صحافة السلام لمن لا يريدون السلام لسبب ما

tag icon ع ع ع

علي عيد

لا أستغرب حين يكتب خبير أو صحفي أو أكاديمي متخصص في صحافة السلام، فيرد عليه شخص متعلم بعبارة “لا تصالح ولو قيل رأس برأس”.

صحافة السلام هي النقيض التام لصحافة الحرب، وليست لكل الأطراف مصلحة في واحدة من “الصحافتين”، لكن المجتمع ككل هو صاحب المصلحة، وهذا وفق معايير تستند إلى تجارب التاريخ، وإرشادات ونصائح المنظمات الدولية المعنية والمتخصصة.

أول ما يمكن استخلاصه من دروس صحافة السلام هو أنها تتطلب صبرًا وفهمًا لطبيعة التناقضات في المجتمع، ومصالح مختلف الأطراف في البيئات التي تشهد نزاعًا على خلفية سياسية أو اقتصادية أو عرقية، أو غيرها من التناقضات.

وما ينطبق على سوريا اليوم لا يخصها وحدها، إذ أشارت دراسة “مسارات السلام” 2018، إلى أن البلدان المتضررة من الصراع والعنف ستضم نحو نصف سكان العالم بحلول عام 2030، ما يعني أن الحرب قائمة ما لم تمنعها إرادة السلام، وأن ضحاياها يزدادون، وفي هذا دلالة على أثرها وأثر إعلامها السلبي على البشرية.

كما تشير الدراسة الصادرة بشكل مشترك بين الأمم المتحدة والبنك الدولي إلى دور تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتحركات السكان، وتغير المناخ، وهي عوامل تخلق مخاطر مشتركة يجب إدارتها على المستويين الوطني والدولي.

صحافة السلام لا تعني بأي شكل من الأشكال تشجيع الإفلات من العقاب أو التعدي على حقوق الضحايا، ولا التوقف عن تحقيق العدالة، بل إن تلك المبادئ هي جزء أصيل من صحافة السلام، إلا أن السؤال: كيف ننتج صحافة حساسة للنزاعات دون تغذية النزاعات نفسها ودون هضم لحقوق الضحايا أو المتضررين.

بناء على ما سبق، يؤكد متخصصون، كما جاء في منصة “مبادرة منع الحروب” (War Prevention Initiative) أن الجهات الفاعلة في السلام يجب أن تلتزم بمبدأ “عدم الإضرار” عند أي إجراء أو تدخل في النزاع، والسعي إلى “تجنب الآثار السلبية أو التخفيف من حدتها”.

ويعترف الباحثون بافتراض مفاده: “حتى مبادرات بناء السلام الحسنة النية يمكن أن تكون لها عواقب سلبية، وإن كانت غير مقصودة”.

وتتلخص العواقب في:

  • تفاقم الانقسامات بين جماعات الصراع.
  • تزايد الخطر على المشاركين في أنشطة السلام.
  • تعزيز العنف الهيكلي أو العلني.
  • إشغال الموارد البشرية والمادية عن أنشطة السلام المنتجة.
  • زيادة السخرية.
  • تهميش السكان المحليين.

ولتجنب العواقب السلبية، هناك أسس علمية يجب اتباعها، كما يتطلب الأمر فهمًا وتفسيرًا عميقين لما يتسبب في تغذية النزاع، حتى ولو كانت النية سليمة.

مقابل صحافة السلام، على كل صحفي أن يعرف أن هناك صحافة تغذي الحرب، بعضها عن وعي، ووجود مخاطر لا يعني الانصراف عن جهود الإعلام للانتقال من الاشتباك العنيف إلى الاشتباك الإيجابي (العنف الإيجابي).

الصحافة المغذية للانقسام والحرب تعمل على ثلاثة محاور:

التصعيد قبل النزاع:

  • يركز الإعلام على إبراز التوترات أو المظالم أو المنافسات، والدفع بها أمام الرأي العام.
  • الاستقطاب: الانتقال إلى تقسيم المجتمع بناء على الهوية (دينية، عرقية، ثقافية-اجتماعية)، وتعزيز مفهوم “نحن/ هم”.

التعبئة:

ينتقل الإعلام إلى الدفع بتحويل التناقضات التي يغذيها إلى سلوك عملي، قد يتطور إلى عنف، ويستخدم أدوات مثل:

  • السيطرة على السردية وتقديم رواية تخدم الأهداف العسكرية أو السياسية.
  • تقديم معلومات مضللة وبيانات كاذبة وصور مفبركة وحملات إلكترونية لإرباك المنافسين وتجنيد الحلفاء.
  • التضخيم العاطفي بالتركيز على الفظائع و”عكس التهديد” أو التهديدات الوجودية لحشد الدعم العام وتبرير التصعيد.

ما بعد النزاع:

ينتقل الإعلام إلى مرحلة الاستثمار في الشك والاختلافات لأهداف قد تكون سياسية أو عسكرية.

تكون النتائج في الحصيلة على شكل ضحايا من المدنيين، أو نزاعات طويلة الأمد، وتقويض أمن المجتمع وضرب الاقتصاد.

مقابل المحاور الثلاثة، التي تعمل عليها صحافة الحرب، يمكن لصحافة السلام أن تقدم خدمة بالغة الأهمية.

قبل النزاع: تقدم الصحافة الحساسة للنزاع محتوى تفسيريًا، يحدّ من الاستقطاب ويركز على المبادرات والحلول، ويدعم التواصل بدل الانقسام.

كما تلعب وسائل الإعلام دور “الإنذار المبكر” عبر تعزيز حضور صوت السلام، والتنبيه من الآثار المترتبة عن النزاع.

التعبئة: يقدم الإعلام رواية معقولة عن الأحداث، ويبتعد عن المحتوى والمصطلحات المغذية للكراهية، ويشرح الآثار المترتبة عن العنف.

ما بعد النزاع: يذكّر باستمرار بالنتائج السلبية، دون إغراق في الألم، كما يذكّر بأن الحلول لا تأتي بالعنف، ويعمل على إبراز أصوات إيجابية، ومبادرات، ويمنع استدامة النزاع، كاشفًا عن مصالح الأطراف المتنازعة وتناقضاتها مع مصالح المجتمع والقيم الإنسانية.

أي حرب أو انقسامات لها ضريبة مؤلمة ومدمّرة، حتى ولو كانت لها مبرراتها المنطقية لدى شرائح من البشر، ما يعني أن تجنبها يجب أن يكون هدفًا إنسانيًا وقانونيًا وأخلاقيًا.

يعد الإعلام من أهم أدوات الحرب، ومهما دفعت صحافة السلام من ضرائب، إلا أنها الخيار الوحيد مقابل صحافة الحرب.. وللحديث بقية.

 



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة