
أحد عمال مديرية الحدائق في مجلس مدينة حماة يقوم بإنارة المعالم الأثرية في مدينة حماة - 16 نيسان 2026 (مجلس مدينة حماة)

أحد عمال مديرية الحدائق في مجلس مدينة حماة يقوم بإنارة المعالم الأثرية في مدينة حماة - 16 نيسان 2026 (مجلس مدينة حماة)
تواجه المواقع الأثرية والحدائق العامة في مدينة حماة، وعلى رأسها شريط النواعير، موجة سرقات ليلية غير مسبوقة تطال الكوابل النحاسية ومنظومات الإنارة، في مشهد يتكرر بشكل شبه يومي، ويشكل ضغطًا على عمل فرق الصيانة.
وتتسب هذه السرقات في تحويل أجزاء من المدينة ومتنفساتها الشعبية إلى بؤر للعتمة والخطر.
زيد حسين، فني الكهرباء في قسم الإنارة بمديرية النواعير، قال لعنب بلدي، إن أصعب شعور يمكن أن يعيشه مهندس أو فني هو أن يقضي يومه كاملًا تحت أشعة الشمس وفي ظروف عمل شاقة لإعادة الحياة والنور إلى موقع معين، ليأتي في صباح اليوم التالي ويجد أن كل ما أنجزه قد بتر وسرق في لحظات.
وأوضح حسين أن كوادر الصيانة لا تعمل في ظروف مريحة، فتركيب الكوابل وتجهيز الإضاءة حول النواعير والمواقع الأثرية كقصر الأرناؤوط وحديقة أم الحسن، يطلب مجهودًا مضاعفًا وعملًا يدويًا شاقًا يستنزف الطاقة والوقت.
و تابع حسين، لكن الصدمة باتت تتكرر بشكل شبه يومي، حيث يغادر الفنيون الموقع مساءً وهم يشعرون بالفخر لأنهم أضاؤوا بقعة من مدينتهم، ليعودوا صباحًا ويقفوا أمام أسلاك مقطوعة وأماكن خاوية.
وذكر حسين أن هذه السرقات المتكررة لا تقتصر على الكوابل النحاسية فحسب، بل “تسرق المعنويات وتستنزف الأدوات والمواد المحدودة المتاحة”، ليجد الفريق نفسه يدور في حلقة مفرغة، فيعود ليبدأ من الصفر.
وأشار إلى أن خطورة العمل تتعاظم في مواقع قريبة من المياه أو الجسور، مثل جسر العبيسي، حيث يتطلب التعامل مع التمديدات الكهربائية دقة وحذرًا شديدين، وإعادة سحب الكوابل واقتلاع المقطوع منها، ما يضاعف الجهد أضعاف العمل الطبيعي.
واختتم حسين شهادته بنداء قال فيه، إن السارق لا يأخذ مجرد أسلاك نحاسية ليبيعها بثمن بخس، بل يحرم المدينة من مظهرها الحضاري ويحرم الأهالي من أمان الإضاءة ليلًا، والأهم أنه يحرق تعب عمال ومهندسين يسابقون الزمن بإمكانيات بسيطة.
وأضاف أن الكوادر مستعدة للعمل والإنارة وتجميل كل شبر في حماة، لكنها بحاجة إلى حماية حقيقية لمخرجات تعبها، فمن دون ضبط أمني ورادع حقيقي لهؤلاء السراق، سيبقى كل جهد يبذل في النهار مطفأً ومسروقًا في الليل.
المواطن علي حسين المحمود، من سكان حي القصور بمدينة حماة، قال لعنب بلدي، إن حديقة أم الحسن وشريط النواعير ليسا مجرد أحواض أو أعمدة إنارة بالنسبة للسكان، بل هما المتنفس المجاني الوحيد للعائلات والأطفال للهروب من ضغوط الحياة ومن المنازل طوال فصل الصيف.
وأوضح المحمود أن هذه “الكورنيشات” والحدائق، بسبب سرقة الكوابل وانقطاع الإنارة، تحولت الآن إلى بؤر عتمة مخيفة بعد غروب الشمس مباشرة، فالعائلات التي كانت تقصد المكان في المساء لرؤية النواعير واستنشاق الهواء النقي باتت تجلس في منازلها، خوفًا من الخروج إلى أماكن أصبحت مأوى للظلام واللصوص.
وحذر من أن غياب الضوء والإنارة في موقع قصر الأرناؤوط وجسر العبيسي، جعلها بيئة خصبة وشبه مكشوفة لتجمع المشبوهين والسارقين من عابري السبيل.
وعبّر المحمود عن شعور بالحسرة مما آلت إليه الممتلكات العامة قائلًا، إن حماة معروفة بنواعيرها وإضاءتها الجميلة التي تعكس روح المدينة، لكن رؤية الأسلاك المبتورة متدلية من جدران الجسور وقواعد الكشافات المقشورة، تولد في نفوس السكان حسرة كبيرة.
