من البحر الأحمر إلى سوق بانياس..

“الببغاء” تلتهم المرجان وتنعش موائد السوريين

camera iconأصوات الباعة وهتافات المزاد تمتزج برائحة البحر وخيراته في سوق السمك الأثري بمدينة بانياس - 31 تموز 2026 (عنب بلدي/شعبان شاميه)

tag icon ع ع ع

وسط صخب “الدلالة” وحركة البيع النشطة التي يغص بها سوق السمك الأثري في مدينة بانياس الساحلية، لم تعد أسماك “البلميدا” و”السلطاني” وحدها ما يجذب متبضعي يوم الجمعة، إذ سرقت سمكة “الببغاء” الملوّنة الأنظار بعد أن تحولت من مجرد صيد عابر إلى ضيف دائم يفترش بسطات السوق.

وفي جولة ميدانية لمراسل عنب بلدي داخل السوق الأثري، رصد تزايدًا ملحوظًا في المعروض من هذه السمكة الاستوائية الوافدة، يقابله إقبال لافت من محبي المأكولات البحرية الذين دفعهم الفضول تارة، وجودة لحمها الأبيض وسعرها المنافس تارة أخرى، لتجربتها، وسط تساؤلات الصيادين عن سر تكاثرها المتسارع في المياه الإقليمية السورية.

سمكة الببغاء الوافدة تظهر على اليسار وإلى جانبها سمكة القجاج المحلية من سوق السمك الأثري في مدينة بانياس بريف محافظة طرطوس - 31 تموز 2026 (عنب بلدي/شعبان شاميه)

سمكة الببغاء الوافدة تظهر على اليسار وإلى جانبها سمكة القجاج المحلية من سوق السمك الأثري في مدينة بانياس بريف محافظة طرطوس – 31 تموز 2026 (عنب بلدي/شعبان شاميه)

المناخ يوطّن “الببغاء”

ربط الاختصاصي في بيولوجيا الأسماك والمدرس بكلية الطب البيطري في جامعة “الفرات”، الدكتور فراس الشاوي، تزايد أعداد أسماك “الببغاء” في الساحل السوري بالتغيرات المناخية وظاهرة احترار المياه.

وأوضح الشاوي، في حديث إلى عنب بلدي، أن البحر الأبيض المتوسط يُعد من أكثر البحار حساسية لظاهرة الاحتباس الحراري، إذ أدّى ارتفاع حرارة مياهه إلى تحويلها لبيئة شبيهة بالموائل الأصلية لسمكة “الببغاء” في البحر الأحمر والمحيط الهندي.

وأضاف البيولوجي أن رصد هذه الأسماك بأحجام مختلفة وبكميات متزايدة يُشكل دليلًا قاطعًا على نجاحها في التكاثر والاستيطان، وبناء مجتمعات مستقرة داخل البيئة البحرية السورية.

مخاطر بيئية ومكاسب غذائية

ورغم هذا الاستيطان الناجح، حذر الشاوي من المخاطر البيئية التي قد تسببها زيادة هذه الأسماك، إذ تملك سمكة “الببغاء” فكًا قويًا يشبه المنقار يستطيع تفتيت الشعاب المرجانية، والتي تعاني في الأصل من التدمير بسبب طرق الصيد الخاطئة واستخدام شباك الجر.

ونتيجة لذلك، فإن تحول هذه الشعاب إلى رمال بحرية يهدد أماكن عيش وتكاثر الكثير من الأسماك المحلية المهمة اقتصاديًا. هذا التدهور في الموائل يضع الثروة السمكية في الساحل السوري أمام تحدٍّ بيئي جديد يؤثر على الإنتاج المحلي.

أصوات الباعة وهتافات المزاد تمتزج برائحة البحر وخيراته في سوق السمك الأثري بمدينة بانياس - 31 تموز 2026 (عنب بلدي/شعبان شاميه)

باعة في سوق السمك الأثري بمدينة بانياس – 31 تموز 2026 (عنب بلدي/شعبان شاميه)

وفي المقابل، أشار الشاوي إلى جانب إيجابي يصب في مصلحة المستهلك، إذ تتميز هذه الأسماك بمذاق مستساغ، فضلًا عن كونها غنية بالبروتين و”الأوميغا 3″، مما جعلها تحجز مكانًا كأحد الأصناف المفضلة على موائد السوريين.

ومع ذلك، لفت الاختصاصي في بيولوجيا الأسماك إلى أن ظاهرة ظهور “الببغاء” بأعداد كبيرة تظل رهينة التغيرات البيئية والمناخية، مبينًا أن اختفاء أو تبدل أي شرط من الشروط الحياتية سيؤدي حتمًا إلى تناقص أعدادها مستقبلًا.

ونوّه في هذا السياق إلى أن القضم المستمر للشعاب المرجانية من قبل هذه الأسماك سيعود عليها سلبًا، إذ سيتسبب في تقليص المخابئ المتاحة لها، مما يجعلها عرضة للظهور أمام مفترسيها الحيويين.

التوازن البيئي والاستقرار الاجتماعي

الشاوي شدد على أن التذبذب الحاد في أعداد أي نوع سمكي، سواء بالزيادة المفاجئة أو الانخفاض، لا يمكن إغفاله بل يستوجب دراسة علمية معمقة من قبل المختصين.

واعتبر البيولوجي أن هذه التحولات العددية بمثابة مؤشر أولي وحاسم يكشف عن الحالة الراهنة للبيئة البحرية، وما يطرأ عليها من تغيرات.

وبناءً على هذه المعطيات، دعا الشاوي إلى ضرورة حماية النظم البيئية البحرية وصونها كخطوة أساسية لضمان استمرار مهنة الصيد البحري في المنطقة.

وأكد في الوقت ذاته أن الحفاظ على هذا التوازن الحيوي ينعكس بشكل مباشر على المجتمع المحلي، ويسهم في تحقيق استقراره الاقتصادي والاجتماعي.

أصوات الباعة وهتافات المزاد تمتزج برائحة البحر وخيراته في سوق السمك الأثري بمدينة بانياس - 31 تموز 2026 (عنب بلدي/شعبان شاميه)

أسماك للبيع داخل سوق السمك الأثري بمدينة بانياس – 31 تموز 2026 (عنب بلدي/شعبان شاميه)

سمكة “الأسد” تقلق سواحل سوريا

وفي تموز الماضي، فرضت “سمكة الأسد” الغازية نفسها كتهديد صحي وبيئي على شواطئ اللاذقية وطرطوس، عقب رصد إصابات تطلبت تدخلًا طبيًا عاجلًا، وسط دعوات من الخبراء لتوخي الحذر والابتعاد عن العشوائية في التعامل مع هذا الوافد السام.

وتبعًا لتصريح الاختصاصي في بيولوجيا الأسماك، لعنب بلدي، آنذاك، فإن هذا النوع البحري يتميز بامتلاك 18 شوكة سامة توجد على زعانفها.

ويعمل السم المستقر داخل أخاديد الأشواك كمنظومة دفاعية نشطة، تُحقن فورًا عند تعرض السمكة للمس أو محاولة الابتلاع من المفترسات.

وأردف الدكتور الشاوي أن “سمكة الأسد” (ليون فيش) هي نوع غازٍ، وفدت إلى البحر الأبيض المتوسط عبر قناة “السويس” منذ نحو سبع سنوات، إذ نجحت خلال هذه المدة في الاستقرار والانتشار بكثافة.

وعزا البيولوجي انتشار هذه السمكة إلى ثلاثة عوامل رئيسية: وفرة الغذاء الملائم لها بيئيًا، غياب المفترسات أو “العدو الحيوي” الطبيعي الذي يحد من تكاثرها، وتوفر الحواضن والبيئات المناسبة للتكاثر.

سم عصبي يُحاكي لدغة العقرب

وحول التأثير الصحي للدغتها، بيّن الاختصاصي أن الأشواك تحتوي على سم عصبي قوي، يتسبب في ظهور أعراض حادة ومؤلمة تُشابه إلى حد كبير أعراض لدغة العقارب.

كما شدد الدكتور الشاوي على ضرورة توجه المصاب بشكل مستعجل إلى أقرب مستشفى، لتلقي الرعاية الطبية والعلاجات المضادة، تجنبًا للمضاعفات.

رصد نوع جديد من الأسماك في بانياس

في تموز 2022، سجلت السواحل السورية ظهور سمكة “Acanthopagrus catenula” النادرة لأول مرة في تاريخها، وسط تحذيرات خبراء البيئة البحرية، آنذاك، من تهديدات محتملة تشكلها على الثروة السمكية المحلية والاقتصادية.

وأكّد خبراء بعد التقصي أن السمكة تنتمي إلى فصيلة “الإسبورات”، ووصلت إلى البحر المتوسط قادمة من موطنها الأصلي عبر قناة “السويس”، وهي تشبه نوع “القجاج” المحلي إلى حد كبير، لكنها تختلف عنه في ألوان زعانفها.

ويرجع السبب الرئيسي لظهور هذا النوع إلى التغيرات البيئية المتسارعة في مياه البحر الأبيض المتوسط، وارتفاع حرارة المياه لتصبح قريبة من درجات حرارة المياه الاستوائية، إذ وفر هذا التحول ظروفًا ملائمة جدًا لهجرة واستيطان أسماك المياه الدافئة والمدارية.

كما تتميز عائلة “الإسبورات” بأنها أسماك لاحمة، ويؤدي دخول هذا الوافد الجديد إلى منافسة الأسماك المحلية على الغذاء، ومناطق العيش، وفرص التكاثر.

ويكمن الخطر الأكبر في تهديد الأسماك ذات القيمة الاقتصادية، إذ قد تتغذى السمكة الجديدة على يرقاتها وأصبعياتها الصغيرة.

بين الأنواع المحلية والغازية

تداولت صفحات محلية عبر مواقع التواصل الاجتماعي خلال السنوات الماضية صورًا لعدة أنواع من الأسماك جرى اصطيادها على شواطئ مدينة بانياس بريف محافظة طرطوس، مما أثار تساؤلات حول طبيعتها وموطنها الأصلي.

ومن بين هذه الأنواع، برزت سمكة “كلب البحر” التي يتراوح طولها بين 50 و70 سنتيمترًا.

ويؤكد مختصون أن هذه السمكة، وهي إحدى فصائل القروش، تعد من الأنواع الغضروفية المحلية المتواجدة بشكل طبيعي ودائم في المياه السورية، ولا تصنف كنوع غريب أو وافد.

كما شهدت شواطئ بانياس أيضًا اصطياد سمكة “القط البحري السام”، المتميزة بوجود ستة شوارب في مقدمة وجهها (ثلاثة على كل جانب).

وتصنّف ضمن الأنواع الغازية السامة التي هاجرت من موطنها الأصلي في البحر الأحمر إلى البحر الأبيض المتوسط عبر قناة “السويس”.




×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة