ظلال الأقبية المورّثة.. هل تعيد سوريا إنتاج عهد الجلادين؟
خالد المطلق
بعد سقوط نظام الأسد اعتقد السوريون أن صفحة طويلة من الخوف والاعتقال والتعذيب والإفلات من العقاب قد أُغلقت أخيرًا، وكان الأمل أن تكون نهاية النظام بداية لعلاقة مختلفة بين الدولة والمواطن، وأن تتحول السجون من أدوات للترهيب السياسي إلى مؤسسات تخضع للقانون والرقابة، لكن ما يظهر اليوم من شهادات وتقارير عن أوضاع بعض مراكز الاحتجاز يفرض سؤالًا أكثر قسوة: هل تخلصت سوريا فعلًا من ثقافة القمع أم أن بعض ممارساتها تجد طريقها من جديد بأسماء ووجوه مختلفة؟ والمسألة هنا ليست مساواة بين مراحل سياسية مختلفة ولا تجاهلًا للفارق بين حجم الجرائم التي ارتكبها نظام الأسد وبين ما يُنسب إلى جهات أخرى، إنما المسألة تتعلق بشيء أعمق، هو هل تغيرت فلسفة السلطة تجاه الإنسان أم تغير فقط اسم السلطة؟
على مدى عقود، تحول السجن في عهد الأسد إلى جزء من منظومة الحكم نفسها، ولم يكن الاعتقال مجرد إجراء أمني بل وسيلة لإخضاع المجتمع وإسكات الخصوم، حيث وثقت ملفات حقوقية عديدة الإخفاء القسري والتعذيب والقتل داخل مراكز الاحتجاز، فيما أصبح “صيدنايا” رمزًا عالميًا لنظام السجون الذي حوّل المعتقل إلى إنسان منزوع الحقوق، ولكن تجربة “هيئة تحرير الشام” قبل وصولها إلى السلطة لا يمكن تجاهلها هي الأخرى، فقد ارتبطت مراكز الاحتجاز التابعة لها باتهامات بالاعتقال التعسفي وسوء المعاملة والتعذيب، وتحدث معتقلون سابقون عن أساليب قاسية في التحقيق وانتزاع الاعترافات تحت الضغط، بما في ذلك ممارسات مثل “الدولاب” والتعليق (الشبح)، وعن حالات وفاة وإصابات بالغة من بينها حالة المعتقل عبد القادر الحكيم، بحسب ما يورده التوثيق المتعلق بهذه المرحلة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس فقط ماذا حدث في تلك السجون، بل ماذا تعلمت السلطة الحالية من تلك التجربة؟ ومع قيام السلطة الانتقالية، ظهرت بدورها شهادات وتقارير عن حالات وفاة أو إصابات داخل أماكن الاحتجاز وشهادات عن الضرب وسوء المعاملة والتأخر في تقديم الرعاية الطبية، ومن الحالات التي أثارت اهتمامًا وفاة الشاب محمد غميرة في مخفر شرطة الحفة باللاذقية، في واقعة قيل إنه تعرض خلالها للضرب في أثناء الاستجواب رغم وضعه الصحي، فمثل هذه الحالات لا ينبغي أن تُحسم بالروايات المتبادلة، بل بتحقيق مستقل يحدد ما حدث ومن يتحمل المسؤولية.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية في العدالة الانتقالية، فالعدالة لا تعني أن نعلن انتهاء الماضي ثم نغلق ملفاته، كما أنها لا تعني تقديم بعض العناصر الصغار للمحاكمة بينما تبقى المسؤوليات الأعلى مجهولة، فإذا كانت سوريا تريد فعلًا بناء دولة مختلفة فعليها أن تبحث عن الحقيقة كاملة، من أمر؟ ومن نفذ؟ ومن عرف وسكت؟ ومن تستر بعد وقوع الجريمة؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في المرحلة الانتقالية هو أن يصبح التعذيب ولو في حالات محدودة ممارسة يمكن تبريرها بشعار الأمن، فالدولة لا تستعيد هيبتها بإهانة المعتقل ولا تثبت قوتها بالضرب وانتزاع الاعترافات، على العكس، الدولة التي تسمح بانتهاك حقوق الإنسان داخل مراكز الاحتجاز تقوّض ثقة مواطنيها بها، وتعيد إنتاج العلاقة القديمة القائمة على الخوف، ولهذا لا يكفي أن تُعلن السلطة احترام حقوق الإنسان، إنما المطلوب إجراءات واضحة كرقابة قضائية مستقلة ودائمة على أماكن الاحتجاز، وتمكين المحامين من الوصول إلى المعتقلين وتوثيق أسباب الوفاة والإصابات، وحماية الشهود والضحايا والتحقيق في كل حالة وفاة أو تعذيب بعيدًا عن نفوذ الأجهزة التي يُشتبه في تورط أفراد منها.
كما ينبغي إخضاع عناصر الأجهزة الأمنية الجديدة لتدقيق مهني وحقوقي حقيقي، وتوفير تدريب إلزامي على قواعد التعامل مع المحتجزين، أما المسؤولون الذين تثبت مشاركتهم في التعذيب أو الإخفاء القسري فيجب أن يخضعوا للمحاسبة أيًا كانت مواقعهم أو انتماءاتهم، وتكتسب هذه الإجراءات أهمية أكبر لأن القانون الدولي لا ينظر إلى التعذيب باعتباره مخالفة بسيطة، فحظر التعذيب مبدأ راسخ في اتفاقية مناهضة التعذيب والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بينما يمكن أن ترتقي بعض الممارسات إذا ثبتت شروطها وسياقها إلى جرائم دولية بالغة الخطورة، لكن المشكلة ليست قانونية فقط، بل هي أخلاقية وسياسية أيضًا، والسوري الذي عاش سنوات في سجون الأسد لا يريد أن يسمع بعد اليوم أن “الغاية تبرر الوسيلة”.
لهذا فإن اختبار سوريا الجديدة لن يكون في تغيير أسماء السجون أو تبديل الأجهزة والقيادات، بل في سؤال أبسط وأعمق، وهو هل يستطيع السوري أن يدخل مركزًا أمنيًا وهو يعرف أن القانون يقف إلى جانبه؟ فإذا كانت الإجابة نعم فهناك بداية حقيقية لدولة جديدة، أما إذا تغيرت اللافتات وبقي المعتقل خائفًا وبقي التعذيب ممكنًا وبقيت المسؤولية بلا محاسبة، فإن سوريا لن تكون قد خرجت فعلًا من إرث الماضي، فالسوريون لم يخرجوا من سجون الأسد لكي يعيشوا تحت نسخة أخرى منها، والثورة لم تكن مجرد معركة لتغيير الوجوه بل كانت احتجاجًا على منظومة جعلت الخوف وسيلة للحكم، لهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يعود السجن القديم، بل أن يولد سجن جديد بوجه جديد، فالدولة لا تتغير عندما يتغير السجان، وإنما عندما يصبح التعذيب جريمة والمعتقل إنسانًا والقانون أقوى من السجان.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