وأكد أن المواطنين يشعرون بالخذلان، ففي الوقت الذي يتأملون فيه تحسين الخدمات، يرون رمز مدينتهم يسرق، و يضيع تعب الجميع وحق الأهالي في حيوية مدينتهم وأمانها.
يوسف السواس، مدير دائرة الحدائق والنواعير في مدينة حماة، تحدث لعنب بلدي عن حجم الكارثة بالأرقام، مؤكدًا أن ما يجري اليوم ليس مجرد سرقات عابرة، بل موجة تخريب غير مسبوقة تطال نواعير حماة وحدائقها.
وأوضح السواس أن المديرية سجلت خلال هذا الشهر (تموز) وحده خمسة حوادث سرقة كبرى، توزعت على موقع قصر الأرناؤوط عند جسر العبيسي والذي تعرض للاعتداء والسرقة مرتين، وجرى تجريد الموقع من الكوابل النحاسية بالكامل، وآخرها كان اليوم نفسه حيث عاد اللصوص وسرقوا ما تبقى منها.
أما حديقة أم الحسن، فقد تعرضت لسرقة كوابل المضخة المخصصة لسقاية المزروعات والحديقة.
كما سرقت الكوابل الكهربائية لناعورة المأمورية في ظل غياب نقاط الحراسة آنذاك، قبل أن تقوم المديرية بإنشاء نقطة حراسة ثابتة فيها لاحقًا.
وأضاف السواس أن السرقة والتخريب طالا أيضًا تكسيرًا متعمدًا لأجزاء من النواعير والتجهيزات في عدة مواقع.
وعن الكلفة المالية، قدّر السواس أن قيمة المسروقات والأضرار، تجاوزت 15 ألف ليرة سورية جديدة، وهو مبلغ يشكل استنزافًا للإمكانيات المحدودة.
السواس كشف عن قرار اضطراري اتخذته المديرية، تمثل في التوقف عن إعادة إصلاح المواقع التي تتعرض للسرقة أو مد كوابل جديدة فيها، لأن الفرق تواجه كل يوم موقعًا جديدًا يتجرد من تجهيزاته، وأي إصلاح يُجرى يُسرق مجددًا في اليوم التالي مباشرة.
وحول الشبهات المتعلقة بدور الحراس، أوضح أن الحقيقة المؤسفة هي أن بعض الحراس في حديقة أم الحسن ينامون طوال الليل، بينما يستغل اللصوص هذا الغياب و”الرخاوة الأمنية” فيتسللون مساءً وينفذون سرقاتهم دون رادع.
وأكد أن الجهة تتعامل مع عصابات ولصوص يراقبون المنطقة عن كثب، ويتصرفون بمنهجية مستغلين ثغرات الحراسة وغياب الرقابة التقنية.
وفي واقعة تكشف حجم الإفلات من العقاب، روى السواس أنه قام شخصيًا بضبط اثنين من السارقين وبحوزتهما الكوابل المسروقة، وتم تسليمهما أصولًا إلى قسم شرطة الدباغة، كما توجه الحارس في اليوم التالي وتقدم بشكوى رسمية ضدهما.
لكن الصدمة، بحسب السواس، كانت في إطلاق سراح المتهمين من قسم الشرطة في اليوم التالي مباشرة، حيث رآهما السواس يتجولان مجددًا في المنطقة ذاتها وكأن شيئًا لم يكن.
وأشار السواس إلى أنه تواصل أكثر من مرة مع قوى الأمن الداخلي لطلب المساعدة في كبح جماح هؤلاء اللصوص والمخربين، لكنه لم يلمس أي تجاوب أو تحرك جاد، مؤكدًا أن المديرية لم تتمكن من تحرير ضبط رسمي بالحادثة الأخيرة حتى الآن، كما أن هذه المواقع والمناطق تفتقر تمامًا لكاميرات المراقبة التي يمكن الرجوع إليها لكشف الفاعلين.
وشدد على أن إمكانيات دائرة الحدائق والحراس الحاليين غير كافية على الإطلاق لمواجهة هذه الهجمة، وأن الحل الوحيد والمباشر لمنع تكرار هذه الجرائم هو تأمين دورية شرطية وأمنية جوالة وثابتة بشكل دائم في حديقة أم الحسن وموقع قصر الأرناؤوط والمناطق المحيطة بالنواعير.
ويأمل القائمون على قطاع الإنارة في حماة وسكان المدينة أن تتدخل الجهات الأمنية المختصة بصورة عاجلة لوضع حد لمسلسل السرقات الليلية، قبل أن تغرق معالم المدينة التاريخية في ظلام دائم، وتتحول حدائقها ومتنزهاتها إلى مناطق منزوعة الأمان، في وقت يعلن فيه الفنيون استعدادهم للعمل شريطة أن يشعروا بأن تعبهم محمي، لا أن يكون لقمة سائغة لعصابات الليل.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى