
حاويات تتضمن بضائع مستوردة على الرصيف البحري في مرفأ اللاذقية - 5 حزيران 2026 (هيئة المنافذ والجمارك السورية)

حاويات تتضمن بضائع مستوردة على الرصيف البحري في مرفأ اللاذقية - 5 حزيران 2026 (هيئة المنافذ والجمارك السورية)
عنب بلدي – وسيم العدوي
تتحرك ملايين الأطنان من البضائع عبر المواني والمنافذ السورية تحت غطاء أسماء لا وجود لها على أرض الواقع، أو مغايرة لأصحابها الحقيقيين، حيث باتت ظاهرة “المستورد الوهمي” واحدة من أخطر أدوات الالتفاف والتحايل الاقتصادي، التي يعتمد عليها تجار متنفذون في سوريا، يتوارون خلف سجلات تجارية بأسماء أشخاص مضلَّلين أو شركات صورية مؤقتة، لتمرير شحناتهم الضخمة بعيدًا عن أعين الرقابة.
ويتجاوز خطر هذه الظاهرة حدود التهرب الضريبي البسيط ليشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الاقتصادي، إذ تتسبب في حرمان خزينة الدولة السورية من إيرادات جمركية هائلة، وتخلق منافسة غير عادلة تضرب التجار الملتزمين، فضلًا عن دورها في المضاربة على النقد الأجنبي، وتسييل الأرباح نقدًا في الأسواق الموازية، ما يسهم مباشرة في رفع معدلات التضخم وزيادة أسعار السلع الأساسية على المواطن.
وأمام هذا النزيف، بدأت الحكومة السورية بتشديد إجراءاتها القانونية لتجفيف منابع هذه الظاهرة، إذ قامت وزارة المالية السورية بتحميل المخلصين الجمركيين المسؤولية القانونية والتضامنية الكاملة عن التثبت من الهوية الفعلية لأصحاب البضائع، مع فرض سلف ضريبية مسبقة عند المنافذ، في خطوة تسعى من خلالها مراكز القرار المالي والتمويني إلى إحكام القبضة على قنوات الاستيراد، وتحويل “المستورد الوهمي” من ثغرة للثراء غير المشروع إلى جريمة اقتصادية ملاحقة.
في حديث إلى عنب بلدي، يعرّف الأكاديمي السوري الدكتور محمد تيسير فقيه، حالة المستورد الوهمي في سوريا بأنها “استغلال هويات أفراد أو سجلات تجارية لشركات صورية لا وجود لها على أرض الواقع، بهدف تمرير شحنات بضائع ضخمة لمصلحة تجار أو صناعيين حقيقيين يرغبون في التهرب من الضرائب والرسوم والمساءلة القانونية”.
وتحدث فقيه عن حالات لظاهرة الاستيراد الوهمي تتمثل في:
ومباشرة بعد بيع البضائع في السوق المحلية كاش (نقدًا) وتسييل الأرباح، يتم إغلاق السجل التجاري وتصفية الشركة فجأة قبل أن يتم إعداد بيان التكليف الضريبي أو معرفة رقم العمل السنوي، أو وصول مدققي الدخل في الهيئة العامة للضرائب والرسوم إلى السجلات التجارية للشركة.
أكد وزير المالية السوري، محمد يسر برنية، انتشار ظاهرة المستورد الوهمي في الأشهر الماضية، الأمر الذي أضاع إيرادات ضريبية كبيرة.
ولذلك عملت وزارة المالية بالتعاون والشراكة مع الهيئة العامة للمنافذ والجمارك على محاربة هذه الظاهرة، حماية للمال العام، وتم اتخاذ عدة إجراءات، منها إعادة فرض السلفة الضريبية.
وكشف برنية أن هناك إجراءات عديدة أخرى تعمل عليها هيئة المنافذ والجمارك السورية في مواجهة من يقف وراء المستوردين الوهميين.
وحذر وزير المالية السوري من أن كل مستورد وهمي وراءه تاجر أو صناعي فاسد يريد أن يتهرب من التزاماته الضريبية، ومخلص جمركي فاسد يعمل على تسهيل التهرب الضريبي، وأضاف، “أكرر إن سياساتنا تقوم على تشجيع الامتثال ومكافأة الملتزم، ومعاقبة المتهرب والتشهير به”.
الوزير السوري أصدر قرارًا شدد بموجبه العقوبات بحق من يسهل عمل المستوردين الوهميين.
وأبرز ما تم تحديده من التزامات على المخلص الجمركي، وفقًا لما جاء في القرار:
ويعتبر المخلص الجمركي شريكًا ومسؤولًا بالتضامن والتكافل في جرم التهرب الضريبي، ويخضع للعقوبات القانونية إذا:
ويضاف إلى مهام مديرية الاستعلام ومكافحة التهرب الضريبي في وزارة المالية، بحسب القرار:
لا تتعلق قضية المستورد الوهمي فقط بالتهرب الضريبي أو المخالفات الجمركية، بل قد تمتد إلى مخاطر أكبر تمس نزاهة النظام المالي، بحسب الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم، مثل غسل الأموال وإخفاء المستفيد الحقيقي ومحاولات الالتفاف على العقوبات عبر استخدام شركات واجهة أو أسماء لا تمارس النشاط الحقيقي.
وفي حديث إلى عنب بلدي، اعتبر الدكتور عبد الكريم أن وجود مستورد وهمي لا يعني بالضرورة وقوع جريمة غسل أموال، لكنه يمثل مؤشرًا مرتفع المخاطر يستوجب التحقق والتدقيق المالي والقانوني.
ولا يكمن الحل في العقوبات وحدها برأي الخبير الاقتصادي السوري، بل في بناء منظومة متكاملة تعتمد على:
ووفقًا للدليل الشامل لإجراءات “اعرف عميلك”، بحسب معايير “لجنة بازل”، تُعرف هذه الإجراءات بأنها “نظام إلزامي تستخدمه المؤسسات المالية والشركات للتحقق من هوية عملائها ومنع الاحتيال، وغسل الأموال وتمويل الإرهاب”.
وتهدف هذه العملية إلى بناء بيئة تعاملات آمنة، والتأكد من قانونية الأنشطة المالية.
وهناك ثلاثة أركان للإجراءات المذكورة تتمثل بـ:
وقال الدكتور عبد الكريم، إن معايير مجموعة العمل المالي (FATF) تعتبر عملية “إخفاء المالك الحقيقي” من أبرز مؤشرات الاشتباه في جرائم غسل الأموال، لأن معرفة من يملك الأموال فعليًا ومن يستفيد منها هي حجر الأساس في أي منظومة رقابية فعالة.
ومما تقدم، يتضح أن بناء منظومة رقابية محكمة على أعمال الاستيراد يرفع مستوى الثقة خارجيًا وداخليًا بالاقتصاد السوري، ويعزز قدرة المصارف السورية على بناء علاقات مراسلة مع البنوك المركزية في دول العالم، ويمنح المستثمرين المحليين والدوليين بيئة أعمال أكثر شفافية واستقرارًا.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى