3500 سوري معتقل.. زيارة قضائية إلى دمشق تفتح أبواب سجون العراق

camera iconوزير العدل السوري يستقبل رئيس مجلس القضاء العراقي في دمشق – 13 آب 2026 (الإخبارية السورية)

tag icon ع ع ع

عاد ملف السوريين المرحّلين من سجون شمال شرقي سوريا إلى العراق إلى واجهة المشهد، بالتزامن مع زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي، القاضي فائق زيدان، إلى دمشق، الخميس 13 من آب، ولقائه مسؤولين سوريين، في مقدمتهم وزير العدل مظهر الويس.

وتكتسب الزيارة أهمية خاصة بالنسبة إلى عائلات المعتقلين السوريين في العراق، في وقت تتواصل فيه مطالبات بالكشف عن مصير أبنائهم، وإعادة من لا تثبت بحقهم تهم جنائية إلى سوريا، حيث يمكن أن يمثلوا أمام القضاء السوري وفق إجراءات قانونية واضحة.

ووصل زيدان إلى مطار دمشق الدولي على رأس وفد عراقي، وكان في استقباله وزير العدل مظهر الويس ومستشار الشؤون العربية في وزارة الخارجية والمغتربين محمد طه الأحمد.

وقالت وكالة الأنباء العراقية (واع) إن الزيارة تهدف إلى بحث عدد من الملفات المشتركة، أبرزها “ملف معتقلي تنظيم “الدولة الإسلامية” الذين نُقلوا إلى السجون العراقية”.

وبحث الويس مع زيدان التعاون القضائي والقانوني بين البلدين، وقال إن العلاقات السورية-العراقية شهدت خلال الفترة الماضية تطورًا في عدد من المجالات، ولا سيما الاقتصادية والأمنية، معربًا عن تطلع دمشق إلى تطوير قنوات التواصل والتنسيق بين مؤسسات العدالة في البلدين.

وتأتي الزيارة في سياق أوسع من التقارب السوري- العراقي، إذ كان وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني التقى نظيره العراقي فؤاد حسين في دمشق في 29 حزيران الماضي، واتفق الجانبان على تشكيل لجنة عليا للتنسيق المشترك برئاسة وزيري الخارجية لمتابعة ملفات التعاون بين البلدين.

لكن البعد القضائي للزيارة الحالية يضع قضية المعتقلين المرحّلين إلى العراق في مقدمة الملفات التي تترقب عائلات سورية نتائجها، خصوصًا أن أعداد السوريين المنقولين تشكل النسبة الأكبر بين المعتقلين الذين نقلوا من سجون شمال شرقي سوريا إلى العراق.

أكثر من 3500 سوري في السجون العراقية

بدأت الولايات المتحدة، في 21 كانون الثاني 2026، عملية نقل معتقلين متهمين بالانتماء إلى تنظيم “الدولة الإسلامية” من مرافق احتجاز في شمال شرقي سوريا إلى العراق، في ظل التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها المنطقة.

وفي 13 شباط، أعلن المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي في العراق أن عدد من نقلوا من السجون السورية بلغ 5704 متهمين، ينتمون إلى 61 دولة، بينهم 3543 سوريًا، و467 عراقيًا، إضافة إلى 983 أجنبيًا غير عربي، فيما بلغ عدد المعتقلين العرب من مختلف الجنسيات 4253 شخصًا.

وبحسب الإعلان العراقي، باشرت محكمة تحقيق الكرخ الأولى المختصة بقضايا الإرهاب إجراءات الاستجواب بحق المعتقلين فور وصولهم إلى العراق، فيما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية “سنتكوم” إتمام عملية نقل أكثر من 5700 معتقل من مرافق الاحتجاز في سوريا إلى العراق.

وتقول السلطات العراقية إن المنقولين متهمون بالانتماء إلى تنظيم “الدولة”، وهو ما يضعهم أمام إجراءات قضائية عراقية. لكن رواية أخرى تتبناها عائلات عدد من السوريين المرحّلين، وتقول إن أبناءها لم يكونوا من عناصر التنظيم، وإن بعض الاعتقالات جرت بصورة عشوائية أو استنادًا إلى شبهات لم تستكمل بشأنها إجراءات قضائية واضحة.

ويتركز جزء من هذه المطالبات في مناطق من ريف الحسكة، ولا سيما الهول وتل براك، حيث شهدت الفترة الماضية احتجاجات واعتصامات لأهالي المعتقلين، طالب المشاركون فيها بالكشف عن مصير أبنائهم، وتحديد أماكن وجودهم، وإتاحة التواصل معهم، وإعادتهم إلى سوريا.

وبالنسبة إلى الأهالي، لا يتعلق الملف فقط بمكان احتجاز أبنائهم، وإنما أيضًا بطبيعة التهم الموجهة إليهم، والجهة التي ينبغي أن تتولى محاكمتهم، ومدى توافر ضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.

عائلات تنتظر أسماء المرحّلين

يقول الصحفي إبراهيم الحلبي لعنب بلدي إن اتصالات ذوي المعتقلين به ازدادت بالتزامن مع وصول رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى دمشق، إذ يأمل الأهالي أن تفضي الزيارة إلى نتيجة تتعلق بمصير أبنائهم.

وبحسب الحلبي، فإن مطالب الأهالي تتركز في الحصول على قائمة اسمية بالسوريين الذين نقلوا إلى العراق، والكشف عن مصير الأشخاص الذين لا تتوافر معلومات دقيقة عن أماكن وجودهم، ثم إعادة من لا تثبت بحقهم تهم إلى سوريا وإحالتهم إلى القضاء السوري.

ويرى الحلبي أن جزءًا من المشكلة يتمثل في عدم وضوح الأساس الذي جرى على أساسه توقيف بعض السوريين، مشيرًا إلى أن عائلات تواصلت معه تقول إن أبناءها اعتُقلوا على خلفيات مختلفة لا ترتبط بالضرورة بالانتماء إلى تنظيم “الدولة”.

ويذكر من بين الحالات التي أشار إليها اعتقال أشخاص بسبب رفع أعلام مرتبطة بالثورة السورية، أو رفع صور الرئيس السوري أحمد الشرع، أو بسبب صلات أو تواصل مع شخصيات في تركيا أو في مناطق شمالي سوريا، إضافة إلى أشخاص لهم أقارب في الجيش الوطني السوري أو فصائل المعارضة السورية.

كما يشير إلى أن بعض الاعتقالات، بحسب روايات الأهالي، تمت بصورة عشوائية خلال حملات أمنية في مناطق من ريف دير الزور والحسكة والرقة، وأن بين المرحّلين أشخاصًا كانوا قاصرين عند اعتقالهم، قبل أن يتجاوز بعضهم سن الثامنة عشرة خلال سنوات احتجازهم.

ويقول الحلبي إن الأهالي لا يطالبون بإطلاق سراح جميع المعتقلين بصورة تلقائية، وإنما يريدون أولًا معرفة مصيرهم، ثم إعادة الملف إلى القضاء السوري، بحيث يُطلق سراح من لا تثبت عليه تهمة، ويحاكم من تثبت بحقه أفعال جرمية وفق إجراءات قانونية.

ويضيف أن مطلب إعادة السوريين إلى بلادهم يرتبط، من وجهة نظر الأهالي، بمسألة السيادة السورية، إذ يرون أن محاكمة مواطنين سوريين في دولة أخرى، عن أفعال يُفترض أنها وقعت في سوريا، تثير إشكالات قانونية وسيادية تستدعي المعالجة.

دمشق تتحدث عن إعادة قسم من المرحّلين

في مقابل مطالب الأهالي، بدأت السلطات السورية خلال الأشهر الماضية العمل على ملف المرحّلين إلى العراق، بالتوازي مع تنفيذ الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” في 29 كانون الثاني.

وقال نائب محافظ الحسكة والمتحدث باسم الفريق الرئاسي المشرف على تنفيذ الاتفاق، أحمد الهلالي، في تصريح سابق لعنب بلدي، إن جهاز الاستخبارات العامة يتابع بالتنسيق مع وزارة الخارجية ملف السوريين المرحّلين إلى العراق.

وأوضح الهلالي أن العمل يجري لاستقبال دفعة من السوريين المرحّلين بعد دراسة ملفاتهم وتهيئة البيئة القانونية اللازمة، بما يسمح بفرز الحالات بين من تثبت بحقهم اتهامات فعلية وبين من تعرضوا للاعتقال بصورة تعسفية.

ووصف الهلالي الملف بأنه “معقد ومتداخل أمنيًا وقانونيًا وإنسانيًا”، وهو ما يعكس تعدد الأطراف المعنية به، بدءًا من الجهات التي أدارت مرافق الاحتجاز في شمال شرقي سوريا، مرورًا بالتحالف الدولي الذي نفذ عمليات النقل، وصولًا إلى السلطات العراقية التي تتولى حاليًا احتجاز المرحّلين والتحقيق معهم.

إشكالية المحاكمة خارج سوريا

لا يتوقف الجدل حول المرحّلين إلى العراق عند مسألة ظروف الاعتقال، بل يمتد إلى الجهة التي تملك الاختصاص في محاكمتهم.

ويرى المحامي محمد النايف، في حديث لعنب بلدي، أن محاكمة أشخاص خارج الدولة التي ارتكبت فيها الأفعال المنسوبة إليهم تثير إشكالات في مسار العدالة، معتبرًا أن الأصل هو محاكمة المتهمين ضمن أطر قضائية وطنية، مع توفير حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة.

ويشير النايف إلى أن وجود قاصرين بين المعتقلين عند توقيفهم يزيد من تعقيد الملف، إذ تفرض صفة القاصر عند ارتكاب الفعل أو توقيف الشخص اعتبارات قانونية خاصة، بينما أمضى بعض هؤلاء سنوات في الاحتجاز قبل نقلهم إلى العراق.

كما يلفت إلى أن وجود شبهات حول ظروف اعتقال بعض الأشخاص يستوجب مراجعة ملفاتهم بصورة منفصلة، بدل وضع جميع المرحّلين ضمن تصنيف واحد باعتبارهم منتمين إلى تنظيم “الدولة”.

وبحسب النايف، فإن معالجة الملف تبدأ بالكشف عن الأسماء والتهم والملفات القضائية، ثم تحديد المسؤولية الفردية لكل شخص، وصولًا إلى إعادة من لا تثبت بحقه تهمة إلى سوريا، وإحالة من تتوافر أدلة على ارتكابه جرائم إلى القضاء المختص.

تحذيرات من مخاطر الاحتجاز في العراق

أثارت عملية نقل المعتقلين من سوريا إلى العراق كذلك مخاوف منظمات حقوقية دولية.

وقالت منظمة “هيومن رايتس ووتش”، في 17 شباط الماضي، إن نقل نحو 5700 معتقل متهمين بالانتماء إلى تنظيم “الدولة” من شمال شرقي سوريا إلى العراق يعرّضهم لخطر الإخفاء القسري والمحاكمات الجائرة والتعذيب وسوء المعاملة وانتهاكات الحق في الحياة.

واعتبرت المنظمة أن المعتقلين احتُجزوا لسنوات دون مراعاة كافية للإجراءات القانونية الواجبة، قبل نقلهم إلى دولة أخرى، محذرة من أن أي محاكمات لهم ينبغي أن تلتزم بالمعايير القانونية وضمانات المحاكمة العادلة.

ولا تعني هذه التحذيرات أن جميع المعتقلين غير متورطين في جرائم، كما لا تنفي حق السلطات العراقية في التحقيق مع المتهمين بارتكاب جرائم مرتبطة بتنظيم “الدولة”، لكنها تضع مسألة الإجراءات المتبعة وحقوق المتهمين في صلب القضية.

وتبدو هذه النقطة أساسية بالنسبة إلى عائلات السوريين المرحّلين، التي تطالب بعدم التعامل مع جميع المعتقلين على أنهم كتلة واحدة، بل بالنظر في ملف كل شخص بصورة مستقلة.

ملف ينتظر مخرجات الزيارة

تأتي زيارة فائق زيدان إلى دمشق في لحظة تتداخل فيها ملفات أمنية وقضائية وسيادية بين سوريا والعراق. وبينما تقول بغداد إن الزيارة تبحث، من بين ملفات أخرى، قضية معتقلي تنظيم “الدولة” المنقولين إلى السجون العراقية، تتطلع عائلات سورية إلى أن تفتح الزيارة بابًا لمعالجة وضع أبنائها، ولا سيما الذين لا يعرف ذووهم أماكن احتجازهم أو التهم الموجهة إليهم.

وبالنسبة إلى الأهالي، تبقى الأولوية في الوقت الحالي الحصول على معلومات موثوقة عن أبنائهم، وإعلان قوائم المرحّلين، وتحديد التهم الموجهة إلى كل شخص، وضمان حقه في الدفاع والمحاكمة العادلة، ثم إعادة السوريين الذين لا تثبت إدانتهم إلى بلدهم.

وبينما لا تزال نتائج زيارة رئيس مجلس القضاء الأعلى العراقي إلى دمشق غير معلنة بصورة تفصيلية، فإن طرح ملف المعتقلين ضمن أجندة الزيارة يفتح الباب أمام إمكانية انتقال القضية من نطاق المطالب الشعبية والحقوقية إلى مستوى التنسيق القضائي الرسمي بين البلدين.

وفي ظل استمرار عائلات المرحّلين في المطالبة بالكشف عن مصير أبنائها، يبقى الاختبار الأساسي لأي تفاهم سوري-عراقي مقبل هو مدى قدرته على تقديم إجابات واضحة عن أسماء المحتجزين، والتهم الموجهة إليهم، ومصير من لا تثبت صلته بتنظيم “الدولة”، وآلية إعادتهم إلى سوريا ومحاكمتهم وفق إجراءات تضمن حقوقهم القانونية.




×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة