ملايين الليرات مقابل ساعات قليلة..

فواتير الكهرباء تصدم السوريين.. شكاوى من “أخطاء” في العدادات

صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر مواطنًا يقارن بين صرف العداد الكهربائي ورقم فاتورة الكهرباء (تعديل عنب بلدي)

camera iconصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تظهر مواطنًا يقارن بين صرف العداد الكهربائي ورقم فاتورة الكهرباء (تعديل عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

لم يكن الطالب الجامعي محمد خليل يتوقع أن تتحول فاتورة الكهرباء إلى أكبر هاجس يطارده مع بداية الصيف، فالشاب الريفي، الذي يستأجر منزلًا في دمشق مع زميله، لا يستخدم سخان المياه أو المدفأة الكهربائية، لكنه فوجئ بأن فاتورة الكهرباء للدورة الثالثة بلغت ستة ملايين ليرة سورية قديمة، رغم ازدياد التقنين الكهربائي خلال مدة شهريّ الدورة.

وقال محمد، لعنب بلدي، إن قيمة الفاتورة تعادل ثلاثة أضعاف أجرة المنزل الذي يستأجره، ما وضعه أمام عبء مالي يفوق قدرته وقدرة عائلته على التحمل، لافتًا إلى أن مالك المنزل ألزمه بدفعها.

بعد مراجعة وحدة الكهرباء وتقديم اعتراض، نقل محمد للموظفين أن قراءة العداد الواردة في الفاتورة لا تتطابق مع الاستهلاك الفعلي، إلا أنه لم يحصل على أي معالجة أو توضيح حتى الآن.

قصة محمد ليست استثناءً، بل واحدة من عشرات الشكاوى التي رصدتها عنب بلدي من السوريين، تحدث أصحابها عن صدور فواتير كهرباء بمبالغ وصفوها بـ”الخيالية”، بعد اعتماد التسعيرة الجديدة، معتبرين أنها لا تعكس استهلاكهم الفعلي، وسط مطالبات بتدقيق قراءات العدادات وإعادة النظر في آلية احتساب الفواتير، في وقت يغيب فيه أي توضيح رسمي يفسر أسباب هذه القفزات الكبيرة.

من مئات الآلاف إلى ملايين الليرات

أمل إبراهيم، من أهالي مدينة طرطوس، قالت إن فاتورة الكهرباء للدورة الثانية بلغت 5.6 مليون ليرة قديمة، بعدما كانت فاتورة الدورة الأولى نحو 650 ألف ليرة فقط.

وتقول إن الفرق الكبير بين الدورتين لا يتناسب مع حجم استهلاكها، معتبرة أن العاملين في وحدات الكهرباء “لا يقومون بقراءة العدادات بشكل دقيق، وإنما تعتمد القراءات على التخمين أو الأخطاء”، بحسب تعبيرها.

وتؤكد أنها تقدمت بطلبي اعتراض، مطالبة بإعادة قراءة العداد ومطابقة الرقم الفعلي مع الفاتورة، لكنها تقول إنها لم تتلق أي استجابة، رغم تأكيدها أن الاستهلاك الحقيقي “لا يصل إلى خمس الرقم المسجل في الفاتورة”.

كما تعتقد أمل أن هناك خللًا في آلية معالجة الاعتراضات، وتطالب بمزيد من الشفافية في إصدار الفواتير والاستجابة لشكاوى المواطنين.

“أعيش على الطاقة الشمسية”.. والفاتورة 11 مليونًا

في مدينة يبرود بريف دمشق، قال أحمد، الذي فضّل عدم ذكر اسمه الكامل، إنه يعتمد بصورة شبه كاملة على الطاقة الشمسية، ولا يستخدم كهرباء الشبكة العامة إلا ساعة أو ساعتين يومياً عند توفر التغذية.

لا يشغل أحمد سخان مياه أو مدفأة أو برادًا أو غسالة، ويقتصر استخدامه للكهرباء على الإنارة، ومع ذلك فوجئ بصدور فاتورة بلغت 11 مليون ليرة قديمة.

بعد تقديم اعتراض وإبراز فواتير الدورات السابقة، أُبلغ أحمد أن المبلغ يعود إلى تراكمات ناجمة عن أخطاء في قراءة العدادات خلال فترات سابقة، وأن الفاتورة احتُسبت وفق التعرفة الجديدة.

وقال إنه طلب احتساب تلك الكميات وفق التعرفة التي كانت سارية وقت استهلاكها، إلا أنه لم يحصل، بحسب روايته، على موافقة، وأُبلغ بأن ذلك يتم وفق تعليمات الوزارة.

ويعتبر أحمد أن الفواتير التي تصدر بحقه غير دقيقة، ويتهم بعض العاملين في القطاع بوجود فساد في آلية إصدار الفواتير، مطالبًا الحكومة بالتحقيق في هذه الشكاوى ومعالجة الخلل.

راتب لا يغطي الفاتورة

أما هدى العمر، وهي موظفة في القطاع العام بدمشق، وزوجها من ذوي المغيبين قسرًا في سجون النظام السابق، فقالت إن راتبها بعد الزيادة أصبح مليونًا و600 ألف ليرة، بينما ارتفعت فاتورة الكهرباء من مليوني ليرة في الدورة الأولى إلى أربعة ملايين في الثانية، ثم ثمانية ملايين في الدورة الثالثة.

استخدام الأسرة للكهرباء يقتصر على الإنارة، بحسب أمل، ولم يؤد اعتراضها إلى أي نتيجة، مضيفة أنها طُلب منها دفع الفاتورة أولًا ثم متابعة الاعتراض لاحقًا.

وتتساءل: كيف يمكن لموظف يتقاضى راتبًا لا يكفي لتغطية احتياجات أسرته الأساسية أن يسدد فاتورة كهرباء تزيد على راتبه عدة مرات؟ ومن أين سيؤمن قيمة هذه المبالغ؟.

يوافقها سامر الحاج، أحد أبناء مدينة حلب وموظف في القطاع العام، قائلًا إن فاتورة الكهرباء في دورتها الأولى كانت 750 ألف ليرة سورية، أما الدورة الثانية كانت 7.5 مليون ليرة سورية، أي عشرة أضعاف.

واستغرب متسائلًا: كيف لحكومة أن تقوم بإعطاء راتب لموظف حوالي مليوني ليرة، وتفرض عليه فاتورة كهرباء فقط بحوالي أربعة أضعاف؟

رغم تقديم سامر اعتراضًا، لم يتمكن من الوصول لأي حل، وإن لم يسدد قيمة الفاتورة، فسوف يتم فك العداد الكهربائي، حسبما وجه لديه من إحدى مديريات الكهرباء في حلب.

وقد بدأت مؤسسات توزيع الكهرباء في سوريا، بتنفيذ حملات ميدانية لفك وإزالة العدادات الكهربائية للمشتركين المتأخرين عن سداد الفواتير، وذلك بعد صدور تعميمات تدعو للمبادرة بالدفع تفاديًا لإلغاء الاشتراكات.

مطالبات بالشفافية

القاسم المشترك بين جميع من تحدثت إليهم عنب بلدي هو التشكيك بدقة قراءات العدادات وآلية احتساب الاستهلاك، إضافة إلى تأكيدهم أنهم لم يحصلوا على معالجة واضحة لاعتراضاتهم.

ويرى أصحاب الشكاوى أن غياب الشفافية في قراءة العدادات وآلية البت بالاعتراضات يزيد من حالة الاحتقان، ويطالبون بإعادة قراءة العدادات ميدانياً، وتوضيح أسباب الفروقات الكبيرة بين الاستهلاك الفعلي والفواتير الصادرة.

رد رسمي غائب

تواصلت عنب بلدي مع مديرية الكهرباء للحصول على توضيح رسمي بشأن الشكاوى المتعلقة بآلية قراءة العدادات الكهربائية، وارتفاع قيمة الفواتير، وكيفية معالجة الاعتراضات المقدمة من المواطنين.

إلا أن المكتب الإعلامي في مديرية الكهرباء اكتفى بالرد بأنه لا يوجد تصريح بهذا الخصوص في الوقت الحالي.

التسعيرة وفق أربع شرائح

وأصدرت وزارة الطاقة السورية، في 30 من تشرين الأول 2025، تفاصيل قرار رفع أسعار الكهرباء وفقًا لأربع شرائح، قالت إنها “تراعي الفئات الاجتماعية ومستويات الاستهلاك المختلفة”، وذلك كجزء من خطة حكومية تهدف إلى إصلاح قطاع الكهرباء وتحسين الخدمة، في وقت يعاني فيه هذا القطاع من خسائر تقدّر بمليار دولار سنويًا، وسط تحديات في التمويل والبنية التحتية في معظم المناطق، بحسب ما ذكرته الوزارة.

توزع الشرائح والأسعار بحسب ما نشرته الوزارة عبر “فيسبوك“ حينها:

  • الشريحة الأولى بسعر 600 ليرة سورية للكيلوواط الواحد، حتى كمية استهلاك 300 كيلوواط خلال دورة شهرين بنسبة دعم حكومي 60% من سعر التكلفة.
  • الشريحة الثانية بسعر 1400 ليرة للكيلوواط الواحد، وتضم أصحاب الدخل المتوسط والمرتفع والمشاريع الصغيرة التي تستهلك أكثر من 300 كيلوواط خلال دورة شهرين.
  • الشريحة الثالثة بسعر 1700 ليرة للكيلوواط الواحد، وتضم المعفيين من التقنين، مثل المؤسسات الحكومية والشركات والمصانع التي تحتاج إلى كهرباء على مدار الساعة.
  • الشريحة الرابعة بسعر 1800 ليرة، وتضم المعامل والمصانع والاستهلاك الكهربائي العالي، مثل معامل الصهر وغيرها.

تناقض بين المبررات والنتائج

الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في جامعة “حماة” عبد الرحمن محمد، قال في حديث سابق مع عنب بلدي، إن القراءة الاقتصادية للشرائح الجديدة تكشف عن تناقض جوهري بين مبرراتها النظرية ونتائجها العملية المباشرة، وفق:

أولًا، منطق الإصلاح المزعوم: يفترض النظام التصاعدي للشرائح ترشيد الاستهلاك وحماية محدودي الدخل عبر شريحة أولى مدعومة، بينما يتحمل ذوو الاستهلاك المرتفع أو القطاعات التجارية التكلفة الحقيقية، ونظريًا، يؤدي هذا إلى تخفيف العبء المالي عن الدولة (التي تخسر 0.14 دولار مقابل كل كيلوواط تُنتجه) وتوجيه الدعم للفئات المستحقة.

ثانيًا، صدمة الواقع المجتمعي: يصطدم هذا المنطق بعنف مع الواقع السوري، لعدة أسباب:

  • القدرة الشرائية منهارة، إذ يُظهر تحليل مقارن أن الحد الأدنى للأجور في سوريا اليوم يستطيع شراء حوالي 707 كيلوواط/ساعة فقط شهريًا بموجب الأسعار الجديدة، وهو تراجع كارثي بنسبة تتجاوز 60% عن قدرته الشرائية في سبعينيات القرن الماضي، حتى الاستهلاك “المدعوم” ضمن الشريحة الأولى أصبح يشكل عبئًا كبيرًا.
  • فواتير لا تُطاق: بعض فواتير تجاوزت أربعة أو خمسة ملايين ليرة لأسر لا تملك أساسيات الكهرباء، بسبب أخطاء في قراءة العدادات أو مشكلات تقنية، كما أن فاتورة متوسطة بقيمة 500 ألف ليرة لشهرين تمثل نصف راتب موظف يتقاضى مليون ليرة، وهذا يفسر الشعار المتداول في الشارع: “خليهن يجوا يفكوا عداد الكهربا”.
  • غياب البدائل والخدمة: الغضب يتضاعف، لأن هذه الزيادة الصادمة (التي وصلت لنسبة 800% في بعض الحالات) لم تقترن بتحسن ملموس في جودة الخدمة، التي لا تزال تتسم بالتقنين.

 

فواتير الكهرباء تفتح باب الاحتجاج بدمشق



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة