“الذهب الأبيض” يفقد بريقه في الحسكة

camera iconقطاف القطن في ريف الحسكة - 25 أيلول 2025 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

يواصل محصول القطن، الذي لطالما ارتبط باسم “الذهب الأبيض”، خسارة مساحات جديدة من الأراضي الزراعية في محافظة الحسكة، في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج، وتفاقم أزمة مياه الري، وغياب الدعم الكافي للمزارعين، ما يهدد أحد أبرز المحاصيل الاستراتيجية في شمال شرقي سوريا، ويضع مستقبله أمام تحديات متزايدة.

ويعد القطن أحد أهم المحاصيل التي ارتبطت بالاقتصاد الزراعي في الحسكة لعقود، إذ وفر مصدر دخل لآلاف الأسر، وأسهم في تغذية محالج الأقطان ومعامل الغزل والنسيج، إضافة إلى الصناعات المرتبطة ببذور القطن، مثل إنتاج الزيوت والأعلاف، ما جعله جزءًا من دورة اقتصادية متكاملة تتجاوز حدود الحقول الزراعية.

غير أن السنوات الأخيرة شهدت تراجعًا متواصلًا في الإقبال على زراعة القطن، مع اتجاه عدد متزايد من المزارعين إلى محاصيل أقل كلفة وأكثر ضمانًا من حيث التسويق والعائد الاقتصادي، في وقت تتحدث فيه وزارة الزراعة السورية عن خطط لإعادة المحصول إلى مكانته السابقة ورفع المساحات المزروعة به على مستوى البلاد.

محصول استراتيجي يواجه تحديات متراكمة

عرفت الحسكة، إلى جانب الرقة ودير الزور، بزراعة القطن منذ عقود، مستفيدة من اتساع الأراضي الزراعية وتوافر الموارد المائية، قبل أن تؤدي التحولات التي شهدتها البلاد منذ عام 2011 إلى تراجع كبير في القطاع الزراعي عمومًا، وفي زراعة القطن على وجه الخصوص.

ويشير مختصون إلى أن القطن كان يشكل أحد أعمدة الاقتصاد الزراعي السوري، إذ كانت سوريا تحتل قبل سنوات مراتب متقدمة عالميًا من حيث إنتاجية وحدة المساحة، بينما شكلت دورة إنتاج القطن، من الزراعة وحتى الصناعة النسيجية، إحدى أهم سلاسل الإنتاج الوطنية.

لكن هذا الواقع تغير بصورة ملحوظة، مع ارتفاع تكاليف الزراعة، وتراجع خدمات الإرشاد الزراعي، وتضرر شبكات الري، وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، الأمر الذي انعكس مباشرة على قرارات المزارعين في الحسكة، الذين بات كثير منهم يعيد النظر في جدوى الاستمرار بزراعة القطن.

المياه.. التحدي الأكبر

المزارع محمد الحساني، من ريف تل براك، قال لعنب بلدي إن زراعة القطن أصبحت تواجه تحديات متراكمة تهدد استمرارها، يأتي في مقدمتها انخفاض منسوب المياه الجوفية، ما أجبر معظم المزارعين على الاعتماد الكامل على الآبار الارتوازية لري المحصول.

وأوضح أن القطن يحتاج خلال الموسم إلى ما بين 12 و15 رية، وهو ما يعني تشغيل مضخات المياه لفترات طويلة، وبالتالي استهلاك كميات كبيرة من المحروقات.

وأضاف أن معظم المزارعين يشترون المازوت من السوق الحرة بأسعار مرتفعة، بعد عدم كفاية الكميات المدعومة، وهو ما يرفع كلفة الإنتاج بصورة كبيرة، ويجعل هامش الربح يتراجع عامًا بعد آخر.

ويرى الحساني أن استمرار تراجع المياه الجوفية، رغم الأمطار الوفيرة خلال الشتاء الماضي، يزيد من تعقيد الموسم الزراعي، لأن تشغيل الآبار أصبح يتطلب أعماقًا أكبر واستهلاكًا أعلى للطاقة، ما يضاعف الأعباء المالية على الفلاحين.

مستلزمات إنتاج تثقل كاهل الفلاحين

ولا تتوقف معاناة المزارعين عند أزمة المياه، إذ يقول الحساني إن أسعار البذار والأسمدة والمبيدات الزراعية شهدت ارتفاعًا ملحوظًا، إلى جانب نقص الأيدي العاملة اللازمة لخدمة المحصول وقطافه.

وأوضح أن هذه العوامل مجتمعة دفعت كثيرًا من الفلاحين إلى التحول نحو محاصيل أخرى أقل كلفة وأكثر استقرارًا من حيث المصاريف، حتى وإن كانت تحقق عائدًا أقل.

ويضيف أن القطن يحتاج إلى متابعة يومية منذ الزراعة وحتى الجني، ويعد من أكثر المحاصيل استهلاكًا للعمالة، الأمر الذي يجعل أي ارتفاع في أجور اليد العاملة ينعكس مباشرة على تكلفة الدونم.

هاجس التسويق

من جانبه، قال المزارع فواز العلي، من ريف الحسكة الشرقي، إن مشكلة التسويق أصبحت من أبرز أسباب عزوف الفلاحين عن زراعة القطن.

وأوضح لعنب بلدي أن المزارعين يدخلون الموسم من دون معرفة سعر شراء المحصول، وهو ما يجعلهم يتحملون مخاطر مالية كبيرة، في ظل الارتفاع المستمر في تكاليف الزراعة.

وأضاف أن إعلان سعر شراء عادل قبل موسم القطاف يعد خطوة أساسية تمنح الفلاحين القدرة على تقدير جدوى زراعة القطن واتخاذ قراراتهم الزراعية بصورة واضحة.

وطالب بتوفير المازوت الزراعي بالكميات الكافية والأسعار المدعومة، وتأمين البذار والأسمدة عبر الجهات الرسمية بأسعار تشجيعية، إلى جانب وضع سياسة تسويقية مستقرة تضمن تحقيق هامش ربح يشجع المزارعين على الاستمرار بزراعة المحصول.

مزارعون: نتجه إلى محاصيل أقل مخاطرة

ويقول المزارع عبد الله السلمان، من ريف القامشلي الجنوبي، إن كثيرًا من الفلاحين لم يعودوا ينظرون إلى القطن باعتباره الخيار الأول في الموسم الصيفي، بعدما أصبحت تكلفته مرتفعة مقارنة بمحاصيل مثل الذرة أو بعض المحاصيل العلفية.

وأضاف لعنب بلدي أن المزارع أصبح يحسب تكاليف كل مرحلة من مراحل الإنتاج، من تجهيز الأرض وحتى الجني، ليجد أن القطن يحتاج إلى رأسمال كبير قد لا يستطيع تعويضه إذا جاء سعر التسويق أقل من المتوقع.

أما المزارع خالد المطر، من ريف الدرباسية، فقال إن المشكلة لا تتعلق بعامل واحد، بل بمجموعة من التحديات المتزامنة، تبدأ من نقص المياه وارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج، ولا تنتهي عند صعوبة تأمين اليد العاملة خلال موسم القطاف.

وأضاف أن كثيرًا من المزارعين أصبحوا يقلصون المساحات المزروعة تدريجيًا بدلًا من التوقف الكامل، على أمل تحسن ظروف الزراعة خلال المواسم المقبلة، لكن استمرار الأوضاع الحالية قد يدفع المزيد منهم إلى التخلي عن زراعة القطن نهائيًا.

خبير: القطن جزء من منظومة اقتصادية متكاملة

ويرى الخبير الزراعي هاني العبد الله أن تراجع زراعة القطن لا يقتصر أثره على دخل المزارعين، بل يمتد إلى سلسلة اقتصادية كاملة تبدأ من الحقول وتنتهي بالصناعات النسيجية.

وقال لعنب بلدي إن القطن يعد من المحاصيل الاستراتيجية التي تحتاج إلى سياسة زراعية مستقرة، تشمل توفير البذار المعتمدة، والأسمدة، والمبيدات، والوقود، إلى جانب اعتماد برامج حديثة للري تساهم في ترشيد استهلاك المياه.

وأضاف أن التجارب السابقة أثبتت أن الاعتماد على أصناف محسنة مقاومة للحرارة والآفات، مع التوسع في تقنيات الري الحديث، يمكن أن يخفف جزءًا كبيرًا من تكاليف الإنتاج ويرفع الإنتاجية.

وأشار إلى أن إعلان أسعار شراء المحصول بصورة مبكرة، وربطها بالتكاليف الفعلية، يمثل عاملًا مهمًا في إعادة الثقة للمزارعين، إلى جانب إعادة تفعيل خدمات الإرشاد الزراعي التي تراجعت خلال السنوات الماضية.

خطط حكومية لإعادة إحياء المحصول

في المقابل، أعلنت وزارة الزراعة السورية خلال مؤتمر “القطن” بنسخته الحادية والأربعين، الذي عقد في مدينة حلب في آذار الماضي، خطة تستهدف زراعة 50 ألف هكتار من القطن خلال الموسم الحالي، في إطار مساعٍ لإعادة المحصول إلى مكانته التي كان يحتلها قبل نحو 15 عامًا.

وقال وزير الزراعة، أمجد بدر، خلال المؤتمر، إن تطوير قطاع القطن يتطلب التوسع في المساحات المزروعة، ورفع إنتاجية وحدة المساحة، والتوجه نحو الري الحديث، واستنباط أصناف جديدة أكثر قدرة على تحمل التغيرات المناخية والإجهادات البيئية.

وتشير بيانات الوزارة إلى أن المساحات المزروعة بالقطن في سوريا تراجعت من نحو 237 ألف هكتار عام 2005 إلى قرابة 32 ألف هكتار عام 2020، فيما انخفض الإنتاج من نحو مليون طن إلى أقل من 100 ألف طن خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس حجم التراجع الذي أصاب هذا القطاع.

كما تؤكد الوزارة أن القطن لا يمثل مجرد محصول زراعي، بل يشكل أساسًا لدورة إنتاج صناعية متكاملة، إذ يعمل في زراعته ونقله وتصنيعه وتسويقه عدد كبير من السوريين، بينما تستفيد منه صناعات الغزل والنسيج والزيوت والأعلاف.

وفي السياق، أوضح وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار خلال مشاركته في جلسة حوارية ضمن فعاليات معرض ‌‏سوريا الدولي للنسيج “ناس تكس 2026” خلال تموز الحالي، أن الحكومة تعمل على دعم وتطوير قطاع النسيج ‏بالتشاركية مع القطاع الخاص.

كما دعا الوزير الشعار ممثلي هذا القطاع إلى تقديم ‏رؤية موحدة وهيكلية واضحة ‏لمراحل صناعة النسيج ‏التسعة، وسبل تطويرها‏ ‏مع ضرورة الاستعداد للتحولات التي تشهدها ‏هذه ‏الصناعات عالمياً.‏

معاناة تتكرر في الجزيرة السورية

التحديات التي يواجهها المزارعون في محافظة الحسكة تتقاطع مع ما تشهده محافظات أخرى في منطقة الجزيرة السورية.

ففي الرقة، أدى ارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف التسويق، ونقص الدعم، وتراجع خدمات الري، إلى انخفاض كبير في المساحات المزروعة، مع اتجاه عدد من المزارعين إلى استبدال القطن بمحاصيل صيفية أخرى أقل كلفة، وفق ما رصدته عنب بلدي في تقارير سابقة، بينما حذر مختصون هناك من خسارة محصول ظل لعقود أحد أعمدة الاقتصاد الزراعي في المنطقة.

كما تتشابه الظروف في أجزاء واسعة من محافظة دير الزور، حيث يواجه المزارعون تحديات مرتبطة بارتفاع تكاليف الزراعة، وصعوبة تأمين مستلزمات الإنتاج، ما يجعل مستقبل “الذهب الأبيض” في محافظات الجزيرة السورية مرتبطًا إلى حد كبير بقدرة الجهات المعنية على توفير الدعم، وتحسين إدارة الموارد المائية، ووضع سياسات تسويقية مستقرة تعيد للمزارعين الثقة بالاستمرار في زراعة هذا المحصول الاستراتيجي.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة