رغم التمديد.. طوابير العملة الجديدة ترهق المحافظات الشرقية

camera iconزحام أمام مركز بريد القصور لاستبدال العملة بدير الزور - 5 آب 2026 (عنب بلدي)

tag icon ع ع ع

لم ينجح قرار مصرف سوريا المركزي تمديد مهلة استقبال العملة السورية القديمة في محافظات الحسكة والرقة ودير الزور، حتى 20 آب الحالي، في إنهاء معاناة آلاف المواطنين.

ولا يزال المواطنون يصطفون يوميًا أمام مراكز الاستبدال، وسط شكاوى من محدودية عدد المراكز، ونقص العملة الجديدة، وظهور سوق موازية فرضت أسعار صرف مختلفة بين الإصدارين القديم والجديد من الليرة السورية.

وأعلن مصرف سوريا المركزي استمرار استقبال طلبات سحب العملة السورية القديمة في المحافظات الشرقية عبر فروعه ومنافذ المؤسسة السورية للبريد حتى 20 من آب، بعدما كانت المهلة قد انتهت ثم مُددت أسبوعًا إضافيًا قبل اتخاذ قرار جديد يخص المحافظات الشرقية، في خطوة قال إنها جاءت بعد متابعة واقع العمل والاستماع إلى الاحتياجات الميدانية.

ويأتي القرار في ظل استمرار الازدحام أمام مراكز الاستبدال منذ بدء تطبيق الآلية الجديدة في الثالث من آب الجاري، التي تعتمد على إيداع العملة القديمة في تطبيق “شام كاش” بدلًا من تسليم المواطنين العملة الجديدة مباشرة، الأمر الذي أثار موجة واسعة من الانتقادات في المحافظات الثلاث، مع استمرار شكاوى المواطنين من صعوبة الوصول إلى أموالهم.

الحسكة.. مركز واحد لا يكفي

في محافظة الحسكة، يرى الأهالي أن تمديد المهلة يمنحهم وقتًا إضافيًا، لكنه لا يعالج المشكلة الأساسية المتمثلة بقلة مراكز الاستبدال وعدم توافر العملة الجديدة، وهو ما أدى إلى طوابير طويلة أمام مراكز البريد في مدن الحسكة والقامشلي منذ الأيام الأولى لتطبيق القرار.

وتستقبل مراكز البريد المواطنين لإيداع العملة القديمة ضمن حسابات “شام كاش”، في وقت لا تزال فيه العملة الجديدة غير متوافرة في المحافظة، ما دفع كثيرًا من المواطنين إلى الاحتفاظ بأموالهم داخل التطبيق دون القدرة على سحبها نقداً.

ويقول محمد داوود، من مدينة القامشلي، إن الأزمة تجاوزت مسألة الازدحام لتصل إلى اختلاف القيمة الفعلية للعملة نفسها، إذ أصبح هناك فارق كبير بين الأوراق النقدية القديمة والجديدة في سوق الصرافة.

وأضاف لعنب بلدي أن فارق سعر الصرف يصل إلى ما بين 200 و300 ألف ليرة سورية لكل 100 دولار أمريكي، موضحًا أن الأوراق النقدية القديمة من فئة خمسة آلاف ليرة تُصرف بسعر يقارب 15 ألف ليرة للدولار، بينما تُحتسب العملة الجديدة بنحو 13,500، متسائلًا: “إذا كانت المشكلة في نقص العملة الجديدة، فلماذا يتحمل المواطن وحده تبعاتها؟”.

أما المواطنة فضة إسماعيل، التي كانت تنتظر دورها أمام مركز البريد في مدينة الحسكة، فقالت إن عددًا كبيرًا من المحال التجارية رفض التعامل بالعملة القديمة، في الوقت الذي لم يحصل فيه المواطنون على العملة الجديدة، ما جعل كثيرًا من الأسر عاجزة عن شراء احتياجاتها اليومية.

وأضافت أن تخصيص مركز واحد لمدينة كبيرة مثل الحسكة لا يمكن أن يستوعب أعداد المراجعين، مشيرة إلى أنها اضطرت للانتظار منذ ساعات الصباح الأولى لإتمام معاملتها، مطالبة بفتح مراكز إضافية وتأمين كميات كافية من العملة الجديدة وتبسيط الإجراءات.

زحام داخل مركز البريد لاستبدال العملة في الحسكة – 5 آب 2026 (عنب بلدي)

الرقة.. طوابير تحت الشمس واحتجاجات شعبية

في الرقة، لم يختلف المشهد كثيراً، إذ تحولت عملية تبديل العملة إلى أزمة يومية دفعت مئات الأهالي إلى التجمع للمطالبة بإقالة محافظ الرقة، معتبرين أن أصواتهم لم تصل إلى الجهات المعنية، في وقت بقيت المدينة تعتمد على مركز واحد فقط لاستقبال المراجعين.

ويقول حسن المحمد إن وجود مركز واحد فقط أربك السكان بالكامل، مضيفًا أن كبار السن هم الأكثر تضررًا بسبب اضطرارهم للانتظار لساعات طويلة، مطالبًا بفتح مراكز إضافية في المدينة والأرياف.

من جانبه، يشير محمد الحميدي إلى أن المشكلة لا تقتصر على تبديل العملة، بل تمتد إلى الحياة اليومية، إذ أصبحت الأفران والمحال التجارية تطلب العملة الجديدة رغم عدم توافرها في المحافظة، ما جعل المواطنين عاجزين عن إجراء عمليات البيع والشراء بصورة طبيعية.

ومنذ ساعات الصباح الأولى، تتشكل طوابير طويلة أمام مركز التبديل، فيما يضطر بعض المواطنين للحضور للمرة الثانية أو الثالثة بعد عودتهم سابقًا دون إنجاز معاملاتهم، كما سُجلت حالات إغماء نتيجة الانتظار الطويل وارتفاع درجات الحرارة، وفق شهادات محلية.

ويرى سكان الرقة أن تمديد المهلة لن يكون كافيًا إذا لم يترافق مع زيادة عدد المراكز ورفع القدرة التشغيلية لها، معتبرين أن المشكلة الحقيقية ليست في عدد الأيام المتاحة، وإنما في محدودية عدد المواطنين الذين يستطيع المركز الواحد استقبالهم يومياً، خاصة مع امتداد المحافظة واتساع أريافها.

كما أدت الأزمة إلى بروز سوق موازية، إذ تحدث مواطنون عن اختلاف كبير في سعر صرف الدولار بين الدفع بالعملة القديمة والجديدة، ما أجبر كثيرين على بيع مدخراتهم بخسائر لتجنب انتهاء المهلة، بينما استغلت بعض مكاتب الصرافة حاجة الأهالي، رغم توقيف عدد من الصرافين على خلفية اتهامات باستغلال المواطنين.

استبدال العملة داخل فرع مصرف سوريا المركزي بالرقة – 6 آب 2026 (عنب بلدي)

دير الزور.. مركزان لا يستوعبان الأعداد المتزايدة

في دير الزور، لا يبدو المشهد مختلفًا عن الحسكة والرقة، إذ تواجه مراكز تبديل العملة ضغطًا متزايدًا مع استمرار تدفق المراجعين من المدينة وريفها، وسط شكاوى من ضعف الطاقة الاستيعابية للمراكز، وتأخر إنجاز المعاملات، وغياب التنظيم.

وتشير المعطيات الميدانية التي رصدها مراسل عنب بلدي إلى أن مركز بريد القصور، وهو أحد المركزين المخصصين لاستبدال العملة في المدينة، يشهد يوميًا تجمع نحو 150 مواطنًا أمام بوابته، بينما لا يتمكن سوى نحو 30 شخصًا من إتمام معاملاتهم، نتيجة اعتماد المركز على موظف واحد لتنفيذ إجراءات الاستبدال، إضافة إلى غياب تنظيم واضح للدور، الأمر الذي تسبب بحالات تدافع وفوضى متكررة.

ويقول أحمد النايف، القادم من ريف دير الزور الشمالي، إنه حضر إلى المركز لليوم الثاني على التوالي، لكنه لم يتمكن من الحصول على دور يسمح له باستبدال أمواله، معتبرًا أن الانتظار المتكرر يزيد الأعباء على المواطنين القادمين من مناطق بعيدة.

بدوره، أوضح محمد الإبراهيم، القادم من محافظة الحسكة إلى دير الزور، أن حجم الفوضى أمام المركز فاجأه، مضيفًا أن اضطراره للتنقل يوميًا بين المحافظتين من أجل الحصول على دور سيجعله ينفق قيمة المبلغ الذي يرغب في استبداله على أجور النقل وحدها.

كما اشتكى مراجعون من تجاوزات إدارية، بينها دخول بعض الموظفين بأموالهم الخاصة لاستبدالها خلال ساعات الدوام، وعدم الالتزام الكامل بمواعيد استقبال المواطنين، إلى جانب سوء المعاملة، مطالبين برقابة أشد على سير العمل داخل المراكز.

ويرى الأهالي أن زيادة عدد المراكز، ورفع سقف المبالغ المسموح باستبدالها، وتحسين تنظيم الدور، تمثل إجراءات عاجلة لتخفيف الضغط عن المواطنين، ولا سيما مع استمرار الإقبال الكبير خلال الأيام الأخيرة من المهلة.

زحام أمام مركز بريد القصور لاستبدال العملة بدير الزور – 5 آب 2026 (عنب بلدي)

محامٍ: الآلية لا تنسجم مع الواقع

وفي تقييمه للآلية المعتمدة، اعتبر المحامي أحمد العلي، في حديث لعنب بلدي، أن اعتماد نظام “شام كاش”، في الحسكة مثلًا، لا يخدم مصلحة غالبية المواطنين، لافتًا إلى أن الإجراءات الحالية تثير تساؤلات قانونية واقتصادية، وتضعف الثقة بالعملة الوطنية، فضلاً عن تعقيدها عملية الوصول إلى الأموال.

وقال إن الحل كان يمكن أن يتمثل في توزيع العملة الجديدة مباشرة عبر المصارف، بدلًا من تحويل الأموال إلى محافظ إلكترونية، متسائلًا عن الضمانات القانونية التي تكفل حقوق المواطنين بعد إيداع أموالهم، وعن المدة اللازمة لإضافتها إلى حساباتهم، وآلية سحبها في ظل استمرار نقص العملة الجديدة بالمحافظات الشرقية.

وأضاف أن هذه الآلية قد تكون قابلة للتطبيق في دول تمتلك بنية مصرفية متطورة، لكنها لا تنسجم مع الظروف الاقتصادية والخدمية الحالية في سوريا، داعيًا الجهات المعنية إلى توضيح تفاصيل القرار والإجابة عن تساؤلات المواطنين بشأن آلية التنفيذ وضمان حقوقهم.

تمديد المهلة… لكن الأزمة مستمرة

ورغم إعلان مصرف سورية المركزي تمديد استقبال العملة السورية القديمة في الحسكة والرقة ودير الزور حتى 20 آب الجاري، بعد متابعة واقع التنفيذ في المحافظات الشرقية، فإن المواطنين يرون أن المشكلة لا ترتبط بالمدة الزمنية وحدها، وإنما بقدرة المراكز الحالية على استيعاب الأعداد الكبيرة من المراجعين، وباستمرار نقص العملة الجديدة.

ومع استمرار الطوابير أمام مراكز البريد والمصرف المركزي، يبقى تمديد المهلة خطوة تمنح المواطنين وقتًا إضافيًا، لكنها لا تبدد المخاوف المرتبطة بإمكانية إنجاز المعاملات قبل انتهاء المهلة الجديدة، ولا تنهي معاناة آلاف الأهالي الذين يقضون ساعات طويلة بانتظار دورهم، أو يضطرون إلى اللجوء للسوق الموازية وتحمل خسائر مالية من أجل الحصول على العملة الجديدة.

وبين الطوابير الممتدة في الحسكة، والاحتجاجات في الرقة، والفوضى أمام مراكز دير الزور، تتكرر المطالب نفسها في المحافظات الثلاث: زيادة عدد مراكز الاستبدال، وضخ كميات كافية من العملة الجديدة، وتبسيط الإجراءات، بما يضمن وصول المواطنين إلى أموالهم دون تأخير أو استغلال، ويحول دون استمرار أزمة ألقت بظلالها على الحياة اليومية لسكان شرق سوريا.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة