حل “قسد”.. كيف تعالج الدولة قضايا الأمن والتمثيل والحقوق المحلية

مظلوم عبدي يعلن حل "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) من قصر الشعب في دمشق - 25 آب 2026 (سانا)

camera iconمظلوم عبدي يعلن حل "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) من قصر الشعب في دمشق - 25 آب 2026 (سانا)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – خاص

دخل مسار الاندماج بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) مرحلة جديدة، مع إعلان قائد القوات مظلوم عبدي، في 25 من آب الحالي، حل “قسد” و”الإدارة الذاتية” والتشكيلات العسكرية والمدنية التابعة لها، وإنهاء وجودها كقوة عسكرية مستقلة، بالتوازي مع تأكيد اندماجها في مؤسسات الدولة السورية.

وجاء الإعلان بعد أشهر من الخطوات التنفيذية التي أعقبت اتفاق 29 من كانون الثاني بين الحكومة و”قسد”، وسلسلة لقاءات بين الرئيس السوري، أحمد الشرع، وعبدي، كان أحدثها في قصر الشعب بدمشق في اليوم نفسه الذي أعلن فيه عبدي حل القوات.

وبعد يومين من الإعلان، أصدر الشرع المرسوم رقم “164” لعام 2026، الذي قضى بتعيين مظلوم عبدي مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية، ليأتي التعيين بوصفه إحدى أبرز النتائج السياسية المباشرة للانتقال من مرحلة التفاوض حول دمج “قسد” إلى مرحلة جديدة داخل مؤسسات الدولة.

ولا يبدو الإعلان الأخير منفصلًا عن مسار طويل بدأ باتفاقات وقف إطلاق النار والدمج، ثم انتقل تدريجيًا إلى ملفات عسكرية وأمنية وإدارية وخدمية، قبل أن يصل إلى إعلان إنهاء “قسد” ككيان عسكري مستقل.

من الاتفاق إلى حل “قسد”

نص اتفاق 29 من كانون الثاني على وقف إطلاق النار والبدء بعملية دمج تدريجية للقوات والمؤسسات التابعة لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، إضافة إلى ترتيبات تتعلق بالمعابر الحدودية وحقول النفط والغاز والسجون والمخيمات والمؤسسات المدنية، إلى جانب ضمان حقوق مدنية وتعليمية للكرد وعودة المهجرين.

وكان الاتفاق قد جاء بعد مواجهات عسكرية بين الحكومة و”قسد” في كانون الثاني الماضي، قبل أن يتحول مسار العلاقة بين الطرفين من المواجهة إلى التفاوض بشأن شكل الاندماج وآلياته.

وفي شباط، قال عبدي إن دمج مؤسسات “الإدارة الذاتية” والقوى الأمنية التابعة لها ضمن هيكلية الدولة السورية بدأ بالفعل، مع طرح ترتيبات لإدماج قوى الأمن الداخلي التابعة لـ”قسد” ضمن وزارة الداخلية.

وفي أيار، تحدث معاون وزير الدفاع لشؤون المنطقة الشرقية، سمير أوسو، عن اندماج أربعة ألوية من “قسد” رسميًا ضمن وزارة الدفاع، مع استمرار العمل على إعادة هيكلة القوات وتوحيد التشكيلات العسكرية تحت قيادة مركزية.

لكن مسار الاندماج لم يكن مثاليًا، إذ ظهرت ملفات عالقة تتعلق بإدارة المؤسسات وطريقة دمج الأجهزة الأمنية والقضائية والتعليمية، إضافة إلى شكل القوات التي ستدخل في بنية الجيش السوري.

وفي أيار، تفاقم الخلاف حول تسلّم القصور العدلية في الحسكة، باعتباره أحد الملفات التي أبطأت عملية الدمج المؤسسي.

ومع حلول تموز، بدأت تظهر خطوات أكثر وضوحًا على الأرض، شملت نقاطًا أمنية وقطاعات خدمية وإدارية، بالتزامن مع استمرار إجراءات دمج المؤسسات التابعة لـ”الإدارة الذاتية” ضمن الهياكل الحكومية.

وفي مطلع آب، أعلن الفريق الرئاسي المكلف بتطبيق اتفاق 29 من كانون الثاني أن اتفاق الاندماج وصل إلى “مراحله الأخيرة”، ولا سيما في الجانبين العسكري والأمني.

ثم استقبل الشرع عبدي، في 4 من آب، وبحث الطرفان استكمال تنفيذ اتفاق الدمج ومتابعة مسار الاندماج ضمن مؤسسات الدولة.

وفي 20 من آب، أعلن عبدي أن عملية الدمج العسكري والأمني والإداري اكتملت، مشيرًا إلى انتقال المرحلة التالية نحو العمل السياسي لتثبيت حقوق الكرد في الدستور السوري.

وبعد ذلك بيومين، قال عبدي إن قواته وضعت خطة لإنهاء عملية الدمج بالكامل خلال آب، مع إقراره بأن اتفاق 29 من كانون الثاني “لم يرتقِ إلى مستوى الطموحات”، لكنه قال إنه خلق مكانة للكرد داخل الدولة السورية.

وجاء إعلان 25 من آب ليحول هذه التصريحات والخطوات إلى إعلان سياسي مباشر عن نهاية “قسد” بوصفها قوة عسكرية مستقلة.

نهاية كيان عسكري وبداية مسار سياسي

يرى الخبير السياسي عامر الصالح، في حديث إلى عنب بلدي، أن إعلان حل “قسد” يمثل “النقطة الأكثر تقدمًا في مسار الاندماج منذ توقيع اتفاق 29 من كانون الثاني”، لأنه ينقل الملف من السؤال المتعلق بكيفية دمج القوات والمؤسسات إلى سؤال مختلف يتعلق بكيفية إدارة مرحلة ما بعد الاندماج.

وبحسب الصالح، فإن أهمية الإعلان لا تكمن فقط في حل تشكيل عسكري، وإنما في “إنهاء فكرة وجود قوة عسكرية مستقلة تمتلك قرارًا أمنيًا وعسكريًا في جزء من البلاد، ونقل هذا القرار إلى مؤسسات الدولة”.

وأضاف أن الاتفاقات السابقة كانت تحتاج إلى إجراءات تنفيذية كي تتحول من نصوص سياسية إلى واقع ميداني، بينما يحمل إعلان حل “قسد” دلالة على أن أحد أهم الشروط البنيوية للاندماج أصبح محسومًا، وهو إنهاء البنية العسكرية المستقلة.

لكن الصالح، وفق حديثه، يميز بين حل “قسد” وبين انتهاء جميع الملفات المرتبطة بالمنطقة.

وقال إن “الاندماج العسكري يمكن أن يكون أكثر وضوحًا من الاندماج السياسي والمؤسسي”، معتبرًا أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة الدولة على استيعاب المؤسسات والعاملين فيها، وضمان انطلاق الخدمات، وإعادة تنظيم الإدارة المحلية، وتحديد المسؤوليات الأمنية، إضافة إلى معالجة الملفات المتعلقة بالحقوق الثقافية واللغوية.

شمال شرقي سوريا أمام اختبار جديد

في شمال شرقي سوريا، تكتسب التطورات أهمية خاصة، لأن “قسد” لم تكن مجرد قوة عسكرية، بل ارتبط بها خلال السنوات الماضية نظام إداري ومؤسسات أمنية وخدمية وتعليمية واقتصادية تشكلت في مناطق واسعة من الحسكة والرقة ودير الزور.

وفي هذا السياق، قال المحامي محمد الناصر، لعنب بلدي، إن “التحدي الأكبر بعد الإعلان سيكون تحويل الاندماج من قرار سياسي إلى منظومة قانونية وإدارية واضحة”.

ويرى الناصر أن الدولة أمام مجموعة من الملفات التي تحتاج إلى تنظيم، بينها استكمال ترتيب أوضاع الموظفين والعاملين في المؤسسات التابعة لـ”الإدارة الذاتية”، والعسكريين في مؤسسات الدولة، إضافة إلى ملكيات المؤسسات والمقار والموارد العامة، والملفات القضائية والأمنية.

وأضاف أن “نجاح المرحلة المقبلة سيتوقف على وضوح القواعد القانونية التي تحكم عملية الانتقال، وعلى ضمان عدم تحول الاندماج إلى فراغ إداري أو أمني في المناطق التي كانت تديرها مؤسسات (الإدارة الذاتية)”.

الحقوق الكردية بعد انتهاء “قسد”

من أكثر الملفات حساسية في المرحلة المقبلة مسألة الحقوق الثقافية والتعليم باللغة الكردية.

ويعتبر المحامي محمد الناصر أن “إنهاء البنية العسكرية والإدارية لـ(قسد) لا يعني إنهاء النقاش حول الحقوق التي طرحتها القوى الكردية خلال السنوات الماضية”، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة ستنقل جزءًا كبيرًا من هذا النقاش من المجال العسكري إلى المجال السياسي والقانوني.

كما أن معالم تثبيت الحقوق الثقافية والتعليمية واللغوية جاءت في قرار لاحق لوزارة التربية، ويتمثل بتدريس اللغة الكردية عبر ثلاث حصص أسبوعية إضافة إلى حصة أنشطة، فيما سيكون القرار، وفق الناصر، من أبرز الاختبارات التي ستحدد طبيعة العلاقة الجديدة بين الدولة والمكونات.

موارد المنطقة وإدارة المؤسسات

لا ينفصل مستقبل الاندماج عن ملف الموارد الاقتصادية، وخاصة النفط والغاز والمعابر، فالاتفاق المبرم بين الحكومة و”قسد” نص على تسلم الدولة إدارة المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز والمؤسسات المدنية في شمال شرقي سوريا، ما يجعل انتقال هذه الملفات من أبرز مؤشرات اكتمال الاندماج على المستوى العملي.

وقال الصالح، إن “المرحلة الجديدة ستعيد تعريف العلاقة الاقتصادية بين شمال شرقي سوريا ودمشق”، مشيرًا إلى أن إدارة الموارد بدأت تتحول لتكون جزءًا من منظومة اقتصادية وطنية واحدة بدل استمرارها ضمن ترتيبات منفصلة.

ويرى أن ذلك يفتح المجال أمام إعادة تشغيل قطاعات الطاقة والخدمات والاستثمار، لكنه يتطلب في الوقت نفسه إدارة حساسة للموارد، تضمن استفادة سكان المنطقة من عوائدها وتقلل من المخاوف المرتبطة بتغيير أنماط الإدارة السابقة.

من السلاح إلى السياسة

على المستوى السوري العام، قد يكون إعلان حل “قسد” أحد أبرز التحولات في مسار بناء مؤسسات الدولة بعد سنوات الحرب.

وقال الصالح، لعنب بلدي، إن إنهاء “قسد” كقوة مستقلة “يمكن أن يشكل نموذجًا لمسار أوسع يقوم على انتقال القوى المسلحة من العمل العسكري المستقل إلى العمل السياسي والمؤسساتي”، لكنه شدد على أن نجاح هذا المسار يتطلب معالجة الأسباب التي دفعت إلى نشوء تلك القوى، وفي مقدمتها قضايا الأمن والتمثيل السياسي والحقوق المحلية.

وبذلك، فإن إعلان عبدي لا ينهي فقط مرحلة من العلاقة بين دمشق و”قسد”، بل يفتح مرحلة جديدة سيكون عنوانها الأساسي قدرة الدولة السورية على استيعاب مكونات ومناطق كانت تدار خلال سنوات الحرب عبر هياكل مستقلة.

منصب عبدي ورسالة المرحلة المقبلة

يأتي تعيين مظلوم عبدي مستشارًا لدى رئاسة الجمهورية بعد يومين فقط من إعلانه حل “قسد”، ليعطي مؤشرًا إضافيًا على طبيعة التحول الذي يجري.

وبحسب الصالح، فإن هذا التعيين “يحمل دلالة سياسية تتجاوز الشخص نفسه، لأنه يقدم نموذجًا للانتقال من قيادة تشكيل عسكري إلى موقع رسمي داخل الدولة”.

ويرى أن وجود شخصيات من المرحلة السابقة داخل مؤسسات الدولة قد يسهم في تسهيل التواصل مع المجتمعات المحلية، لكنه يتطلب في المقابل أن يكون العمل ضمن قواعد الدولة ومؤسساتها، وليس باعتبار الشخصيات الجديدة ممثلة لكيانات منفصلة.

أما الناصر فيرى أن التعيين “يضع أمام المرحلة المقبلة مسؤولية مزدوجة”، تتمثل في دمج القيادات والشخصيات ضمن مؤسسات الدولة من جهة، وضمان أن يكون التمثيل قائمًا على الأطر القانونية والمؤسساتية من جهة أخرى.

مرحلة جديدة أكثر من كونها نهاية

لا يبدو إعلان 25 من آب نهاية ملف الاندماج بقدر ما يمثل انتقاله إلى مرحلة أكثر تقدمًا، يصبح فيها السؤال الأساسي متعلقًا بكيفية تثبيت نتائج الاندماج على الأرض.

ففي شمال شرقي سوريا، وفق الناصر، سيكون اختبار المرحلة المقبلة مرتبطًا بقدرة مؤسسات الدولة على تسلم الملفات الإدارية والأمنية والخدمية دون اضطراب، وبكيفية إدارة الموارد، وضمان استمرار الخدمات، وتنظيم أوضاع العاملين والعسكريين، إلى جانب معالجة ملف الحقوق الثقافية والتعليمية.

أما على مستوى سوريا ككل، فأكد الصالح أن نجاح هذه المرحلة قد يشكل خطوة إضافية نحو حصر السلاح والمؤسسات العامة ضمن الدولة، في حين أن تعثرها قد يعيد إنتاج الخلافات بصيغ سياسية أو إدارية جديدة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة