
مركز لتوزيع الخضار في السويداء - 22 آب 2026 (عنب بلدي )

مركز لتوزيع الخضار في السويداء - 22 آب 2026 (عنب بلدي )
مع بداية موسم إعداد المؤونة في السويداء، لا تقتصر أعمال تجهيز “المكدوس” والكشك والملوخية وغيرها على تأمين احتياجات الأسر لفصل الشتاء، إذ تحولت لدى بعض العائلات والأفراد إلى فرصة عمل موسمية ومصدر دخل إضافي، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وانتشار البطالة في المدينة.
وتستغل بعض الأسر موسم المؤونة لإعداد كميات أكبر من حاجتها المنزلية وطرحها للبيع، بينما يعمل آخرون في تقديم خدمات مرتبطة بتحضيرها.
قالت رزان ش.، ربة منزل تعمل في تجهيز المؤونة بعد تهجيرها من قريتها في الريف الغربي، إن إعدادها لم يعد مقتصرًا على ما تحتاج إليه الأسرة في منزلها، إذ بات الموسم فرصة لتأمين دخل إضافي خلال فترة الصيف، رغم أن العمل لا يشكل موردًا ثابتًا طوال العام.
وأضافت أن ارتفاع أسعار المواد الأولية يجعل تحقيق هامش ربح كبير أمرًا صعبًا، خصوصًا أنها تحتاج إلى عدة مراحل من التحضير، إضافة إلى تكاليف النقل والتخزين والوقت الذي يستغرقه العمل.
وتتنوع المنتجات التي تعمل رزان على إعدادها خلال الموسم بين الكشك والملوخية ودبس الفليفلة والبندورة.
وتحدثت رزان لعنب بلدي عن التكاليف اللازمة لإعداد كيلو واحد من الكشك، إذ يبلغ سعر كيلو البرغل حوالي 120 ليرة، بينما يصل سعر كيلو اللبن الرائب إلى 100 ليرة، ويحتاج كل كيلو برغل إلى نحو كيلوغرامين ونصف من اللبن، كما تستغرق مراحل التصنيع والتجفيف أسبوعًا تقريبًا، بحسب الظروف الجوية والكميات المنتجة.
ولا تنتهي التكاليف عند هذا الحد، إذ يحتاج الكشك بعد تجفيفه إلى الطحن، وتبلغ أجرة المطحنة نحو 30 ليرة للكيلو، إضافة إلى أجور النقل، ما يرفع تكلفة إنتاج الكيلو الواحد إلى نحو 450-500 ليرة، بينما يباع هذا الموسم بين 750 و1000 ليرة بحسب جودة المكونات وطريقة التصنيع.
وبحسب ما قاله صاحب محال لبيع المؤونة بما فيها “المكدوس” لعنب بلدي، يبلغ سعر كيلو الباذنجان المسلوق و”المحنك” (المملح) والمنشف نحو 450 ليرة، بينما تباع حشوة “المكدوس” بنحو 900 ليرة للنوع العادي، وترتفع إلى 1250 ليرة للنوع الممتاز.
وأشار إلى أن الفروق في الأسعار ترتبط بنوعية المكونات المستخدمة، موضحًا أن الحشوة العادية تحتاج، بحسب طريقته في التحضير، إلى نحو كيلو من الجوز لكل 25 كيلوغرامًا من الباذنجان، إضافة إلى الفليفلة، بينما يستخدم في النوع الممتاز جوزًا أميريكيًا، ما يرفع تكلفة المنتج.
يعمل “أبو كرم”، أحد مدرسي اللغة الإنجليزية، خلال موسم “المكدوس” في تقديم خدمات سلق الباذنجان و”تحنيكه” (تمليحه) وكبسه، مقابل أجور تختلف بحسب الخدمة والكمية.
وقال إن أجرة سلق كيلو الباذنجان كانت في الموسم الماضي نحو 20 ليرة، بينما وصلت أجرة السلق مع التمليح والشق والكبس إلى نحو 40 ليرة للكيلو هذا العام، في حين يتقاضى غيره مبالغ تصل إلى عشرة آلاف ليرة للكيلو.
ويواجه “أبو كرم” صعوبة في الحصول على عدد كبير من الطلبات، لأن هذا النوع من العمل لا يزال يُنظر إليه في المجتمع على أنه مهنة ترتبط بالنساء أكثر من الرجال، الأمر الذي يحد من إقبال بعض الزبائن عليه.
لكن من جرّبوا العمل لديه أصبحوا من زبائنه، بحسب قوله، بسبب عمله وأسعاره التي يعتبرها “رحيمة” مقارنة بغيره، ما ساعده على الحصول على طلبات متكررة خلال الموسم.
ويشكل هذا العمل بالنسبة إليه دخلًا إضافيًا مؤقتًا، مستفيدًا من زيادة الطلب خلال فترة إعداد المؤونة، إلى جانب عمله الأساسي في التدريس.
كما أن العمل لا يحتاج إلى محل تجاري، لكنه يتطلب جهدًا في التسويق والوصول إلى الزبائن.
أسهم تغير ظروف الحياة اليومية في زيادة الطلب على المؤونة الجاهزة، إذ لم تعد كل الأسر قادرة على تخصيص أيام متواصلة لإعدادها، كما أن بعض المنازل لا تتوفر فيها المساحة المناسبة للتجهيز والتجفيف والتخزين.
وتفضل بعض الأسر شراء “المكدوس” أو الباذنجان المحضر أو حشوة المكدوس جاهزة، ثم استكمال عملية التخزين في المنزل، بدلًا من شراء جميع المكونات وتحمل تكاليف إعدادها والوقت اللازم لذلك.
وقالت مها، وهي إحدى السيدات اللواتي اشترين المؤونة الجاهزة هذا الموسم، إنها كانت تبحث في السوق عن الملوخية الخضراء، ووجدت أن سعر الكيلو يبلغ نحو 250 ليرة، قبل أن تشتري أوقية من الملوخية المجففة من سيدة تعمل في إعدادها إلى جانب بناتها، بسعر 300 ليرة.
وأضافت أن كل كيلو تقريبًا من الملوخية الخضراء يعطي أوقية من الملوخية المجففة، ما جعل فرق السعر بين شراء الخضراء وتجفيفها بنفسها وبين شراء المجففة جاهزة محدودًا بالنسبة إليها، مقابل ما توفره من وقت وجهد.
وأشارت إلى أن تجفيف الملوخية يحتاج إلى مكان مناسب ونظيف، إضافة إلى جهد، لذلك فضّلت شراءها جاهزة، معتبرة أن السعر في الوقت نفسه يساعد السيدة التي تعمل في إعدادها على تحقيق دخل من عملها.
ويجد أصحاب هذه المشاريع في هذا الطلب فرصة لتحويل مهارة منزلية تقليدية إلى مصدر دخل، خصوصًا أن المؤونة تعتمد على منتجات موسمية، ما يجعل فترة الصيف موسمًا للعمل والإنتاج، بينما يرتفع الطلب على المنتجات المخزنة مع اقتراب فصل الشتاء.
لكن ارتفاع أسعار المواد الأولية وأجور الخدمات والنقل يضغط على العاملين في هذا المجال، ويجعل تحديد سعر البيع معادلة صعبة بين تغطية التكاليف والحفاظ على قدرة الناس على الشراء.
“المكدوس”، على سبيل المثال، لا يتوقف حساب تكلفته عند سعر الباذنجان، بل يشمل الفليفلة والجوز والثوم والزيت، إلى جانب استهلاك الغاز للسلق والتحضير والتعبئة، وما يرافق ذلك من استهلاك للوقت والجهد.
وفي جولة لعنب بلدي في “سوق الخضرة” المحلي بالسويداء، يتراوح سعر كيلو الباذنجان في السوق بين 25 و30 ليرة، بينما يتراوح سعر كيلو الفليفلة بين 50 و80 ليرة، ويسهم هذا السعر بتحقق هامش ربح جيد مقارنة ببقية أنواع المؤونة.
بينما يزداد العمل مع بداية موسم المؤونة، لا يعني ذلك أن المنتجات تجد طريقها إلى المستهلك مباشرة، إذ يعتمد جزء من المنتجين على تجهيز كميات مسبقًا وانتظار ارتفاع الطلب مع اقتراب الشتاء.
ويأمل العاملون في هذا المجال أن يوفر الموسم دخلًا يساعدهم على تغطية جزء من مصاريفهم، لكنهم يواجهون في الوقت نفسه ارتفاعًا متواصلًا في تكاليف الإنتاج، ما يجعل المؤونة بالنسبة إلى كثير منهم عملًا موسميًا يحتاج إلى جهد كبير مقابل ربح محدود نسبيًا.
وهكذا تنتقل المؤونة في السويداء من كونها عادة منزلية مرتبطة بتخزين طعام الشتاء، إلى مساحة اقتصادية صغيرة توفر فرص عمل مؤقتة لمنتجين وباعة وعاملين في مراحل التحضير، وتؤمّن في الوقت نفسه خيارًا للأسر التي لم تعد قادرة على إعداد كل احتياجاتها بنفسها.
وبين من يصنع ليبيع، ومن يقدم خدمة لمن لا يستطيع التصنيع، ومن يشتري ليوفر الوقت والجهد، يتحول موسم المؤونة إلى دورة اقتصادية موسمية تبدأ من الحقول والأسواق، وتنتهي على موائد الأسر مع حلول الشتاء.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى