تعا تفرج
انحطاط الصحافة والأدب
خطيب بدلة
حمل بعض الأشخاص صفة كاتب، بفضل فوضى المفاهيم والمصطلحات السائدة في مجتمعنا. لا يوجد، في هذه البلاد، ضوابط أو معايير أو جهات مختصة تقرر صلاحية هذا الشخص لأن يكون كاتبًا، أو لا يكون. والمشكلة، في الأساس، تتعلق بالموهبة، فهناك كاتب كبير، ينتظر الناس قصصه بالدقيقة، مثل زكريا تامر، كان يعمل في الحدادة، والروائي حنا مينة، الذي كانت رواياته تُستقبل باحتفالية من قرائه، كان، على ما يحكى، يعمل في الحلاقة، وكبار المبدعين، جاؤوا إلى الأدب من اختصاصات علمية، فيوسف إدريس، الذي بنى صرحًا عاليًا في القصة القصيرة، طبيب، ومثله عبد السلام العجيلي، وكان حسيب كيالي متخرجًا من كلية الحقوق، ونجيب محفوظ، الحائز على جائزة نوبل بجدارة، متخرج من معهد المعلمين، والأمثلة لا تحصى.
كنت، في القديم، مقتنعًا بأن أحق الناس في كتابة الأدب، هم خريجو اللغة العربية، ولكن اطلاعي على بعض مناهجهم الدراسية، ضرب هذه القناعة، فكثرة المعرفة بالنحو والصرف وبحور الشعر والبلاغة تمسك بأيديهم، وتكبل أقلامهم، وفي حدود علمي، وتجربتي، أن القليل من خريجي الأدب العربي نجحوا في الإبداع الأدبي.
إبان حكم حزب “البعث”، وحركة حافظ الأسد الانقلابية، تحولت مهنة الصحافة إلى نوع من الوظيفة الحزبية، وزاد في الطين بلة، شيوع فكرة المراسلين في المحافظات. المنطق السليم يقول إن الصحفي المرموق، هو المتخرج من كلية الصحافة، حصرًا، ولكن الحالة الديكتاتورية الأمنية الضيقة، أفسحت المجال لجيش من المتسلقين، فكنا نلتقي، خلال نشاطاتنا الأدبية، بأشخاص أشباه أميين، ويقال لنا: هذا الأخ مراسل “البعث”، وذاك مراسل “الثورة”، والثالث مراسل “تشرين”، وكان بعضهم لا يفقه في إجراء المقابلات شيئًا، فيضطر لأن يختلي بمدير إحدى الدوائر، ويمنحه كل الحق في أن يضع الأسئلة التي تناسبه، ويجيب عليها، ثم يسلمه النتيجة، ليرسلها إلى الصحيفة، بعد أن يذيلها باسمه.
وكان هذا النوع من النشاط الصحفي يتناغم مع عمل المخبرين الأمنيين، ويناسب الطبيعة الاستبدادية للنظام الذي يرفض النقد، والمراجعة، ومع ذلك، فقد لمع بعض الصحفيين، وبرعوا في مجال كشف فساد مؤسسات القطاع العام، وأصبحت أسماؤهم مخيفة للمديرين الفاسدين المرتشين، ولكن هؤلاء يعرفون، والكل يعرف، أن ثمة مجالات، وشخصيات، محاطة بالقداسة، لا يجرؤ أحد على مقارعتها، فالواحد منهم يمكنه أن يذهب بالصحفي، وبمدير التحرير الذي أرسله، إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم.
قد يظن بعض الإخوة القراء أنني أطعن بنظام الأسد، الآن، بعدما صار في ذمة المرحومة أم قشعم، لا، هذا ليس طعنًا، بل توصيف لحال عشناه، وذقنا منه الأمرّين، وللعلم فإن الحال مستمر، حتى الآن، وربما أسوأ، فصحفيو اليوم، لا يتسلحون بحصانة حزبية كالبعثيين، ولكنهم متسلحون بالثورية، والثورية الحامية لها سمة غريبة، وهي الصراخ، فبقدر ما يصرخ، هذا الكائن، بقدر ما يوهم جمهوره البائس، بأنه ناجح، ومؤثر. يحصل الأمر نفسه، تقريبًا، في مجال الأدب، فنحن نعيش عصر انحطاط يقوم، أساسًا، على شطب الحداثة، بكل أشكالها، ومحاربتها، ولذلك ترى الشعر، وخاصة العمودي، ذا المحتوى المتخلف، يغلب على كل الأجناس.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





