رسائل “انفتاح” من “حزب الله” لدمشق.. ما دوافعها؟

عناصر من "حزب الله" في الجنوب اللبناني - 4 تشرين الثاني 2025 (CNN بالعربية)

camera iconعناصر من "حزب الله" في الجنوب اللبناني - 4 تشرين الثاني 2025 (CNN بالعربية)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – أمير حقوق

أعاد إعلان الأمين العام لـ”حزب الله”، نعيم قاسم، انفتاح الحزب على الحوار مع دمشق “في الوقت المناسب” ملف العلاقات السورية- اللبنانية إلى الواجهة، بعد فترة من تصريحات للرئيس السوري، أحمد الشرع، أكد فيها استعداد دمشق للحوار مع الحزب إذا اقتضت مصلحة البلدين، بالتوازي مع نفي متكرر لأي نية سورية للتدخل العسكري في لبنان.

ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه الحدود السورية- اللبنانية تنسيقًا أمنيًا متصاعدًا، وتحركات لبنانية ضد التهريب وملاحقة مطلوبين، في مشهد يعكس محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولتين على أسس مختلفة عن المرحلة السابقة.

وبينما يفتح الطرفان الباب أمام الحوار، تبرز تساؤلات حول ما إذا كان المشهد يتجاوز مجرد تبادل الرسائل السياسية، ويرتبط بإعادة ترتيب العلاقة السورية- اللبنانية في ظل المتغيرات الإقليمية، وتأثير ملف مستقبل سلاح “حزب الله”، وتنامي التنسيق الأمني بين دمشق وبيروت.

انفتاح سياسي تفرضه المتغيرات

لا ينظر الباحث الأول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة” الدكتور سمير العبد الله إلى تصريحات نعيم قاسم بوصفها موقفًا معزولًا، بل يراها انعكاسًا لتحول في الخطاب السياسي لـ”حزب الله” اللبناني تجاه الإدارة السورية الجديدة.

وقال العبد الله، إن التصريحات تأتي في سياق المتغيرات الإقليمية التي فرضت على الحزب إعادة قراءة علاقته بدمشق، كما جاءت بعد اللقاءات التي عُقدت بين ممثلين عن الحزب والحكومة السورية برعاية تركية، وهو ما يشير إلى وجود قنوات تواصل تهدف إلى احتواء الخلافات وفتح باب الحوار.

 

تصريحات نعيم قاسم تعكس التحول في الخطاب السياسي لـ”حزب الله” اللبناني تجاه الإدارة السورية الجديدة.

الدكتور سمير العبد الله

باحث أول في “المركز العربي لدراسات سوريا المعاصرة”

 

ويتفق الباحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات بواشنطن” عمار جلو مع هذه القراءة، معتبرًا أن تصريحات قاسم لا تمثل تحولًا جذريًا، بقدر ما تعكس إبقاء الباب مفتوحًا أمام الحوار، لافتًا إلى أن المبادرة بالانفتاح جاءت أساسًا من دمشق قبل أشهر، فيما جاء موقف الحزب لاحقًا.

ويرى جلو أن الحزب يعيش ضغوطًا سياسية وإقليمية متزايدة، ويحاول البحث عن مخارج تخفف من الضغوط المفروضة عليه، سواء نتيجة التحولات الإقليمية أو التطورات الداخلية في لبنان المرتبطة بملف السلاح.

سلاح الحزب حاضر في خلفية المشهد

تتزامن تمهيدات الانفتاح السياسي مع تداول أخبار عن احتمال اضطلاع دمشق بدور في معالجة ملف سلاح “حزب الله”، رغم النفي السوري المتكرر لأي نية للتدخل العسكري داخل لبنان.

الدكتور سمير العبد الله يرى أن الحزب يسعى إلى التكيف مع الواقع الجديد في سوريا، ولذلك يمكن فهم تصريحات قاسم على أنها محاولة لتخفيف التوتر مع دمشق، ومنع تشكل تفاهم سوري- لبناني قد يزيد الضغوط عليه في ملف السلاح.

وقال العبد الله، إن الحوار والتفاوض يبقيان الخيار الأقل تكلفة لجميع الأطراف، وهو المسار الذي تدفع نحوه أيضًا بعض القوى الإقليمية، إدراكًا لما قد يترتب على أي تدخل عسكري من تداعيات واسعة.

من جهته، أكد جلو أن دمشق ليست معنية بالدخول في مواجهة مباشرة مع “حزب الله”، لأن ذلك قد يفتح الباب أمام توترات طائفية داخل سوريا، ويمنح تنظيم “الدولة الإسلامية” فرصة لإعادة تنظيم صفوفه واستثمار أي صراع مذهبي، فضلًا عن استنزاف جهود الدولة في ملفاتها الأمنية.

كما أشار إلى أن دمشق لا تزال تنظر إلى إرث تدخل الحزب في سوريا بوصفه ملفًا بالغ الحساسية، ما يجعل الانتقال إلى علاقة طبيعية معه أمرًا شديد التعقيد.

 

دمشق ليست معنية بالدخول في مواجهة مباشرة مع “حزب الله”، لأن ذلك قد يفتح الباب أمام توترات طائفية داخل سوريا، ويمنح تنظيم “الدولة الإسلامية” فرصة لإعادة تنظيم صفوفه.

عمار جلو

باحث في مركز “الحوار للأبحاث والدراسات بواشنطن”

 

التنسيق الأمني يتقدم على الخيارات العسكرية

بالتوازي مع هذه التطورات، كثفت السلطات اللبنانية إجراءاتها الأمنية، عبر ضبط صواريخ مهرّبة من سوريا، وتوقيف أشخاص دخلوا الأراضي اللبنانية بطرق غير شرعية، بينهم من يُشتبه بانتماء بعضهم إلى فلول نظام الأسد، إضافة إلى توقيف أحد المتهمين بتوجيه إساءات طالت رموز الدولة السورية من داخل الأراضي اللبنانية.

ويرى العبد الله أن هذه التحركات تعكس سعي الحكومة اللبنانية إلى إثبات قدرتها على بسط سلطتها وتعزيز دور مؤسسات الدولة، سواء عبر ضبط الحدود أو ملاحقة شبكات التهريب، وهو ما يقلل الحاجة إلى أي تدخل سوري مباشر.

ويتقاطع ذلك مع ما يطرحه جلو، الذي يرى أن التنسيق الأمني بين دمشق وبيروت أصبح الخيار الأكثر واقعية، من خلال ضبط الحدود، ومنع تهريب السلاح والأموال والعناصر البشرية، وكشف مواقع التصنيع المرتبطة بالحزب داخل الأراضي السورية، معتبرًا أن هذا المسار أكثر فاعلية وأقل تكلفة من أي مواجهة عسكرية.

وأضاف أن تطور العلاقات الأمنية خلال الأشهر الأخيرة يعكس انتقال العلاقة بين البلدين من مرحلة الجمود إلى تعاون مؤسساتي قائم على احترام السيادة والمصالح المشتركة.

سيناريوهات مفتوحة.. استبعاد للتدخل العسكري

رغم الانفتاح المتبادل، يستبعد الباحثان أن تتجه دمشق إلى حوار سياسي مباشر مع “حزب الله” في المدى القريب.

واعتبر جلو أن الدخول في حوار رسمي مع الحزب يشكل “مطبًا سياسيًا” للحكومة السورية، لأنه قد يُفسر على أنه اعتراف بمركزيته داخل الدولة اللبنانية، وهو ما تحاول دمشق تجنبه، مفضلة اتباع سياسة تقوم على عدم التصعيد، من دون منح الحزب شرعية سياسية إضافية.

أما العبد الله فيرى أن من المبكر الجزم بمسار محدد، لأن مستقبل العلاقة لا تحدده دمشق وبيروت وحدهما، وإنما يرتبط أيضًا بالتوازنات الإقليمية.

وأشار إلى أن التدخل العسكري السوري أصبح أقل ترجيحًا في المرحلة المقبلة، مقابل استمرار الضغوط السياسية والمفاوضات غير المباشرة، مع احتمال الوصول إلى تنازلات متبادلة، خاصة في ظل تراجع هامش حركة “حزب الله” مقارنة بالسنوات الماضية.

وبين رسائل الانفتاح السياسي والتنسيق الأمني المتصاعد والضغوط الإقليمية المتشابكة، تبدو العلاقة بين دمشق و”حزب الله” مقبلة على مرحلة جديدة عنوانها إدارة الخلاف أكثر من حسمه، مع بقاء الحوار خيارًا مطروحًا، لكن ضمن حسابات داخلية وإقليمية معقدة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة