زراعة واعدة دونها صعوبات

طرطوس تدخل عالم الزعفران بـ18 دونمًا

تنبت أزهار الزعفران على ارتفاع يتجاوز 550 مترًا لتشكل لوحة أرجوانية في قرية بريصين بمنطقة الشيخ بدر بريف طرطوس - 10 تشرين الثاني 2025 (عنب بلدي)

camera iconتنبت أزهار الزعفران على ارتفاع يتجاوز 550 مترًا لتشكل لوحة أرجوانية في قرية بريصين بمنطقة الشيخ بدر بريف طرطوس - 10 تشرين الثاني 2025 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

طرطوس – شعبان شاميه

تشهد القرى الجبلية في طرطوس إقبالًا متزايدًا من الفلاحين على زراعة الزعفران، مدفوعًا بدعم فني وإرشادي حكومي لتوسيع نطاقها بريف المحافظة.

بدأت القصة قبل سبع سنوات في منطقة الدريكيش، وتوسعت تدريجيًا لتبلغ المساحة الإجمالية اليوم 18 دونمًا، منها 15 دونمًا في قرية بيت يوسف، إلى جانب حيازات فردية بسيطة في منطقة القدموس، إذ يعتني بهذا المحصول الثمين حاليًا نحو عشرة مزارعين، نجحوا في زراعة كمية من “الأبصال” تقدّر بنحو طنين.

وفي إطار السعي لتطوير هذه الزراعة، تقود مديرية الزراعة بالتعاون مع منظمة “أكساد” والهيئة العامة للبحوث العلمية الزراعية خطة لدعم الفلاحين “مجانًا”، وفق ما قاله مدير الزراعة بطرطوس، محمد عدنان أحمد، في حديث إلى عنب بلدي.

ويشمل هذا الدعم، وفقًا لأحمد، تقديم “الكورمات” (الأبصال) في مناطق مستهدفة مثل قرية التلة بمنطقة الشيخ بدر، بموازاة تنظيم أيام حقلية ودورات تدريبية مكثفة لتمكين المزارعين من إتقان المعاملات الزراعية الصحيحة للمحصول.

من الإطار التجريبي إلى التوسع الأفقي

رغم هذه الحماسة، قال مدير الزراعة في طرطوس إن زراعة الزعفران لا تزال في إطارها التجريبي، لذا لم تدخل حتى الآن في الإحصاءات الرسمية لوزارة الزراعة، ولا تتوفر لها بيانات دقيقة أو مستهدفات إنتاجية محددة، معتبرًا أن التجربة تسير في مرحلتها الثانية وفق مصفوفة زمنية وضعتها لجنة وزارية متخصصة، تركز على التوسع الأفقي بنشر المحصول في أرياف طرطوس.

وتعد القرى الجبلية الملائمة، مثل الدريكيش والشيخ بدر والمحيلبة، الحاضنة الكبرى لهذه النبتة. ورغم المخاوف المرتبطة بتكلفة العمالة المرتفعة، فإن التحدي الحقيقي والأكبر الذي يواجه المزارعين ويقيّد توسعهم هو القلق من العقبات التسويقية وصعوبة تصريف المنتج مستقبلًا.

الكيلو بأكثر من ثلاثة آلاف دولار

حول إعداد دراسات الجدوى التقديرية، لفت مدير الزراعة في طرطوس إلى أن الدونم الواحد يتطلب زراعة ما بين 50 و60 ألف “كورمة”، لينتج بعد ثلاث سنوات ما بين كيلوغرام وثلاثة كيلوغرامات من المياسم الجافة.

وأشار إلى أن سعر الكيلوغرام الواحد يبلغ حاليًا 450 ألف ليرة سورية جديدة، وهو ما يعادل نحو 3400 دولار أمريكي.

وأضاف أحمد أن الأرباح الإجمالية تتباين تبعًا لتكاليف “الكورمات” والأسمدة وأجور العمالة، مؤكدًا في الوقت ذاته أن العائد الاقتصادي للمشروع مجزٍ للغاية مقارنة بالمحاصيل التقليدية، نظرًا إلى أن المزارع يشتري “الكورمات” لمرة واحدة فقط، لتتضاعف أعدادها وأوزانها بمعدل ثلاثة إلى أربعة أضعاف سنويًا، وفي حال إبقائها في التربة، يستمر إنتاج الأزهار لفترة تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات.

غياب القروض وصناديق الدعم

أقر مدير الزراعة بغياب الآليات التنفيذية لمنح القروض الميسرة أو إطلاق المشاريع التنموية المخصصة لزراعة الزعفران، كاشفًا في الوقت ذاته عن وجود تعاون مع هيئة المشاريع المتوسطة والصغيرة، لبحث سبل دعم المزارعين والتخفيف من تكاليف التأسيس المرتفعة.

وفي الجانب التقني، أوصى بالاعتماد على الروث الحيواني المتخمر (السماد البلدي) أو “الكومبوست” المصنّع، مشددًا على ضرورة جودة التخمير وخلوه من البذور الضارة لضمان سلامة “الكورمات” وحمايتها من الاحتراق.

وبشأن توفير هذه المواد، أكد أحمد غياب أي صناديق متخصصة حاليًا داخل وزارة الزراعة لدعم الأسمدة العضوية، مشيرًا إلى أن دور المديرية يقتصر في المرحلة الحالية على تقديم التوعية الإرشادية حول طرق التخمير الصحيحة، إلى جانب دراسة الاحتياجات الفعلية للمزارعين تمهيدًا لبحث إمكانيات الدعم المستقبلي.

شروط وتوصيات مخبرية لنجاح المحصول

فيما يتعلق بالمحطات البحثية المخصصة لزراعة الزعفران، بيّن أحمد أنه تم تنفيذ تجارب ناجحة في محطتي سرغايا بريف دمشق والبريج في ريف حمص.

أما بخصوص محافظة طرطوس، فقد بدأت الخطوة الأولى بحصر الأصناف البرية المحلية في المناطق الجبلية، نظرًا إلى أن زراعة هذا المحصول تحقق نجاحًا ملحوظًا في المرتفعات التي يتراوح ارتفاعها بين 600 و1200 متر عن سطح البحر.

وتابع أن زراعة الزعفران في المناطق التي تقل عن هذا الارتفاع تقتصر على إكثار “الكورمات” فقط، لحاجة النبات إلى درجات حرارة منخفضة لتحفيز عملية الإزهار.

وأردف أحمد أنه لم يتم اعتماد البروتوكول النهائي الخاص بمحافظة طرطوس حتى الآن، إلا أن المؤشرات تؤكد أن الموعد الأمثل للزراعة يبدأ في أواخر فصل الصيف ومع أولى الهطولات المطرية، لافتًا إلى استمرار العمل على تطوير التوصيات الفنية بناء على النتائج الحقلية المباشرة.

وفي سياق متصل، تباشر الوحدات الإرشادية في مختلف مناطق طرطوس جمع عينات من تربة حقول المزارعين لإخضاعها للتحليل المخبري، وتبعًا لهذه النتائج التي تحدد نسب الرمل والطين والطمي، تقدم المديرية إرشادات دقيقة حول كميات الرمل المطلوبة لتعديل خواص التربة وتحسين قدرتها على التصريف، الأمر الذي يضمن تهوية مثالية لـ”الكورمات” ويحميها من التعفن.

وفي هذا الصدد، شدد مدير الزراعة على أن البيئة الأكثر ملاءمة لزراعة الزعفران تتمثل في الأراضي الجبلية والمدرجات التي ترتفع عن سطح البحر لأكثر من 300 إلى 400 متر، بشرط أن تكون التربة جيدة التصريف.

ونصح بالتركيز على مناطق محددة مثل الدريكيش ومشتى الحلو وبصيرة الجرد، محذرًا في الوقت ذاته من الزراعة في المناطق المنخفضة والرطبة، لتفادي خطر تعفن “الكورمات” الناتج عن تشبّع التربة بالمياه.

مزارع وسط حقول الزعفران يتفقد محاصيله التي بلغت ذروة إزهارها في عامها الثالث - 15 تشرين الثاني 2025 (عنب بلدي)

مهندس زراعي وسط حقول الزعفران يتفقد محاصيله التي بلغت ذروة إزهارها في عامها الثالث – 15 تشرين الثاني 2025 (عنب بلدي)

تحديات التسويق والحلول التعاونية

يرى أحمد أن معضلة التسويق تمثل حاليًا العقبة الأبرز التي تواجه المزارعين، مشيرًا إلى غياب آلية رسمية متكاملة تضمن حمايتهم حتى الآن.

كما تبذل مديرية الزراعة جهودًا حثيثة للتنسيق مع القطاع الخاص، بحسب أحمد، إلى جانب تشجيعها المستمر على تأسيس جمعيات تعاونية زراعية، بهدف تجميع الإنتاج وتفعيل ميزة التفاوض الجماعي نيابة عن المزارعين، الأمر الذي من شأنه الحد من احتكار التجار وضمان تحقيق أسعار عادلة للمنتجين.

حلول تقنية لمواجهة التحديات المناخية

حول التحديات الناجمة عن التغيرات المناخية، أوضح مدير الزراعة أن نبات الزعفران يتطلب كميات مياه متوسطة نسبيًا تقدر بنحو 600-700 مم سنويًا. وبناء على ذلك، نصح المزارعين، في حال تأخر الهطولات المطرية، بتقديم “رية” أو “ريتين” عبر تقنية “التنقيط” فور الانتهاء من الزراعة، باعتباره بديلًا آمنًا وفعالًا يضمن إنبات “الكورمات” واستقرارها في التربة.

كما وجّه أحمد بضرورة تبكير موعد الزراعة ليكون في الأول من أيلول بدلًا من الأول من تشرين الأول كإجراء احترازي عند تأخر فصل الشتاء، مع التأكيد على أهمية السقاية الموضعية في حال توفر مصادر المياه.

بالمقابل، حذر من الاعتماد الكلي على الري بالتنقيط طوال الموسم، نظرًا إلى أن النبات يرتكز أساسًا على الأمطار خلال طور نموه الخضري، فضلًا عن أن الإفراط في الري يضاعف أخطار الإصابة بالأمراض الفطرية.

آفاق الاستثمار والربط الصناعي

كشف مدير الزراعة عن تحركات جارية لتوثيق الروابط مع شركات الأدوية ومستحضرات التجميل المحلية، بالنظر إلى القيمة المضافة العالية التي يتيحها الزعفران في هذه الصناعات.

غير أن نجاح هذا التنسيق المشترك مرهون بتوفر كميات إنتاجية ضخمة ومستويات جودة موحدة وموثوقة، وهو الهدف الذي تسعى “زراعة طرطوس” لتحقيقه عبر التوسع الأفقي في المساحات المزروعة وتوحيد عمليات ما بعد الحصاد.

رؤية استشرافية

اختتم أحمد حديثه لعنب بلدي باستعراض الخطط المستقبلية، مؤكدًا وجود توجه استراتيجي نحو إنشاء معامل صغيرة أو وحدات تصنيع ريفية مركزية.

وتكمن وظيفة هذه الوحدات في تجميع الأزهار من المزارعين، ثم تجفيفها وتعبئتها وفقًا لمواصفات قياسية محددة، مما يسهم في تقليص الجهد الفردي، ورفع جودة المنتج النهائي، وبالتالي تسهيل عمليات التسويق.

وفي هذا السياق، يتطلع مدير زراعة طرطوس إلى تحويل هذا التصوّر إلى واقع ملموس، مستندًا إلى رؤية ترتكز على جذب استثمارات حقيقية، وإرساء تنظيم دقيق لجهود المزارعين، إلى جانب بناء شراكة وثيقة وتكامل فعال بين الأطراف المعنية كافة.

ويتجاوز الزعفران تصنيفه العالمي كأحد التوابل الفاخرة، ليتصدّر المشهد كـ”ذهب أحمر” ذي قيمة اقتصادية وعلاجية وثقافية استثنائية. واليوم، تلوح أمام سوريا فرصة استراتيجية لتعزيز مكانة هذا المنتج، مدفوعة بمقوماتها الطبيعية والبيئية، ومعززة بشغف وخبرة المزارع السوري القادر على تحويل هذه الزراعة إلى علامة مميزة في الأسواق الدولية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة