مع اقتراب انتهاء مهلة "المركزي"

استبدال العملة بالحسكة.. تخبط وسوق موازية والدولار بسعرين

camera iconزحام داخل مركز استبدال العملة الوحيد في الحسكة – 27 تموز 2027 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

مع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها مصرف سوريا المركزي لاستبدال الليرة السورية القديمة بالفئات الجديدة، تعيش محافظة الحسكة حالة من الارتباك غير المسبوق، في ظل اقتصار عملية الاستبدال على مركز وحيد داخل مبنى البريد في مدينة الحسكة، الأمر الذي دفع مئات المواطنين إلى الاصطفاف في طوابير طويلة، فيما لجأ آخرون إلى التخلص من مدخراتهم عبر تحويلها إلى الدولار، خشية فقدان قيمتها بعد انتهاء المهلة المحددة.

وتحوّل نقص مراكز الاستبدال وشح العملة الجديدة في المحافظة إلى أزمة مركبة، امتدت آثارها إلى سوق الصرافة، حيث ظهرت سوق موازية تفرض أسعارًا مختلفة للدولار بحسب نوع الليرة السورية التي يحملها المواطن، وسط غياب الرقابة على عمليات التصريف، ما حمّل الأهالي خسائر إضافية في وقت يعانون فيه أصلًا من ضغوط اقتصادية متراكمة.

مركز واحد لمحافظة كاملة

يقتصر استبدال العملة في الحسكة على مركز البريد في المدينة، الذي بدأ تقديم الخدمة في 21 من حزيران الماضي، أي بعد فترة من بدء عمليات الاستبدال في معظم المحافظات السورية، ما قلّص فعليًا الفترة الزمنية المتاحة أمام سكان المحافظة لاستبدال أموالهم.

ومع اقتراب انتهاء المهلة، تصاعدت أعداد المراجعين بصورة كبيرة، بينما بقيت القدرة الاستيعابية للمركز محدودة، الأمر الذي تسبب بازدحام شديد وتأخر في تسجيل الأدوار وإنجاز المعاملات.

وقال محمد العبد الله، وهو موظف من مدينة الحسكة، في حديث إلى عنب بلدي، إنه حضر إلى مركز البريد أكثر من مرة خلال الأسبوع الأخير، لكنه لم يتمكن من استبدال كامل المبلغ الذي بحوزته.

وأضاف: “في كل مرة أصل صباحًا أجد عشرات الأشخاص سبقوني، والموظفون يسجلون الأسماء بأعداد كبيرة دون تحديد موعد واضح. بقي جزء من أموالي بالعملة القديمة، وأخشى ألا أتمكن من استبداله قبل انتهاء المهلة”.

وأشار إلى أن كثيرًا من المواطنين باتوا يقضون ساعات طويلة أمام المركز دون ضمان الحصول على دورهم، في ظل الضغط الكبير على المركز الوحيد.

خيار مكلف

بحسب تعليمات مصرف سوريا المركزي، تنتهي مهلة تداول الفئات القديمة في 30 من تموز الجاري، فيما تقتصر عمليات الاستبدال بعد ذلك على مقر المصرف المركزي في دمشق، وفق آليات سيعلن عنها لاحقًا.

وبالنسبة لسكان الحسكة، يمثل ذلك عبئًا إضافيًا، إذ لا تزال فروع المصرف المركزي في المحافظة مغلقة، ما يعني أن أي شخص لم يتمكن من استبدال أمواله قبل انتهاء المهلة سيضطر إلى السفر مئات الكيلومترات إلى العاصمة لإتمام العملية.

وقال عبد الكريم الحسين، وهو تاجر من ريف الحسكة الجنوبي، إن السفر إلى دمشق لاستبدال الأموال “ليس خيارًا واقعيًا” بالنسبة لكثير من السكان.

وأضاف لعنب بلدي: “تكلفة السفر والإقامة قد تستهلك جزءًا كبيرًا من المبلغ الذي نريد استبداله، لذلك فضّل كثيرون بيع الليرات القديمة وتحويلها إلى الدولار حتى مع الخسارة”.

وأوضح أن المخاوف من انتهاء المهلة دفعت العديد من التجار إلى التخلص سريعًا من الكتلة النقدية القديمة الموجودة لديهم.

الدولار بسعرين

أمام ضيق الوقت، اتجه عدد متزايد من سكان الحسكة إلى شراء الدولار، باعتباره الوسيلة الأسرع للحفاظ على قيمة مدخراتهم إلى حين اتضاح آلية الاستبدال بعد انتهاء المهلة.

إلا أن هذا الإقبال خلق حالة غير مسبوقة في سوق الصرافة، إذ بدأ بعض الصرافين التعامل بسعرين مختلفين للدولار بحسب نوع العملة السورية المستخدمة في الشراء.

ففي حين بيع الدولار مقابل 13900 ليرة سورية جديدة، اليوم الثلاثاء 28 من تموز، ارتفع سعره إلى 14300 ليرة سورية قديمة، أي بفارق يصل إلى 400 ليرة للدولار الواحد.

وبذلك يتحمل المواطن الذي لا يزال يحتفظ بالعملة القديمة خسارة إضافية عند تحويلها إلى الدولار، فوق خسارته الناتجة عن اضطراره إلى التصريف تحت ضغط الوقت.

وقالت خرمة أحمد، وهي ربة منزل من مدينة الحسكة، إنها اضطرت إلى شراء الدولار بعد أن فقدت الأمل في الحصول على دور داخل مركز البريد.

وأضافت: “كنت أحتفظ بمبلغ جمعناه خلال سنوات من أجل تعليم أولادي. عندما رأيت الطوابير الطويلة وخشيت انتهاء المهلة، اشتريت دولارًا رغم فرق السعر الكبير، لأنني خفت أن تصبح الليرات القديمة بلا قيمة في السوق”.

وأشارت إلى أن كثيرًا من الأسر اتخذت القرار نفسه خلال الأيام الأخيرة، رغم معرفتها بالخسارة التي ستتحملها.

سوق موازية دون رقابة

يرى الخبير الاقتصادي، مهند العبد الله، أن الأزمة الحالية لم تقتصر على عملية الاستبدال، بل أنتجت سوقًا موازية للعملة داخل الحسكة، نتيجة تأخر وصول العملة الجديدة واقتصار الاستبدال على مركز واحد.

وقال العبد الله لعنب بلدي، إن زيادة الطلب المفاجئة على الدولار خلال الأيام الأخيرة رفعت حجم التداول عليه بصورة واضحة داخل المحافظة، بعدما أصبح وسيلة لحماية المدخرات بالنسبة للمواطنين الذين لم يتمكنوا من استبدال أموالهم.

وأضاف أن الفروقات التي ظهرت بين سعر الدولار مقابل العملة الجديدة وسعره مقابل العملة القديمة، “تعكس خللًا في السوق أكثر مما تعكس اختلافًا في القيمة الحقيقية للعملة”، موضحًا أن الصرافين استفادوا من عامل الوقت ومن خوف المواطنين من انتهاء المهلة.

وأشار إلى أن غياب الرقابة الفعلية على عمليات التصريف سمح بظهور أسعار متعددة للدولار، وخلق هامش ربح مرتفع لبعض المتعاملين في السوق، في وقت يتحمل المواطن وحده كلفة هذا الاختلال.

وأوضح أن فارق 400 ليرة للدولار الواحد يعني خسائر كبيرة لمن يملكون مبالغ كبيرة بالعملة القديمة، إذ تتضاعف قيمة الفارق مع كل عملية تحويل.

لماذا تأخرت الحسكة؟

ويربط العبد الله تأخر الحسكة في عملية الاستبدال بالوضع الإداري والاستثنائي الذي تعيشه المحافظة منذ أشهر.

وقال إن معظم المحافظات السورية استفادت من شبكة المصارف العامة ومراكز الاستبدال منذ المراحل الأولى للعملية، بينما بقيت الحسكة خارج هذه المنظومة لفترة طويلة بسبب استمرار إغلاق المؤسسات المصرفية الحكومية.

وأضاف أن بدء تقديم خدمة الاستبدال عبر مركز البريد في 21 من حزيران جاء متأخرًا مقارنة ببقية المحافظات، وهو ما قلّص الفترة المتاحة للمواطنين وأدى إلى تراكم الطلب خلال الأسابيع الأخيرة.

ويرى أن توسيع عدد المراكز منذ البداية كان سيخفف الضغط ويمنع تشكل السوق الموازية التي ظهرت خلال الأيام الأخيرة.

واقع استثنائي

تعد الحسكة من أكثر المحافظات تأثرًا بملف استبدال العملة، نتيجة استمرار الانقسام الإداري بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد).

فمنذ سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، أُغلقت الدوائر الحكومية بما فيها المصارف، تبع ذلك في مطلع العام الحالي تغيرات ميدانية، حيث استعادت الحكومة السورية السيطرة على مساحات واسعة من أرياف المحافظة، بينما بقيت مدينتا الحسكة والقامشلي وأجزاء من ريفهما تحت إدارة “قسد”.

ورغم الإعلان، في 29 كانون الثاني الماضي، عن اتفاق بين الحكومة السورية و”قسد” لتنظيم دمج المؤسسات وإعادة تفعيلها تدريجيًا، لم ينعكس ذلك حتى الآن على إعادة تشغيل المؤسسات المالية والمصرفية، وهو ما أبقى فروع المصرف المركزي والمصارف العامة خارج الخدمة في المحافظة.

وأدى هذا الواقع إلى اعتماد مركز البريد باعتباره المنفذ الوحيد لتنفيذ عملية الاستبدال، خلافًا لما جرى في محافظات أخرى شهدت مشاركة المصارف العامة وشركات الصرافة ومراكز متعددة في العملية.

سباق مع الوقت

في 31 من أيار الماضي، أصدر حاكم مصرف سوريا المركزي صفوت رسلان قرارًا بتمديد مهلة استبدال الفئات النقدية القديمة حتى 30 من تموز، واصفًا القرار بأنه “الفرصة الأخيرة” لاستكمال عملية الاستبدال، بعدما تجاوزت نسبة الإنجاز على مستوى سوريا 63% آنذاك.

كما دعا المصرف المواطنين خلال الأيام الأخيرة إلى عدم تأجيل عملية الاستبدال، ومتابعة المعلومات عبر القنوات الرسمية، مؤكدًا أن الفئات القديمة ستبقى قابلة للاستبدال لدى المصرف المركزي لمدة خمس سنوات بعد انتهاء التداول، وفق آليات سيُعلن عنها لاحقًا.

لكن بالنسبة لسكان الحسكة، لم يكن عامل الوقت وحده هو المشكلة، بل محدودية البنية المصرفية، وتأخر انطلاق الخدمة، وغياب مراكز بديلة، وهي عوامل دفعت كثيرين إلى البحث عن حلول فردية، كان أبرزها اللجوء إلى الدولار وتحمل فروقات سعرية مرتفعة، أو المجازفة بالانتظار حتى انتهاء المهلة والسفر لاحقًا إلى دمشق لاستبدال أموالهم.

وبين طوابير مركز البريد، ومخاوف انتهاء المهلة، وارتفاع الطلب على الدولار، تدخل الحسكة الأيام الأخيرة من عملية استبدال العملة في ظل مشهد يعكس خصوصية المحافظة وتعقيدات واقعها الإداري، بينما يبقى آلاف المواطنين أمام سباق مع الزمن للحفاظ على قيمة مدخراتهم، في انتظار حلول قد تأتي بعد فوات المهلة.




×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة