“بنات نعش”.. الحب والثأر في حكايات البادية
في فضاء البادية الممتد بين الفرات والعراق ونجد، تتحرك رواية “بنات نعش” للكاتبة السورية لينا هويان الحسن، خلف سيرة سعدون الأبهر، الرجل الذي عرفته الصحراء صيادًا للوحوش وعاش متنقلًا بين القبائل والمدن، حاملًا معه عالمًا من الحكايات والعادات والثأر والحب.
سعدون ابن لعالم كانت فيه القبيلة تحدد جانبًا كبيرًا من حياة الفرد، وكان الصيد مصدرًا للعيش ومقياسًا للمهارة والمكانة، حيث يطارد الوحوش في البراري، ويجمع جلودها ويبيعها، وتدفعه رحلاته إلى أماكن مختلفة من البادية إلى دمشق وبغداد وبيروت، فيتعرف إلى عالم المدن من دون أن ينفصل عن الصحراء التي صنعت شخصيته.
ومع انتقاله بين هذه الأمكنة، تتقاطع حياته مع حكايات مختلفة، أبرزها علاقته بماران، ابنة الشيخ مدلج، إذ تحبه الأخيرة، لكن زواجها يتحول إلى قرار تتخذه العائلة بعيدًا عن رغبتها، حين تدفعها إلى الارتباط بأمير نجدي، وللخروج من هذا الزواج، تتظاهر ماران بأنها ممسوسة، في محاولة لاستعادة حريتها والعودة إلى الرجل الذي اختارته.
الحيلة لا تنقذ قصة الحب، حيث تموت ماران، ولا يتعامل سعدون مع موتها بوصفه نهاية للعلاقة، فيعود إلى قبرها ويخرج جثتها ويدفنها في مكان آخر لا يعرفه أحد، وكأنه يحاول أن يحتفظ بحكايته معها بعيدًا عن سلطة الآخرين حتى بعد رحيلها.
وتتكرر في الرواية حكايات الحب التي تصطدم بالأعراف والعلاقات العشائرية، لتبدو العلاقات الشخصية جزءًا من نظام اجتماعي أكبر، تتحكم فيه العائلة والقبيلة والمصالح، ولا تترك للأفراد دائمًا فرصة اختيار الطريق الذي يريدونه.
غير أن الحب ليس المحرك الوحيد للشخصيات، فالثأر حاضر أيضًا، ليغدو وكأنه إرث ينتقل من جيل إلى آخر، ومن هنا يأتي عنوان الرواية “بنات نعش”، مستندًا إلى الحكاية الشعبية المرتبطة بمجموعة من النجوم في السماء.
بحسب الأسطورة العربية، قُتل رجل يدعى نعش، فخرجت بناته السبع لملاحقة قاتله، وأصبحن يُعرفن بـ”بنات نعش”، وتستعيد الروائية هذه الحكاية لتضعها إلى جانب عالم الرواية.
تتجاوز الرواية سيرة سعدون الشخصية إلى استحضار مرحلة تاريخية كاملة، إذ تتداخل الحكاية مع إشارات إلى شخصيات وأحداث عرفتها المنطقة، وتتحول بعض المقاطع إلى ما يشبه التوثيق لحياة البادية وتحولاتها.
هذا المزج بين الواقعي والمتخيل هو أحد أبرز سمات الرواية، فالكاتبة لا تتعامل مع شخصياتها باعتبارها أسماء متخيلة بالكامل، وإنما تستند إلى حكايات ومرويات ومصادر مرتبطة بالبادية، قبل أن تعيد بناءها روائيًا.
لينا الحسن
لينا هويان الحسن روائية وكاتبة سورية من بادية حماة، ولدت عام 1977، ودرست الفلسفة في جامعة دمشق.
عملت في الصحافة، واهتمت في جانب كبير من تجربتها الأدبية بعوالم البادية السورية والقبائل والصحراء، وهو ما ظهر في عدد من رواياتها، بينها “معشوقة الشمس” و”التروس القرمزية” و”التفاحة السوداء” و”بنات نعش” و”سلطانات الرمل”.
صدرت “بنات نعش” للمرة الأولى عام 2005، وتُعد من الأعمال التي كرست اهتمام هويان الحسن باستعادة حكايات الصحراء والبادية، من خلال شخصيات تتحرك بين الحكاية الشعبية والتحولات التي طرأت على المنطقة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :