ما هو التكويع؟

tag icon ع ع ع

خطيب بدلة

لم تكن فكرة التكويع، أو تغيير المواقف، شائعة خلال وجود بشار الأسد في السلطة، كان الوضع ثابتًا على نحو يثير الاشمئزاز، وضع يوحي بأن التخلص من هذا النظام المستبد، المجرم، الموغل في القتل، ضرب من المستحيل. الأمر الوحيد، الذي كان ممكنًا، في تلك السنوات العصيبة، أن ينجو الإنسان بجلده، وحينما يصبح في مكان آمن، يعلن انشقاقه عن النظام، أو يجلس في دولة بعيدة، بدون شوشرة.

يمكننا القول، هنا، إن ظاهرة التكويع، بدأت تظهر بوضوح، وقوة، بعد الثامن من كانون الأول 2024، فالجماعة التي وصلت إلى السلطة، كانت مفاجئة، أي أن وصولها كان بعيدًا عن التخيل، وكان قسم كبير من الثوار يناصبونها العداء، ويسبون على أميرها، الجولاني، بالاسم، ويصفونه بأسوأ الصفات، وهؤلاء وجدوا أنفسهم في وضع لا يحسدون عليه، فهذا التحول الكبير في السلطة، جعل لعابهم يسيل، فصحيح أن سوريا أصبحت منهكة، وأن قسمًا لا بأس به من أبنيتها مهدم، ولكن فيها الكثير من الأموال، والمناصب، والمكاسب، وسرعان ما فرمل هؤلاء الأشخاص، بقوة، و”لفوا الكوع”، وصاروا يتقدمون من أمير “النصرة” على استحياء، فلما وجدوه مرحّبًا بهم، تهافتوا، وصاروا يتبارون في مديحه، فلم يتركوا مصطلحًا سياسيًا جميلًا إلا واستخدموه: براغماتي، ومحنك، وجذاب، وله سحر، لا يستطيع حتى مبعوثو الدول الغربية أن يفلتوا منه!

لو أن هذه الأمور حصلت، في عصر سابق، أي قبل اختراع محركات البحث، والمنصات التي تحتفظ بالأحاديث المصورة، لتمكن هؤلاء من تكذيب أي ادعاء بأنهم كانوا يسبونه، والطريف في الأمر أن الناشطين على وسائل التواصل لم يتوقفوا عن عرض الفيديوهات التي كان هؤلاء المكوعون يكيلون فيها الهجاء للشخص نفسه الذي يمدحونه اليوم، وكان ثمة نوع آخر من المكوعين، يفوق هذا النوع في الطرافة والغرابة، وهو الأشخاص الذين كانوا يمدحون بشار الأسد، ويسبون على معارضيه، ولا ينسون، في معرض مديحهم للأسد، أن يترحموا على والده، ويتبلضموا بالعبارة الشهيرة “هذا الشبل من ذاك الأسد”، أو يزعموا أن بشار الأسد خريج المدرسة النضالية التي أسسها حافظ.

لعل أفضل وصف أُطلق على هذا النوع من الأشخاص، الذين حملوا لقب المكوعين، أنهم يشبهون أمواج البحر، ففي الأشهر الأولى لسقوط الأسد، ووصول “هيئة تحرير الشام” للسلطة، ارتفع موج التكويع ارتفاعًا هائلًا، لأن الأمل في الحصول على المكاسب لقاء المديح كان على أشده، ولكن أمل القسم الأكبر منهم خاب، مع الزمن، فراحوا يتلجلجون، ويتحدثون عن أخطاء، وتجاوزات، ووجود جماعات منفلتة، وارتكابات، وأحيانًا جرائم.

ويبدو أن أنظار الإخوة المكوعين، الذين يعيشون في الخارج، اتجهت إلى السلك الدبلوماسي، حصرًا، فالواحد منهم لا يمكن أن يترك العز والأمان والحرية التي يتمتع بها في البلاد العلمانية الديمقراطية، ويأتي ليعيش في سوريا، وتعيينه بوظيفة سفير، أو قائم بالأعمال، في الدولة التي يقيم فيها، يعني أن طائر السعد غرد له بعدد من اللغات، ولكن، عندما ضعف الأمل في الحصول على شيء من هذا، صاروا يتحدثون عن الفساد، وربما عن السرقة، والاختلاس. فتأمل.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة