اتفاقية “مكة للدفاع المشترك”.. كيف تنعكس على سوريا؟

وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني يلتقي رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف في العاصمة إسلام آباد - 20 آب 2026 (سانا)

camera iconوزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني يلتقي رئيس وزراء باكستان محمد شهباز شريف في العاصمة إسلام آباد - 20 آب 2026 (سانا)

tag icon ع ع ع

تدرس دمشق إمكانية الانضمام إلى اتفاقية “مكة للدفاع المشترك” الموقعة بين السعودية وتركيا وباكستان، في خطوة تفتح نقاشًا حول موقع سوريا في التحالفات الإقليمية الجديدة، وما قد توفره من مظلة ردع ودعم سياسي وعسكري، مقابل المخاطر التي قد تفرضها على دمشق في ظل التوترات الإقليمية وتعدد الأطراف الفاعلة في الملف السوري.

وتهدف الاتفاقية، وفق بيان مشترك للدول الثلاث نقلته وكالة الأنباء السعودية (واس)، في 7 من آب الحالي، إلى تعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء، وتنص على أن أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث هو هجوم على الجميع، كما تُعنى بتطوير كافة أوجه التعاون الدفاعي بينها.

ولاحقًا، أعلن وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، خلال زيارة رسمية إلى باكستان، في 21 من آب الحالي، أن دمشق تدرس الانضمام إلى الاتفاقية دون أن تتخذ قرارًا نهائيًا، في سياق تحركات دبلوماسية مكثفة شهدتها المنطقة بعد التوقيع.

انضمام دمشق عبء يفوق المنافع

الخبير السياسي والأمني الأردني الدكتور عامر السبايلة، يرى أنه من حق سوريا السيادي، وهي تعيش مرحلة إعادة الترميم ومحاولة بناء منظومتها الوطنية، أن تفكر في كافة الخيارات التي قد تضمن لها الاستقرار والتوازن، وأن تبعث برسائل مفادها أنها ليست كيانًا ضعيفًا يمكن استباحته.

إلا أنه حذّر من أن التلويح بالدخول في هذا التحالف تحديدًا قد يشكل عبئًا كبيرًا على دمشق يفوق منافعه المرجوة، فموضوع الخطر الإسرائيلي والتعامل مع تل أبيب لا يمكن حسمه عبر التلويح بإدخال قوى إقليمية أخرى، لأن الجغرافيا السورية ستظل تدفع ثمن هذه التجاذبات لفترة طويلة.

وشدد السبايلة، في حديث إلى عنب بلدي، على أن قبول النظام السوري عالميًا تم بالفعل بدءًا من واشنطن التي فرضت واقع التعامل معه على الجميع لاحقًا، وبالتالي فإن التعويل على طرف كإسلام آباد لإحداث تغيير في المعادلة السورية هو تعويل قاصر وفي غير محله.

انعكاس إيجابي غير مباشر

بدوره، يرى الأكاديمي والمحلل السياسي محمد علوش أن توقيع اتفاقية “مكة” شكّل يومًا تاريخيًا ومفصليًا في تاريخ المنطقة، وتحولًا سيغير مجرى كثير من الأحداث، واصفًا إياها بأنها بمثابة إعلان “حلف ناتو إسلامي”.

وأوضح علوش أن أثر الاتفاقية على سوريا سيكون في الغالب غير مباشر في المرحلة الحالية، لأن بند الدفاع الجماعي ينطبق على الدول الثلاث الموقعة فقط وليس على سوريا، لكن الأهمية بالنسبة لدمشق تأتي من أن تركيا والسعودية تتفقان بوضوح على دعم وحدة سوريا وسيادتها واستقرار مؤسسات الدولة.

وأشار إلى أن البيان السعودي-التركي المشترك السابق أكد دعم الحكومة السورية والسلم الأهلي ووحدة الأراضي السورية ومواجهة التنظيمات الإرهابية، كما أدان الانتهاكات الإسرائيلية للأراضي السورية وطالب بانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية المحتلة.

وتوقع علوش أن يظهر الأثر الإيجابي على سوريا في ثلاثة اتجاهات رئيسة، أولها زيادة الوزن السياسي والعسكري للدول الداعمة لاستقرار الدولة السورية، والثاني خلق مظلة ردع إقليمية قد تقلل قدرة أطراف خارجية أو جماعات مسلحة على استغلال هشاشة الوضع السوري.

أما الثالث فيتعلق بما إذا تطور التحالف من الدفاع المشترك إلى تنسيق أمني وسياسي أوسع، إذ قد تصبح سوريا جزءًا مهمًا من المجال الأمني الذي تريد هذه الدول استقراره، حتى من دون أن تكون عضوًا رسميًا فيه.

ورجّح علوش أن إسرائيل لن تسمح بدخول سوريا في حلف كهذا، حتى لو كلفها ذلك شن حرب مباشرة على سوريا قبل توقيع مثل تلك الاتفاقية.

ردع إقليمي

حول ما إذا كانت الاتفاقية ستسهم في ردع أي قوى خارجية عن القيام بأعمال عسكرية في المنطقة، وبالتالي حماية سوريا من تداعياتها، يرى علوش أنها يمكن أن تسهم في رفع مستوى الردع الإقليمي، وهو ما قد يفيد سوريا بصورة غير مباشرة، لكنه لا يصل إلى حد توفير حماية عسكرية تلقائية لدمشق.

وقدّر أن أفضل سيناريو لسوريا ليس بالضرورة الانضمام فورًا إلى الاتفاقية، بل الحصول أولًا على ارتباط أمني تدريجي بها يشمل تعاونًا استخباراتيًا وتدريبًا وتسليحًا للجيش السوري ودفاعًا جويًا وضمانات سياسية من تركيا والسعودية، عندها يمكن أن تتحول الاتفاقية عمليًا إلى مظلة ردع حول سوريا حتى قبل عضويتها الرسمية.

وبخصوص إمكانية أن تمتد مظلة الدفاع المشترك لتشمل سوريا الجديدة بشكل رسمي أو غير رسمي، خاصة مع الحديث عن إنشاء قواعد تركية وسط سوريا وتدريب الجيش السوري الجديد، أكد علوش أن هذا ممكن وخصوصًا بصورة غير رسمية في البداية.

وشدد على ضرورة التفريق بين أن تصبح سوريا عضوًا رسميًا في اتفاقية “مكة” وبين أن تحصل عمليًا على جزء من مظلة الردع عبر تركيا، لافتًا إلى أن هناك مؤشرات للتعاون العميق في بناء قدرات الجيش والتدريب وربما التصنيع الدفاعي أيضًا، غير أن مسألة انضمام دول أخرى للاتفاقية تحتاج إلى تفسير من الدول الثلاث، والسيناريوهات مفتوحة على حالات كثيرة ستستفيد سوريا منها.

دعم لموقف دمشق

أما عن إمكانية أن يزيد التحالف بين أنقرة والرياض من قوة موقف سوريا، خاصة وأنهما من الدول التي كانت لها مواقف إيجابية بشأن الملف السوري، فيرى علوش أن التقارب الاستراتيجي بينهما يمكن أن يكون عاملًا مهمًا في تقوية موقف دمشق ودعم استقرارها، وربما كان أثره على سوريا أهم من الجانب العسكري المباشر للتحالف نفسه.

وأوضح أن تركيا والسعودية تملكان أدوات متكاملة إلى حد كبير، فتركيا تمتلك ثقلًا عسكريًا وأمنيًا مباشرًا على الساحة السورية وحدودًا طويلة معها وعلاقة متقدمة مع مؤسسات الدولة السورية الجديدة، بينما السعودية لديها وزن عربي ودولي واقتصادي كبير وقدرة على المساهمة في إعادة الإعمار والاستثمار وإعادة دمج سوريا في محيطها العربي والدولي.

من جانبه، ذهب عامر السبايلة إلى أن العصب الأساسي والعمق الاستراتيجي الحقيقي لسوريا يكمن في الرياض، نظرًا للواقع الجغرافي العربي المتين، ولأن سوريا تُعد شريانًا وحيوية جغرافية مهمة للسعودية للعبور نحو المتوسط ولمستقبل حركة التجارة.

وأضاف أن هناك حاجة لتفكير سوري متوازن في العلاقة مع تركيا، والبحث عن تفاهمات عملية للتعامل مع إسرائيل، بعيدًا عن إقحام طرف كباكستان التي لا يرى في خطوتها أي داعٍ أو قيمة استراتيجية يمكن لدمشق الاعتماد عليها حاليًا أو مستقبلًا.

ولفت السبايلة إلى أن باكستان دولة تعاني أساسًا من أزمات اقتصادية وأمنية داخلية حادة، ورغم وجود رؤية لديها للامتداد نحو سوريا، فإنها تظل مجرد جزء من كل ولا يمكن النظر إليها كمحور أساسي في تثبيت الاستقرار الشامل بالمنطقة.

وفي تقييمه لمدى قدرة إسلام آباد على لعب دور الوسيط أو الممر لدمشق نحو واشنطن والغرب، يرى السبايلة أن هذا الطرح يفتقر إلى الواقعية السياسية، فجسور سوريا مع الغرب تم تمهيدها وتفعيلها بالفعل عبر مواقف الدول الأوروبية والولايات المتحدة نفسها، ودمشق ليست بحاجة لباكستان كجسر للعبور نحو الغرب.

وأكد أن البوابة الحقيقية لترسيخ هذا الانفتاح هي تفعيل موقع سوريا الجغرافي على البحر الأبيض المتوسط كمركز تجاري محوري، والتعاطي المباشر مع القوى الأوروبية والإقليمية المؤثرة وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.

انعكاس بعيد المدى

أما بخصوص ما إذا كان التحالف سيؤدي إلى تعزيز الدور العسكري التركي في سوريا وزيادة قدرة الجيش السوري، فخلُص علوش إلى نتيجة وصفها بأنها “غاية في الأهمية”.

وأوضح أنه إذا أُريد تقدير أثر الاتفاقية على سوريا خلال ثلاث إلى خمس سنوات، فإن النتيجة الأكثر واقعية لم تكن أن تركيا ستدافع عن سوريا باسم التحالف، بل أن الجيش السوري سيُعاد بناؤه تدريجيًا ضمن بيئة أمنية تقود فيها تركيا دورًا كبيرًا وتحظى بدعم سياسي واقتصادي أوسع من الرياض، وبدعم تدريبي من باكستان.

وختم بأنه إذا أُضيف إلى ذلك دفاع جوي سوري-تركي متكامل، فهنا تحديدًا تبدأ موازين الردع حول سوريا بالتغير بصورة ملموسة، مؤكدًا أن السؤال الاستراتيجي الأهم لم يكن فقط هل سيدافع التحالف عن سوريا، وإنما هل ستصبح سوريا جزءًا من المشروع الإقليمي السعودي-التركي للاستقرار، وإذا كانت الإجابة نعم، فهذا قد يكون أهم لسوريا على المدى الطويل من مجرد بند دفاع عسكري مشترك.

عقبات أمام التحالف

عن المحرك الأساسي للتحالف وموقف القوى الدولية منه، أوضح السبايلة أن الدافع الجوهري من وجهة النظر السعودية هو احتواء الخطر الإيراني القادم، سواء أكان مباشرًا من خلال استهداف دول الخليج، أم عبر الميليشيات المسلحة الجاهزة للاستهداف من العراق واليمن، ومن هنا بدأت الرياض ببناء هذا التحالف العسكري مع باكستان كمنظومة ردع شاملة.

أما عن الموقف الأمريكي، فلا يعتقد السبايلة أن لدى واشنطن مشكلة مبدئية مع هذا التحالف، لكن العبرة تكمن في قدرته الحقيقية على الصمود دون مبالغة في حجم دوره، مشيرًا إلى أن المنطقة أمام بداية شكل من أشكال التحالفات الإقليمية، لكنه يواجه عقبات جمّة.

وختم بالقول إن مشكلات تركيا المتراكمة ستظهر تدريجيًا، وأزمات باكستان معقدة، وما تطلبه السعودية يتجاوز القدرات الفعلية التي يمكن لطرفين كتركيا وباكستان تقديمها على المدى القريب، لذلك يظل التحالف خطوة تأسيسية يُستبعد تعويل دمشق عليها لإحداث فارق استراتيجي سريع، بقدر ما يستوجب الحذر حتى لا تتحول هذه الخطوات إلى مصدر شك وتوتر مع الأطراف الفاعلة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة