
التحدي الجوهري للتربية الحديثة لا يكمن في تأهيل الأطفال تقنيًا بل في بناء مرونتهم العاطفية وتعزيز قدراتهم على التفاعل الوجداني والتعاطف مع الآخرين (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

التحدي الجوهري للتربية الحديثة لا يكمن في تأهيل الأطفال تقنيًا بل في بناء مرونتهم العاطفية وتعزيز قدراتهم على التفاعل الوجداني والتعاطف مع الآخرين (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)
عنب بلدي – شعبان شاميه
في مشهد يتكرر يوميًا داخل بيوتنا، يجلس طفل صغير يتابع عبر هاتفه حادثًا مروعًا أو مقطع عنف قاسٍ.
الصادم هنا أنه لا يبكي ولا يخاف، بل قد يضحك أو يعيد تشغيل المقطع ببرود تام، وهذا السلوك لم يعد حالة فردية، بل تحول إلى ظاهرة حقيقية تجعلنا نتساءل: هل يفقد جيل الشاشات تعاطفه الفطري؟
تُعرف هذه الظاهرة في علم النفس الاجتماعي وعلم الأعصاب باسم “التبلد الانفعالي”، وهي تعني أن يفقد الطفل إحساسه بالصدمة أو الحزن تجاه المشاهد المؤلمة بالتدريج، والسبب في ذلك هو اعتياد العين رؤية الدمار والاعتداءات يوميًا، سواء عبر ألعاب الفيديو أو مقاطع “التيك توك” أو الأفلام.
في هذا السياق، تشرح استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس الأبعاد العلمية لهذه الظاهرة، بأن التعرض المستمر للعنف يقلل بشكل مباشر من نشاط المناطق الدماغية المسؤولة عن معالجة المشاعر والتعاطف.
وقالت العرنوس في حديث إلى عنب بلدي، إن هذا الاعتياد الرقمي يخفف من الاستجابة الفسيولوجية الطبيعية للجسم عند رؤية شخص يتألم.
وبعبارة أبسط، فإن الدماغ مع الوقت يعتاد هذه القسوة، فيتوقف عن التعامل مع مشاهد العنف بوصفها أحداثًا استثنائية أو صادمة، وهو ما تثبته بدقة دراسات التصوير العصبي الحديثة.
كما تبيّن مراجعات علمية، من أبرزها أبحاث كريغ أندرسون وبراد بوشمان، أن التعرض المزمن للعنف الإعلامي يرتبط بانخفاض التعاطف، وارتفاع تقبل السلوك العدواني، وزيادة الميل إلى تفسير العنف على أنه وسيلة طبيعية لحل المشكلات.
ومع ذلك، تؤكد هذه الدراسات أن الأمر يتعلق بزيادة عوامل الخطورة، وليس بأن كل طفل يشاهد هذا المحتوى سيصبح عدوانيًا.
لفتت الاستشارية إلى أن خطورة ألعاب الفيديو العنيفة تكمن في طبيعتها التفاعلية، ففي عالم الألعاب، لا يكتفي الطفل بدور متلقٍّ سلبي، بل يتحول إلى مشارك رئيس في تنفيذ السلوك العنيف، فهو من يختار الهدف، ويخطط للهجوم، ويكافأ بالانتقال إلى مستويات أعلى كلما نجح في القضاء على خصمه.
من منظور علم النفس السلوكي، أوضحت العرنوس أن اقتران العنف بالمكافأة يعد من أقوى أساليب التعلم والبرمجة السلوكية.
ومع التكرار اليومي، يعتاد الطفل ربط القوة والنجاح بممارسة العنف، خاصة إذا كان هذا النشاط يستهلك ساعات طويلة من يومه، في ظل غياب تام للأنشطة الاجتماعية والإنسانية البديلة التي تنمّي مشاعر التعاطف لديه.
وردًا على تساؤل يطرحه كثيرون حول سبب عدم تحول ملايين الأطفال الذين يمارسون هذه الألعاب إلى عدوانيين، أرجعت الاستشارية ذلك إلى أن السلوك الإنساني لا يتحدد بعامل واحد، فشخصية الطفل تتشكل من خلال منظومة متكاملة تشمل الجينات الوراثية ونمط التربية والعلاقة مع الوالدين، إلى جانب البيئة المدرسية والصحة النفسية، وصولًا إلى طبيعة المحتوى الرقمي.
لذلك، لا يمكن تحميل الألعاب وحدها مسؤولية السلوك العدواني، بل عزت العرنوس خطورتها إلى كونها عاملًا يحفّز ظهور العدوانية ويزيد من احتمالية تفاقمها إذا اجتمعت مع ظروف أخرى، مثل الإهمال العاطفي وغياب الحوار الأسري، أو التعرض الفعلي للعنف داخل المنزل أو المدرسة.
أما بالنسبة لمقاطع الحوادث والجرائم المنتشرة على منصات التواصل الاجتماعي، فترى استشارية علم النفس الأسري أنها قد تفوق الألعاب خطورة أحيانًا، والسبب أنها تعرض مواقف حقيقية من الواقع، وغالبًا ما تُقدّم في إطار ساخر أو كأداة لجمع المشاهدات والتفاعل.
ومع تكرار المتابعة، يتعلم الطفل تدريجيًا أن الألم الإنساني مجرد مادة للترفيه أو وسيلة سريعة لتحقيق الشهرة، بدلًا من اعتباره مواقف تستدعي الشفقة والتعاطف والمساعدة.
وفي علم النفس الاجتماعي، يُطلق على هذه الحالة “التطبيع الاجتماعي”، وتعني أن السلوك الصادم يصبح عاديًا ومقبولًا لمجرد أنه يتكرر أمام الفرد باستمرار، مما يفقده حساسيته تجاهه تمامًا.
لمساعدة الأهل على التمييز بين الفضول الطبيعي لدى الطفل وبداية فقدانه للتعاطف، تفرّق العرنوس بين الأمرين، إذ ترى أن الفضول ركيزة أساسية لنمو الطفل واستكشافه للعالم.
بينما تكمن المؤشرات المقلقة في سلوكيات محددة، كالضحك على معاناة الآخرين، أو السخرية من الضحايا، أو الشغف المستمر بمطالعة المحتوى الصادم، فضلًا عن غياب مشاعر الندم عند إيذاء الأقران والاستخفاف بظاهرة التنمر.
وأشارت إلى أن هذه العلامات لا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، بل هي جرس إنذار يتطلب تدخلًا تربويًا عاجلًا، لأن التعاطف مهارة إنسانية بحاجة إلى رعاية وتوجيه دائمين.
حول آلية إعادة إحياء التعاطف لدى الأطفال، أكدت الاستشارية أن التعاطف ليس مجرد سمة فطرية جامدة، بل مهارة مرنة قابلة للترميم وإعادة التنشيط، واصفة إياها بـ”الذكاء الوجداني المحرك للسلوك الإنساني”.
ودعت العرنوس أولياء الأمور إلى ضرورة سحب البساط من الشاشات الرقمية التي باتت تستنزف وعي الجيل الناشئ، لافتة إلى أهمية تحويل المشاهدة السلبية إلى حوار تفاعلي يسأل فيه الوالدان طفلهما عن مشاعر الشخصيات وكيفية التصرف بإنسانية.
كما شددت على أن المنزل هو المدرسة الأولى للقيم، مفسرة ذلك بأن الطفل يتعلم بالتناضح السلوكي والقدوة اليومية، فحين يشاهد والديه يمارسان الاحترام المتبادل، ويمتلكان شجاعة الاعتذار، ويمدان يد العون للمحتاجين، تتبرمج هذه السلوكيات لديه تلقائيًا كجزء من روتينه الأخلاقي.
وأوصت الاستشارية الأسر بالاستثمار في المطالعة الوجدانية من خلال قراءة القصص الإنسانية التي تدرب الطفل على تقمص أدوار الآخرين وفهم معاناتهم، بالتوازي مع تشجيعه الدائم على تسمية مشاعره الخاصة والتعبير عنها بحرية كاملة لتطوير ذكائه الانفعالي.
وختمت العرنوس حديثها بالدعوة إلى الدمج الميداني والانغماس الواقعي للأطفال، عبر إشراكهم في أعمال تطوعية تلائم فئاتهم العمرية، وتمديد ساعات التواصل البشري على حساب العزلة الافتراضية، معتبرة أن هذه الخطوات العملية كفيلة بإعادة تنشيط دوائر التعاطف في دماغ الطفل وبناء شخصية متزنة وقادرة على العطاء.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى