“بيت الخلد”.. سيرة رجل هزمه “البناء الأخلاقي”

"بيت الخلد".. سيرة رجل هزمه "البناء الأخلاقي"
tag icon ع ع ع

يقدم الكاتب السوري وليد إخلاصي في رواية “بيت الخلد” حكاية صحفي يغادر قريته هربًا من الظلم، غير أنه يجد نفسه في مدينة تقسو عليه أكثر مما كانت حاله في المكان الذي غادره.

الرواية تسرد بشكل رئيس مسار صحفي يدعى “أكثم الحلبي”، عبر سنوات ممتدة، ينتقل خلالها في العمل الصحفي والنشاط السياسي ودخول السجن.

ومنذ الصفحات الأولى، يرسم إخلاصي بطله بوصفه شخصية مختلفة، فهو قارئ نهم ومثقف منشغل بالفلسفة والتصوف والأفكار السياسية، ويؤمن بما سماه “البناء الأخلاقي”، وهي الفكرة التي يحاول من خلالها فهم العالم وتنظيم علاقته بالآخرين.

يحيط بـ”أكثم” عدد من الشخصيات التي تترك أثرها في حياته، من بينها “سراب”، مدرّسة الفلسفة التي كانت بمثابة الحلم له، إلى جانب “قمر”، المرأة التي ارتبط بها رغم افتقاد العلاقة بينهما إلى الحب، إضافة إلى “نمر الكلسي”، السجّان الذي سيلعب دورًا حاسمًا في حياته لاحقًا.

وتنقل الرواية القارئ بين محطات متعددة من حياة بطلها، تبدأ من الريف، مرورًا بالمدينة والسجن، وصولًا إلى عزلته الأخيرة، وخلال ذلك، يركز إخلاصي على التحولات النفسية التي تصيب بطل روايته، الذي يتحول تدريجيًا من رجل يسعى إلى تغيير واقعه إلى شخصية مثقلة بالخذلان.

ومع تصاعد الأحداث، يدخل “أكثم” السجن أكثر من مرة بسبب نشاطه السياسي، لتصبح تجربة الاعتقال واحدة من أبرز محطات الرواية، وهناك تتشكل علاقته المعقدة مع “نمر الكلسي”، الذي لا يخرج من حياته حتى بعد انتهاء سنوات السجن.

تبلغ الرواية ذروتها عندما يكتشف أكثم أن زوجته قمر أقامت علاقة مع “نمر الكلسي”، في لحظة قوضت كل ما دافع عنه طوال حياته، فالرجل الذي بنى هويته على فكرة “البناء الأخلاقي” يجد نفسه عاجزًا عن التمسك بها، ليقدم على إحراق زوجته وسجّانه السابق داخل منزله.

غير أن إخلاصي لا يجعل هذه الجريمة نهاية الحكاية، إذ يختفي “أكثم” بعد ذلك داخل بناء حجري شيده بنفسه، في مكان بات يُعرف باسم “بيت الخلد”، تاركًا وراءه أسئلة مفتوحة حول مصيره، وما إذا كان قد اختار العزلة الأخيرة أم الموت.

يستمد عنوان الرواية دلالته من حيوان الخلد، الذي يبني لنفسه جحرًا تحت الأرض، في استعارة تبدو ملازمة لمسار “أكثم الحلبي”، الذي أمضى حياته باحثًا عن ملاذ أخير، قبل أن ينتهي به الأمر داخل مكان أقرب إلى القبر منه إلى البيت.

تعد “بيت الخلد”، الصادرة عام 1982، واحدة من أبرز روايات وليد إخلاصي، إذ تجمع بين السرد النفسي والأسئلة الوجودية، وتقدم شخصية تهزمها سلسلة طويلة من الخيبات التي تنتهي باختفائها عن العالم.

مَن وليد إخلاصي؟

وليد إخلاصي (1935-2022) كاتب وروائي سوري، ارتبط اسمه بمدينة حلب التي عاش فيها معظم حياته، وكتب الرواية والمسرح والقصة القصيرة.

ولد إخلاصي في لواء إسكندرون، غير أنه عاش وتلقى تعليمه في حلب، حيث درس المرحلة الابتدائية في مدرسة “الحمدانية”، والثانوية في مدرسة “المأمون” الشهيرة، قبل أن يلتحق بكلية الزراعة في جامعة “الإسكندرية” بمصر عام 1954، ومن أبرز أعماله الروائية “بيت الخلد” و”شتاء البحر اليابس” و”أحزان الرماد” و”باب الجمر”.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة