى سوريا عقب التحرير، مستأنفة نشاطها الفني بمشاركات درامية ومسرحية حمل بعضها قضايا اجتماعية وإنسانية ترتبط بواقع السوريين وتحديات مرحلة ما بعد الحرب.

في حوار خاص مع عنب بلدي، تحدثت الفنانة يارا صبري عن المسرح بوصفه مساحة للحوار المجتمعي، وترى أن معالجة آثار سنوات الحرب لا تقتصر على المؤسسات الرسمية، بل تحتاج أيضًا إلى دور ثقافي وفني يفتح النقاش حول القضايا الأكثر حساسية، بالتوازي مع إعادة بناء صناعة الدراما السورية على أسس جديدة تواكب المتغيرات التي شهدها المجتمع خلال السنوات الماضية.

الفن مسؤولية وليس ترفيهًا فقط

بعد سنوات من الغياب عن خشبة المسرح في سوريا، اختارت يارا صبري أن تكون عودتها من بوابة واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا لدى السوريين اليوم، عبر مسرحية “بروفة يوم الحساب”، التي تتناول العدالة الانتقالية ومعاناة الناجيات من الاعتقال والاختفاء القسري، بلغة إنسانية بعيدة عن المباشرة.

ورغم إيمانها بتنوع أشكال الفن، أكدت صبري أن المرحلة الحالية تفرض على الفنانين مسؤولية مضاعفة تجاه القضايا التي تمس السوريين بصورة مباشرة، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب، دون أن يعني ذلك إلغاء الأعمال الترفيهية أو التقليل من أهميتها.

وأوضحت أن الفن مساحة واسعة تتسع لكل الألوان، من الأعمال الترفيهية إلى الأعمال الملتزمة، لكنها ترى أن وجود جمهور يبحث عن الترفيه لا يلغي وجود شريحة كبيرة من السوريين ما زالت تحمل جراحًا مفتوحة وتنتظر العدالة الانتقالية.

وقالت إن آلاف الضحايا وذويهم يعيشون حالة من الغصة والانتظار، ولذلك يصبح من واجب الفن أن يلامس هذه القضايا، خاصة أنها ترتبط بالسلم الأهلي ومستقبل المجتمع السوري.

وترى أن العدالة الانتقالية ليست مجرد قوانين أو إجراءات قضائية، بل تحتاج أيضًا إلى حوار وشفافية مع الناس، وإطلاعهم على ما يجري في هذا المسار، مشيرة إلى أن الجهات المعنية، ومنها هيئة العدالة الانتقالية وهيئة المفقودين، تبذل جهودًا في هذا الاتجاه، إلا أن بطء العمل يعود إلى نقص الكوادر والإمكانات.

ولفتت إلى أن السوريين بحاجة لمعرفة أسباب هذا البطء، ولإدراك أن الوصول إلى العدالة يتطلب وقتًا طويلًا، لأن حجم الانتهاكات التي تراكمت على مدى سنوات كبير جدًا، مؤكدة أن العرض المسرحي سعى إلى توجيه رسالة تضامن مع الناجين وذوي الضحايا، ورسالة أخرى للمسؤولين للإسراع في هذا المسار.

كيف يروي الفن سنوات الحرب؟

لا تعارض يارا صبري تناول سنوات الثورة والحرب في الأعمال الفنية، لكنها تدعو إلى مقاربة اجتماعية وإنسانية، بعيدًا عن المباشرة أو الخطاب العاطفي، معتبرة أن المسافة الزمنية تساعد لاحقًا على إنتاج أعمال أكثر نضجًا.

وقالت إن المجتمع يحتاج دائمًا إلى الحديث عن جراحه، لكن الفن يستطيع أن يفعل ذلك بطريقة غير مباشرة، من خلال قصص الناس وتجاربهم الإنسانية.

وترى أن الأعمال الفنية الكبرى غالبًا ما تولد بعد مرور وقت على الأحداث، عندما تصبح الصورة أوضح، ويتمكن الفنانون من رؤية التفاصيل بعمق أكبر، بعيدًا عن الانفعال المباشر، لكنها في الوقت نفسه لا تؤيد أن تتحول جميع الأعمال إلى هذا النوع من الفن، لأن الجمهور يحتاج أيضًا إلى التنوع.

 

ينبغي وجود مقاربة اجتماعية وإنسانية في الأعمال الفنية التي تتناول سنوات الثورة، بعيدًا عن المباشرة أو الخطاب العاطفي.

يارا صبري

 فنانة سورية

 

العودة.. “كأن السنوات الماضية لم تمر”

بعد مشاركتها في ثلاثة أعمال درامية خلال الموسم الرمضاني الماضي، وصفت يارا صبري عودتها إلى التصوير داخل سوريا بأنها لحظة استثنائية أعادتها إلى مكان شعرت دائمًا أنه موطنها الطبيعي.

وقالت إن أكثر ما فاجأها هو شعورها بأنها لم تغب أصلًا، إذ وجدت نفسها بين الزملاء وأمام الكاميرا وكأن السنوات الماضية لم تمر.

ووصفت الإحساس بأنه يشبه الاستيقاظ من حلم طويل، مؤكدة أنها كانت ترى العودة إلى التصوير داخل سوريا حلمًا بعيد المنال، قبل أن يتحول إلى واقع.

وأضافت أنها تشعر اليوم بأنها عادت إلى مكانها الطبيعي، معتبرة أن وجودها في بلدها والعمل فيه يحمل بالنسبة إليها معنى خاصًا.

الدراما السورية.. صناعة تبدأ من جديد

لا تنظر صبري إلى واقع الدراما السورية باعتباره امتدادًا لما كان قبل سنوات، بل ترى أن التحولات الاجتماعية والتكنولوجية فرضت واقعًا جديدًا يحتاج إلى إعادة تأسيس شاملة.

وقالت إن كل شيء تغير، ليس في الدراما فقط، وإنما في المناخ الفني بأكمله، إذ ظهرت أجيال جديدة، وتغيرت طبيعة الإنتاج والجمهور.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في طبيعة الأعمال الدرامية، بعدما بات المنتجون يركزون على جمهور المنصات أكثر من الجمهور التقليدي، وهو ما أفرز جوانب إيجابية وأخرى أقل نجاحًا، بحسب تعبيرها.

وأكدت صبري أن المطلوب أولًا هو استعادة الجدية والشغف في تقديم أعمال ذات جودة، بغض النظر عن تصنيفها بين الكوميديا أو الدراما الاجتماعية أو غيرها.

وترى أن الأهم هو إعادة بناء صناعة الدراما على أسس مؤسساتية لا فردية، عبر وضع قوانين ونظام يحمي العاملين في القطاع، ويرسخ تقاليد مهنية قوية.

 

من أولويات الدراما السورية اليوم، استعادة الجدية والشغف في تقديم أعمال ذات جودة، وإعادة بناء صناعة الدراما على أسس مؤسساتية.

يارا صبري

فنانة سورية

 

وختمت بالقول إن سوريا تبدأ اليوم مرحلة جديدة، وإن التجارب السابقة تظل مهمة، لكنها وحدها لا تكفي، لأن الظروف تبدلت، والبلاد الخارجة من الحرب تحتاج إلى أرضية صلبة تنطلق منها صناعة درامية جديدة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة