برنامج “صناعة سورية” لدعم المنشآت.. هل يتجاوز “الإطار النظري”

أحد المنشآت الصناعية في مدينة حسياء الصناعية في حمص- 2 حزيران 2026 (سانا)

camera iconإحدى المنشآت الصناعية في مدينة حسياء الصناعية بحمص - 2 حزيران 2026 (سانا)

tag icon ع ع ع

في إطار توجه وزارة الاقتصاد والصناعة السورية لدعم المنشآت الصناعية ورفع كفاءتها الإنتاجية، أصدر وزير الاقتصاد والصناعة، نضال الشعار، القرار رقم “136” القاضي بإطلاق برنامج وطني شامل باسم “صناعة سورية”، بهدف توسيع قاعدة الإنتاج المحلي وتنمية الصادرات، وفق شروط معينة مع الالتزام بالمواصفات القياسية السورية ومعايير الجودة.

يخضع البرنامج، بحسب الوزارة، لتقييم سنوي يتيح تعديل مسارات الدعم بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية، فيما يشترط للانضمام إليه أن تكون المنشأة مرخصة أصولًا أو في طور التسوية التشغيلية، وأن تبلغ نسبة المحتوى المحلي (القيمة المضافة) في المنتج النهائي 40% على الأقل.

منهجية موحدة لتقييم المنتجات

أوضح معاون زير الاقتصاد والصناعة، محمد ياسين حورية، لعنب بلدي، أن المنتج المؤهل ضمن برنامج “صناعة سورية” سيحصل على شعار البرنامج، وهوية رقمية موثقة ورمز “QR”، إلى جانب إدراجه في الدليل الوطني للمنتجات، مع دعم ظهوره والترويج له، وربطه تدريجيًا ببرامج التصدير والتوطين، والمزايا الصناعية التي تعتمدها الجهات المختصة.

وبيّن حورية أن تقييم المنتجات سيُحتسب وفق منهجية موحدة وموثقة تعتمد على مدخلات المنتج ونسبة القيمة المضافة داخل سوريا، مع التحقق من البيانات فنيًا ومستنديًا، مشيرًا إلى أن البرنامج يراعي طبيعة الصناعة من خلال ثلاثة مسارات، هي “A” للمدخلات المحلية، و”B” للمدخلات الاستراتيجية المستوردة التي لا تتوافر محليًا، و”C” للتأهيل ورفع المحتوى المحلي تدريجيًا.

ولفت إلى أن إطلاق البرنامج سيتم بصورة تدريجية، وفق القدرة الفعلية على التقييم والمتابعة، مع إعطاء الأولوية للقطاعات ذات الأثر الاقتصادي وسلاسل القيمة، ومنها الصناعات الغذائية والمعدنية ومواد البناء والنسيج والألبسة والأحذية والبلاستيك والكيميائيات والصناعات الهندسية والتحويلية، على أن يتوسع لاحقًا ليشمل بقية القطاعات.

وأضاف أن البرنامج يستهدف زيادة المحتوى المحلي وتعزيز فرص التصدير، موضحًا أن المؤشرات التشغيلية ستظهر منذ المرحلة الأولى، بينما سيجري قياس الأثر الاقتصادي للبرنامج بصورة دورية وسنوية.

وأكد حورية أن البرنامج يعتمد نموذجًا تشغيليًا ورقميًا مرنًا، مع إخضاع الرسوم والمزايا لآليات معلنة، مشيرًا إلى أن الشفافية ستُعزز من خلال الفصل بين التقييم الفني واتخاذ القرار والتحصيل المالي، إلى جانب توثيق العمليات إلكترونيًا، واعتماد لجنة للإقرار وسجل مالي ورقمي.

تحديات تعوق قدرة الصناعة المحلية  

لا تزال الصناعة في سوريا تواجه عددًا من التحديات، في مقدمتها منافسة المستوردات، وارتفاع تكاليف الطاقة، وصعوبة تصريف المنتجات، وسط مطالبات بتعزيز دعم الإنتاج المحلي.

وفي هذا السياق، قد يمثل إطلاق البرنامج خطوة نحو مساعدة الصناعة السورية على استعادة نشاطها وتعزيز قدرتها على المنافسة.

وأوضح الصناعي محمد أورفه لي، في حديث إلى عنب بلدي، أن أي خطوة إيجابية تصب في مصلحة الصناعة ستنعكس بالضرورة على الاقتصاد، مشيرًا إلى أن هذه الخطوات لن تنهي أزمة الصناعة بشكل فوري، لكنها تعني أن البلاد بدأت تسير في الاتجاه الصحيح.

وبيّن أورفه لي أن أبرز التحديات التي تواجه الصناعة السورية حاليًا تتمثل في دخول البضائع من مصادر وأسواق مختلفة، ولا سيما البضائع الناتجة عن تصفيات المصانع والمرتجعات، موضحًا أن طرح هذه السلع بأسعار تقل عن كلفتها، يترك أثرًا سلبيًا على المصانع السورية، ويحد من قدرتها على بيع منتجاتها في السوق المحلية.

وأشار إلى أن ملف الطاقة وأسعارها يأتي في المرتبة الثانية بين أبرز التحديات التي تواجه الصناعيين، لافتًا إلى أن هذا الملف تتم معالجته حاليًا بالتعاون مع الشركة السورية للبترول، من خلال لجنة الطاقة والغاز الطبيعي في غرفة صناعة دمشق وريفها.

القاعدة الأساسية التي ينبغي الالتزام، وفق أورفه لي، هي: “ممنوع ثم ممنوع ثم ممنوع أن يربح المستورد أكثر من الصناعي”، لأن استمرار هذا الواقع، بحسب رأيه، سيؤدي إلى توقف المصانع وتحول السوق نحو الاستيراد بدل الإنتاج المحلي.

وفيما يخص المشكلة الأساسية التي تواجه المصانع السورية في الوقت الحالي، نوه أورفه لي، إلى تصريف منتجاتها وبيعها، معتبرًا أن إحصاء أعداد المصانع التي لم تجدد عضويتها في غرف الصناعة يمكن أن يكشف حجم هذه المشكلة.

وأضاف أن كل إجراء يسهم في زيادة مبيعات المصانع وتعزيز قدرتها على تصريف منتجاتها، سيمنح الصناعة السورية قدرة أكبر على مواجهة تدفق المستوردات والمنافسة في السوق المحلية.

وختم بأن تسليط الضوء على المشكلات التي تواجه الصناعة وتشخيصها بشكل دقيق، إلى جانب تقديم الدعم الصناعيين لبيع منتجاتهم، سيتيح للمصانع استعادة نشاطها وتغطية تكاليفها وأعبائها الثابتة، وصولًا إلى تعزيز قدرتها على التصدير والمنافسة.

نجاح البرنامج مرتبط بأهداف واضحة 

تحتاج مثل هذه البرامج إلى رؤية واضحة وأهداف محددة، إلى جانب جدول زمني للتنفيذ، بما يضمن قياس النتائج ومدى تحقيق الغايات الموضوعة، ويسهم في الارتقاء بمستوى الصناعة السورية.

يرى الباحث الاقتصادي عمار يوسف أن إطلاق برنامج “صناعة سورية” يطرح تساؤلات حول الإمكانيات والإجراءات التي ستُخصص لتنفيذه، ومدى اختلافه عن برامج سابقة بقيت، بحسب رأيه، في إطارها النظري دون أن تنعكس بإجراءات عملية على أرض الواقع.

وأوضح يوسف، لعنب بلدي، أن نجاح البرنامج يرتبط بوجود أهداف واضحة وصحيحة، ونتائج محددة بزمن ومدة تنفيذ، معتبرًا أن التحديات الكبيرة التي تواجه الصناعة السورية، وفي مقدمتها سعر الصرف، وحوامل الطاقة، وآليات التسويق الداخلي والخارجي، يجب أن تؤخذ بالاعتبار قبل الحكم على قدرة البرنامج على النهوض بالقطاع الصناعي.

وأشار إلى أن البرنامج، في حال استند إلى معطيات صحيحة وحظي بدعم حكومي فعلي، يمكن أن يسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، لافتًا إلى أن الصناعة السورية تمتلك القدرة على إنتاج جزء كبير من المستلزمات الأساسية، ما قد يساعد على تعزيز الاكتفاء الذاتي في بعض القطاعات.

واعتبر يوسف أن دعم المنشآت الصناعية ورفع كفاءتها الإنتاجية، يمكن أن ينعكس على خفض أسعار المنتجات وخلق فرص عمل جديدة، إضافة إلى دعم النمو الاقتصادي.

وحذر من أن أكبر المخاطر التي قد تواجه البرنامج تتمثل في عدم قدرة الحكومة على تأمين المستلزمات اللازمة لدعمه، ولا سيما أن ارتفاع تكاليف الإنتاج يجعل المنتج السوري أغلى من المنتجات المستوردة من دول الجوار، مثل تركيا والأردن، إضافة إلى المنتجات الصينية.

وعن نجاح البرنامج، أكد الباحث الاقتصادي بأنه يقاس بمدى قدرة المنتج المحلي على منافسة المنتجات المستوردة، وانخفاض تكلفته وأسعاره، وعدد فرص العمل التي يوفرها للمواطنين، إلى جانب قيمة الصادرات التي تتحقق بدعم من البرنامج، لافتًا إلى أن الحكم على نتائج البرنامج يحتاج إلى فترة زمنية كافية، لا تقل عن عام إلى عام ونصف من بدء تطبيقه فعليًا.

وختم يوسف بأن الحديث عن مشاريع لدعم الصناعة في المرحلة الحالية قد يكون سابقًا لأوانه، معتبرًا أن مفهوم “دعم الصناعة” لا يزال فضفاضًا.

ويرى يوسف، من وجهة نظره، أن الحكومة غير قادرة حاليًا على تنفيذ مثل هذه المشاريع، مشيرًا إلى أنها تبدو أقرب إلى مشاريع حالمة منها إلى مشاريع فعلية قابلة للتطبيق على أرض الواقع.




×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة