لو سمحتم أخبرونا ماذا يحدث

tag icon ع ع ع

أحمد عسيلي

أثارت تصريحات أدلى بها أحد الممثلين السوريين خلال مقابلة مصورة، شكك فيها بمعاني الثورة السورية، موجة واسعة من الغضب والاستياء خلال الأيام الماضية، إذ رأى كثيرون فيها تجاهلًا للتضحيات الهائلة التي دفعها السوريون خلال أكثر من عقد من الزمن لإنهاء حكم الأسد.

على كل حال، لم تكن هذه المرة الأولى التي يثار فيها هذا النوع من الجدل، فمنذ فترة قريبة أيضًا، أثيرت العديد من النقاشات حول كيفية التعامل مع شخصيات عامة أيدت النظام السابق، من فنانين وكتّاب ورجال دين وغيرهم، بعدما ألغيت حفلة لأحد هؤلاء في دار “الأوبرا”، فيما استمر آخرون كانوا أشد تأييدًا منه في إقامة نشاطاتهم، بل إن بعض الشخصيات التي عُرفت بتأييدها للنظام الساقط، شغلت بعد التحرير مواقع رسمية، في حين استمرت الدعوات إلى مقاطعة آخرين.

قد يختلف الناس في تقييم كل حالة على حدة، لكن السؤال الذي يتكرر باستمرار هو: ما المعايير التي تحكم هذه القرارات؟

هذا السؤال لا يتعلق بالفنانين وحدهم، بل يتكرر في ملفات أخرى أيضًا، من تشكيل البرلمان، إلى العلاقة مع “قسد”، إلى التعامل مع أحداث السويداء وغيرها، ربما تكون لدى الدولة اعتبارات لا يعرفها الرأي العام، وربما تختلف ظروف كل ملف عن الآخر، القضية ليست هنا، بل في طريقة تعاطي الدولة مع هذه الملفات أمام الرأي العام السوري (نعم يحق لنا الآن أن يكون لنا رأي عام).

في الطب النفسي، نتعلم منذ الأيام الأولى للتدريب أن نبدأ مقابلتنا مع المريض بطريقة قد تبدو بسيطة جدًا: نعرّف بأنفسنا، ونشرح له من نحن، وما طبيعة عملنا، ولماذا سنطرح عليه بعض الأسئلة، وكيف ستجري المقابلة. قد يبدو هذا إجراء بروتوكوليًا عاديًا، لكنه في الحقيقة جزء من العلاج نفسه، فالإنسان يتعاون أكثر عندما يفهم الإطار الذي يوجد داخله، ويصبح أكثر اطمئنانًا عندما يعرف ما الذي ينتظره، إذًا نحن لا نبدأ المقابلة بطرح الأسئلة، بل ببناء الإطار الذي يسمح للأسئلة بأن تُطرح.

أتذكر هنا أيضًا ما قاله لي أحد أساتذتي في الطب النفسي حين لاحظت إصراره على الشرح لأحد المرضى عن سبب المقابلة ودور كل دواء، فقال لي ما لن أنساه أبدًا: تخيل لو كنت تجلس في مكان عام، وإلى جوارك شخصان يتحدثان بلغة لا تفهمها، في البداية قد لا يثير الأمر اهتمامك، لكن مع مرور الوقت يبدأ شعور غامض بالقلق أو الانزعاج، ليس لأنك تعتقد بالضرورة أنهما يتحدثان عنك، بل لأن الإنسان بطبيعته لا يرتاح عندما يعجز عن فهم ما يجري حوله، الغموض نفسه يصبح مصدرًا للتوتر.

هذا ما يجعلني أعتقد أن جانبًا من القلق الذي يعيشه السوريون اليوم لا يرتبط فقط بمضمون القرارات، بل أيضًا بالطريقة التي تصل بها هذه القرارات إلى المجتمع، فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى إجابة كاملة، لكنه يحتاج إلى أن يفهم الآلية التي تُتخذ فيها القرارات، وأن يعرف من يتحدث، وبأي صفة، وما الذي لا يزال قيد النقاش.

لشرح هذه الفكرة بشكل آخر، اسمحوا لي أن أرجع إلى أستاذنا لاكان، فقد كان يرى أن الإنسان لا يعيش داخل الواقع المادي وحده، بل داخل ما يسميه “النظام الرمزي”، أي شبكة اللغة والقوانين والمؤسسات التي تمنح العالم معناه، عندما يكون هذا النظام واضحًا، يعرف الفرد كيف يفسر الأحداث، وإلى أي مرجع يعود عندما يطرح سؤالًا، أما عندما يضعف هذا الإطار، فإن الناس لا يتوقفون عن البحث عن المعنى، بل يبدأ كل منهم بإنتاج تفسيره الخاص، فتكثر التأويلات، وتنتشر الشائعات، ويصبح من الصعب التمييز بين المعلومة والتخمين.

هذه الفكرة درسها وقدمها بشكل جيد مؤسس علم الميديولوجيا، المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه، فهو يرى أن السلطة لا تقوم فقط على امتلاك القرار، بل أيضًا على امتلاك وسائل نقله إلى المجتمع، فاللغة والإعلام والمتحدث الرسمي والمؤسسات ليست مجرد أدوات تقنية، بل هي ما يسمح للقرار بأن يصبح مفهومًا وقابلًا للاستيعاب، فالقرار الذي يبقى حبيس المكاتب يختلف عن القرار الذي يُشرح للناس، ويُوضع في سياقه، ويُفتح المجال لطرح الأسئلة حوله، لذلك، فإن التواصل ليس نشاطًا دعائيًا يضاف إلى عمل الدولة، بل جزء من ممارسة السلطة نفسها.

هذا لا يعني أن الدولة مطالبة بالإجابة عن كل سؤال، أو بكشف كل ما يدور داخل مؤسساتها، فبعض الملفات الأمنية والسياسية بطبيعتها تحتاج إلى قدر من السرية، لكن هناك فرقًا كبيرًا بين السرية والغموض، فالسرية قد تكون ضرورية أحيانًا، أما الغموض فيترك المجال مفتوحًا أمام التأويل، ويحوّل وسائل التواصل الاجتماعي إلى المصدر الرئيس لتفسير ما يحدث.

السوريون بحاجة إلى أن يشعروا بأن هناك خطابًا مؤسسيًا واضحًا، يشرح ما يمكن شرحه، ويعترف بما لم يُحسم بعد، ويقدم للناس إطارًا يفهمون من خلاله ما يجري، فالإنسان لا يخاف من غياب الجواب بقدر ما يخاف من غياب المرجع الذي يعرف منه أين يبحث عن الجواب.

وحين لا تتكلم المؤسسة، لا يسود الصمت، بل تتكلم الإشاعة مكانها.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة