
من مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الطاقة السورية ومجموعة "UCC" الدولية لتطوير قطاع الطاقة السوري في قصر الشعب بدمشق - 29 أيار 2025 (رئاسة الجمهورية السورية)

من مراسم توقيع مذكرة تفاهم بين وزارة الطاقة السورية ومجموعة "UCC" الدولية لتطوير قطاع الطاقة السوري في قصر الشعب بدمشق - 29 أيار 2025 (رئاسة الجمهورية السورية)
عنب بلدي – وسيم العدوي
في خطوة تحبس أنفاس الأوساط الاقتصادية والسياسية في الشرق الأوسط، كشفت وكالة “بلومبيرغ” مؤخرًا عن ترتيب تحالف بنكي أجنبي، لتأمين قرض ضخم بقيمة سبعة مليارات دولار، بقيادة العملاق الأمريكي “جي بي مورغان تشيس” (JPMorgan Chase) ومشاركة مؤسسات مالية خليجية كبيرة، مثل بنك “قطر الوطني” (QNB) وبنك “أبو ظبي التجاري”.
المثير في تفاصيل الصفقة أن الجهة المقترضة المنفذة للمشاريع ليست سوى مجموعة “باور إنترناشيونال القابضة” القطرية، التابعة للتحالف الذي يقوده معتز ورامز الخياط، هذه الصفقة التي تمّت في سوريا ضمن ظروف غير مفهومة، وآليات استثمار غير معتادة، وتُوجت بقرض لم يسجل على اسم الدولة السورية، وحظي بضمانة مباشرة ومطلقة وغير مشروطة من بنك “قطر الوطني”.
وتفتح هذه الهندسة المالية المعقدة بابًا واسعًا من الأسئلة الصعبة: كيف يقدم بنك أمريكي بحجم “جي بي مورغان” على الدخول في مخاطرة سورية، ولماذا يتحمل بنك “قطر الوطني” المخاطرة كاملة بتقديم الضمانة؟ وكيف تُحسب الفوائد والتدفقات المالية في بلد يعاني من تذبذب الصرف وتدهور الليرة؟
ويقرأ الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور محمود عبد الكريم في ثنايا أوراق هذه الصفقة، موضحًا بالأرقام والحجة والشرح المباشر ما جرى خلف الأبواب المغلقة، وكيف تحولت “المخاطرة السورية” على الورق إلى عملية ائتمانية خليجية ذات غطاء قانوني غربي محكم.
“جي بي مورغان تشيس”:
- أكبر بنك في الولايات المتحدة الأمريكية، وإحدى أقدم وأكبر مؤسسات الخدمات المالية متعددة الجنسيات في العالم.
- بحسب بيانات 2026، يقترب إجمالي الأصول (رأس المال والملاءة المالية) من حاجز 4.9 تريليون دولار أمريكي.
- نسبة كفاية رأس المال (Tier 1) مستقرة عند 15.10%.
- يمتلك البنك مصدات مالية وأصولًا سائلة بقيمة 572 مليار دولار لمواجهة أي أزمات مفاجئة في الأسواق.
- تُجمع وكالات التصنيف العالمية على وضع البنك في فئة الدرجة الاستثمارية العالية والجدارة الائتمانية الممتازة (A1).
“جي بي مورغان” يمنح قرضًا لمجموعة “باور إنترناشيونال” القطرية القابضة، التي تأسست عام 2011 في دولة قطر على يد الأخوين الخياط.
الهدف: تنفيذ برنامج ضخم في سوريا تتجاوز قيمته سبعة مليارات دولار لتوليد الكهرباء (سعة 5,000 ميغاواط) عبر عقد وقعته شركة “UCC” القابضة التابعة للمجموعة.
المشروع يتضمن:
بناء أربع محطات توليد كهرباء تعمل بالغاز ذات دورة مركّبة لإنتاج 4,000 ميغاواط، موزعة على مواقع: تريفاوي، زيزون، دير الزور، محردة.
إنشاء محطة طاقة شمسية ضخمة في جنوبي سوريا لإنتاج 1,000 ميغاواط.
يستهل الدكتور محمود عبد الكريم حديثه بتفكيك الأرقام الفنية لتسعير الفائدة على القرض الأمريكي قائلًا، إنه يرى أن التسعيرة تعكس تصنيف الضامن بالدرجة الأولى بنسبة يقدّرها بنحو 70%، بينما الـ30% الباقية هي علاوة على تعقيد البيئة السورية وإجراءاتها، لا على احتمال التعثر المالي.
ولفهم الرقم، أوضح عبد الكريم أن القرض مسعر بفائدة 3.7% فوق السعر المرجعي للدولار (SOFR)، وهو السعر الفعلي الذي تقترض به البنوك في أمريكا، والمقسّم حاليًا عند نحو 3.66%.
وبالأرقام المطلقة المقسطة على مبلغ سبعة مليارات دولار (مبلغ القرض):
ولماذا يُعتبر سعر الفائدة خاصًا بـ”الضامن” وليس بـ”المقترض”، يشرح عبد الكريم بأن بنك “قطر الوطني” يحمل تصنيفًا ائتمانيًا ممتازًا، وفي الأحوال الطبيعية يقترض بفائدة تزيد بمقدار 0.90% إلى 1.20% فوق السعر المرجعي، وذلك لا يعكس إطلاقًا مخاطر دولة خارجة من الحرب.
وأضاف أنه لو كان التسعير مبنيًا على المخاطر المباشرة في الأسواق السورية (وسوريا بلا تصنيف سيادي أصلًا)، لكنا أمام فائدة تتراوح بين 9 و15%، فالأرجح في هذه الحالة أن الصفقة لم تكن لتُمول مطلقًا من قبل بنك “جي بي مورغان”.
وبالتالي فإن الفارق بين سعري الفائدة 3.70% و15% هو ثمن الضمانة القطرية، وترجمته النقدية أنها وفرت على المشروع نحو 580 مليون دولار سنويًا، أي ما يقارب ثلاثة مليارات دولار طوال فترة القرض، أي أن السوق الأمريكية لم تسعر سوريا إطلاقًا، بل سعرت بنك “قطر الوطني”، وأضافت علاوة بسيطة على الإزعاج التشغيلي والامتثال الرقابي.
حول سبب تقديم بنك “قطر الوطني” للضمانة بدلاً من مجموعة “باور إنترناشيونال” المنفذة، قال الدكتور محمود عبد الكريم، إن مجموعة “باور”، على قوتها وحجمها، هي شركة عائلية خاصة بلا تصنيف ائتماني دولي، وبلا ديون متداولة في الأسواق، وبلا قوائم مالية مدققة ومتاحة للعلن، و”لا يوجد بنك عالمي يقرض سبعة مليارات دولار لشركة بهذه المواصفات مهما كانت سمعتها”.
وكشف عبد الكريم عن البعد التنظيمي للحسابات البنكية (أي ما يُعرف بوزن المخاطر):
وبالأرقام النقدية: لو أقرض البنك سبعة مليارات لشركة غير مصنفة، سيتوجب عليه تجميد نحو 600 مليون دولار من رأسماله الخاص كاحتياطي أمان، أما بوجود الضمانة المصرفية، فينخفض المبلغ المجمد إلى 120 حتى 180 مليون دولار فقط كحد أعلى، فالضمانة وفرت على البنوك المقرضة بين 70% و80% من رأس المال المحتجز.
وتابع الخبير المالي أن من يقرأ العناوين يظن أن ثلاثة بنوك تقاسمت المخاطرة السورية، ولكن الحقيقة أن بنك “قطر الوطني” وحده يحمل المخاطرة بنسبة 100% عبر ضمانته المطلقة، بينما يقتصر دور “جي بي مورغان” وبنك “أبو ظبي التجاري” على توفير السيولة وجني عائد مرتفع مقابل مخاطرة قطريّة منخفضة جدًا.
لا يعتقد الدكتور عبد الكريم أن القرض سيمر عبر مصرف سوريا المركزي، ويرى أن سوريا ليست طرفًا في هذا العقد قانونيًا، فالمقترض شركة قطرية، والضامن بنك قطري، والقانون الحاكم على الأرجح هو القانون الإنجليزي والتحكيم في لندن أو دبي، وسوريا غير مذكورة في أي من هذه الخانات القانونية.
وفيما يخص تحويلات الدولار عبر الفيدرالي الأمريكي، أوضح أن كل دولار في العالم يمر تقنيًا عبر بنك مراسل في نيويورك لعمليات المقاصة الآلية، لكن هذا لا يعني إشراك مصرف سوريا المركزي ولا حسابه لدى الفيدرالي، ولا يعطي دمشق أي دور أو سيطرة على مسار الأموال.
وعن كيفية صياغة الضمانات بين الأطراف في القرض الأمريكي يشرحها الدكتور عبد الكريم كالتالي:
– بين البنك المقرض والضامن: ورقة ضمانة مصرفية غير مشروطة واجبة الدفع عند أول طلب، يرسل البنك مطالبة فيدفع الضامن خلال أيام دون الاستناد إلى محاكم أو أصول في سوريا.
– بين الضامن والمجموعة القطرية: حزمة رهون داخلية شائعة، تشمل رهن أسهم الشركة المنفذة، وتحويل الإيرادات مباشرة للبنك، وحسابات تحصيل خارجية، وحسابًا احتياطيًا يُجمد فيه ما يكفي لسداد أقساط 6 إلى 12 شهرًا مقدمًا.
وأضاف الخبير ذاته أن الصفقة صُمّمت عمدًا بحيث تبقى سوريا خارج كل خانة قانونية ومالية فيها، لحماية التمويل من التعقيدات السيادية أو الرقابية، وسوريا هنا هي مجرد موقع لتنفيذ المشروع.
حول كيفية تسييل الضمانات في حال حدث تعثر تشغيلي داخل سوريا، بيّن عبد الكريم أن البنوك لا تذهب إلى سوريا، بل تطالب بنك “قطر الوطني” فيدفع فورًا بالدولار، أما التعقيد القانوني فينتقل كاملًا إلى البنك القطري للاسترداد من الأصول داخل سوريا، وهنا توجد ثلاث عقبات تتمثل بـ:
آثار القرض الأمريكي للشركة القطرية على سوريا:
على الدولة السورية: التحدي يكمن في الالتزامات السنوية لشراء الطاقة (نحو 1.8 مليار دولار)، والتي تشكل عبئًا تراكميًا على الخزينة.
على المواطن: تحسن فني كبير يتجلى في رفع ساعات التغذية الكهربائية وتوفير آلاف فرص العمل، لكن في المقابل ستكون الحكومة مضطرة لرفع تعرفة الكهرباء لتصل إلى ما بين 850 و1300 ليرة لكيلوواط/ساعي لتغطية التكلفة الحقيقية.
د. محمود عبد الكريم
خبير اقتصادي ومالي سوري
أما عن مسار الأموال وحصص البنوك، يعددها عبد الكريم:
وعن تقسيم الحصص، أوضح الخبير السوري أن القرض المشترك سيمر بمرحلتين:
واختتم الدكتور عبد الكريم قراءته للأثر النهائي للقرض الأمريكي:
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى