لماذا لا نسمع في سوريا إلا صوت المتشددين
أحمد عسيلي
خلال الأيام الماضية، انشغل السوريون، بل والكثير من وسائل الإعلام العربية أيضًا، بتصريحات الشيخ حكمت الهجري، التي وصف فيها الدروز بأنهم “جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل”، وتحدث عن اشتراك معها حتى في العقيدة والتاريخ، تصريحات أثارت موجة واسعة من الاعتراضات، لم تأتِ فقط من خصوم الهجري التقليديين، بل من شخصيات وفعاليات درزية في سوريا ولبنان وحتى من الجولان المحتل، وقال بعضها بوضوح إن الهجري لا يتحدث باسم الدروز.
هذه الموجة تطرح سؤالًا منطقيًا جدًا: أين كانت هذه الأصوات سابقًا؟ ولماذا كان الاعتراض العلني، وخصوصًا من داخل البيئة الدرزية، أقل ظهورًا خلال الفترة الماضية، رغم الكثير من التصريحات، بل والتصرفات الغريبة للشيخ الهجري؟
بداية، يجب أن نعترف بحقيقة أن الصمت عن أخطاء القيادات في سوريا أصبح أشبه ما يكون بحالة عامة، فالكل يصمت عن أخطاء من يشعر أنهم ممثلوه، ويصفها بأحسن الأحوال بالتجاوزات أو الأخطاء الفردية، في حين يضخم أخطاء القيادات التي لا يتبع لها عاطفيًا.
هذه الحالة ليست جديدة، وليست سورية حصرًا، بل تناولتها عالمة الاجتماع الألمانية إليزابيث نويل نومان منذ السبعينيات من القرن الماضي، واصفة ظاهرة أطلقت عليها اسم “دوامة الصمت”، على المستوى النفسي فكرتها بسيطة: يراقب الإنسان باستمرار المناخ الاجتماعي من حوله، وعندما يشعر بأن رأيه مخالف للرأي السائد، قد يفضّل الصمت لتجنب العزلة، ولأن صمته هذا يجعل الرأي الآخر يبدو أكثر انتشارًا مما هو عليه، فيدفع آخرين إلى الصمت، وهكذا تبدأ الدوامة.
لا تفسر هذه النظرية كل أسباب الصمت بالتأكيد، هناك الخوف والمصلحة والانتماء وقوة القضية والاستعداد للتضحية وعوامل نفسية واجتماعية أخرى كثيرة، لكنها تقدم وصفًا مفيدًا للآلية التي تجعل رأيًا ما يبدو أحيانًا أكثر إجماعًا مما هو عليه فعلًا.
وهذا ما حدث في السويداء بعد المجازر، فقد أصبح الاعتراض على الهجري، أو حتى على بعض ممارسات القوى التابعة له، قابلًا لأن يُفهم أحيانًا لا باعتباره اعتراضًا سياسيًا، بل باعتباره موقفًا من الجماعة نفسها، أو تبريرًا لما تعرض له أهل السويداء، وهكذا ارتفعت تكلفة الكلام، وأصبح تأييد المسار العام أشبه بمفتاح للقبول الاجتماعي في بعض الدوائر.
لكن السويداء ليست استثناء، سوريا اليوم مليئة بدوامات الصمت، لمؤيدي السلطة الجديدة دوامتهم أيضًا، حيث يمكن لانتقاد تصرفاتها في بعض المجتمعات أن يتحول سريعًا إلى اتهام بالوقوف ضد الدولة الجديدة، وللمثقفين دواماتهم، بما فيها من أفكار مسموحة وأخرى قد يكون الاقتراب منها كافيًا لإخراج شخص من الجماعة الرمزية التي ينتمي إليها، ولكل جماعة تقريبًا حدود غير مكتوبة لما يجوز قوله، وللأشياء التي لا يجوز التفوه بها أبدًا.
وهنا نصل إلى ما سأسمح لنفسي بتسميته “دوامات الصمت المتقابلة”.
في كل دوامة متكلمون وصامتون، والمشكلة أن الصامتين غالبًا هم أصحاب المواقف الأكثر تركيبًا: من يستطيع أن يدين ما تعرض له المدنيون في السويداء ويرفض في الوقت نفسه الارتماء في الحضن الإسرائيلي، أو السير خلف رجل دين ليس له خبرة في العمل السياسي، أيضا كحال من يؤيد الدولة الجديدة لكن يعترف أن بها أخطاء جسيمة تصل إلى مستوى الجرائم أحيانًا، وأنه يجب تقويم مساراتها.
وعندما يصمت هؤلاء، من يبقى في الواجهة؟ الأصوات الأعلى والأكثر حدة.
وهكذا يبدأ كل طرف بقراءة الطرف الآخر من خلال متشدديه فقط، يرى أحدهم أشد تصريحات خصمه تطرفًا فيقول: “ألم نقل لكم إنهم جميعًا هكذا؟”، ثم تنتقل العبارة إلى الدوامة المقابلة فتغذي مخاوفها، فتنتج خطابًا أشد تطرفًا، يلتقطه الطرف الأول مجددًا، كل دوامة تصبح، بهذا المعنى، وقودًا للدوامة المقابلة.
وربما لهذا كانت تصريحات الهجري الأخيرة مختلفة، فوضوحها واستفزازها جعلا فكرة السكوت نفسها مكلفة بالنسبة إلى أشخاص ينتمون في الوقت ذاته إلى دوائر أخرى، من مثقفين ويساريين وعلمانيين وشخصيات عُرفت تاريخيًا بمناهضة إسرائيل أو التطبيع معها، لم يعد ثمن الكلام وحده مرتفعًا، أصبح للصمت ثمن أيضًا، وتقاطع الدوامتين دفع بعض الصامتين إلى الكلام.
تحدثت نويل-نيومان أيضًا عن “النواة الصلبة” (Hard Core): أولئك الذين يستمرون في التعبير عن آرائهم حتى عندما يشعرون بأنها غير مقبولة اجتماعيًا، وربما تحتاج سوريا اليوم إلى تقوية هذه النواة، لا بمعنى إنتاج مزيد من المتشددين، بل حماية حق الإنسان في مخالفة جماعته من دون أن يفقد حقه في الانتماء إليها.
أن يستطيع ابن السويداء أن يدين ما تعرض له أهله ويعارض الهجري، وأن يستطيع مؤيد للسلطة أن يدافع عن الدولة ويطالبها في الوقت نفسه بالمحاسبة، وأن يستطيع المثقف أن يغيّر رأيه ولو قليلًا من دون أن يُطرد من جماعته.
فالمشكلة ليست في اختلاف السوريين، فالاختلاف بحد ذاته شيء حيوي وضروري، المشكلة أن كل واحد منا أصبح يسمع صراخ الدوامة الأخرى، ولا يسمع صمت الذين في داخلها.
ولكي تستقر سوريا أخيرًا، لا نحتاج إلى أن يصمت السوريون، بل إلى أن تهدأ عواصف تلك الدوامات، ليصبح المناخ طبيعيًا وصحيًا يسمح بتقبل جميع الآراء دون خوف من العزلة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





