
قطف عينات مائية في منطقة الدريكيش بريف طرطوس لفحص سلامتها بالتزامن مع موسم عصر الزيتون - 20 تشرين الأول 2025 (مديرية الموارد المائية في طرطوس/فيسبوك)

قطف عينات مائية في منطقة الدريكيش بريف طرطوس لفحص سلامتها بالتزامن مع موسم عصر الزيتون - 20 تشرين الأول 2025 (مديرية الموارد المائية في طرطوس/فيسبوك)
طرطوس – شعبان شاميه
لم تنجح الكتب والمراسلات والإجراءات التي اتخذتها الجهات المعنية في طرطوس، على مدار سنوات، في منع وصول مياه “الجفت” الناتجة عن معاصر الزيتون إلى مصادر مياه الشرب والري في معظم مناطق المحافظة.
وتتجدد دعوات الأهالي مع بداية كل موسم لتشديد الرقابة على عمل هذه المعاصر، وإلزامها بترحيل المخلفات إلى الأماكن المخصصة لها، بدلًا من إلقائها في “ريغارات” الصرف الصحي أو في أسرّة الأنهار والوديان، حفاظًا على سلامة البيئة والثروة المائية وضمان استمرارية ضخها للمواطنين.
وتأتي هذه المخاوف نتيجة لتكرار حوادث خروج آبار وينابيع حيوية عن الخدمة بسبب ملوثات معاصر الزيتون، ما يتسبب في حرمان آلاف السكان من مياه الشرب.
فماذا عن موسم 2026؟ وما الإجراءات التي ستقوم بها محافظة طرطوس لمنع تكرار هذه الأزمة؟ وهل سنشهد هذا العام حلولًا جدية تنهي مسلسل التلوث السنوي؟
كشف مدير الزراعة في طرطوس، محمد عدنان أحمد، أن إجمالي عدد المعاصر العاملة على مستوى المحافظة يبلغ 248 معصرة موزعة في مختلف المناطق، منوهًا إلى أن منطقة صافيتا تستحوذ على العدد الأكبر منها بواقع 86 معصرة.
وحول الإجراءات القانونية والبيئية الناظمة لعمل هذه المنشآت، حذر أحمد، في حديث إلى عنب بلدي، من أنه سيتم إغلاق أي معصرة لا تلتزم بالتوزيع الآمن لماء “الجفت”، مبينًا أن قرار الإغلاق يصدر مباشرة عن المحافظ، بناء على اقتراح ترفعه لجنة المعاصر في المحافظة.
كما أشار مدير زراعة طرطوس إلى آليات للاستفادة من المخلفات التصنيعية لمعاصر الزيتون، إذ يتم تحويل تفل الزيتون (العرجوم) إلى قوالب تستخدم لأغراض التدفئة، بينما يتم في معاصر أخرى إعادة عصره للمرة الثانية، لاستخراج زيت مخصص لصناعة الصابون.
عن المخاطر الكيميائية والبيئية، أكد مدير الموارد المائية في طرطوس، محمد محرز، في حديث إلى عنب بلدي، أن تسرب مياه “الجفت” يتسبب بشكل رئيس في رفع “الحمل العضوي” بمياه الشرب.
محرز كشف أن الفحوصات المخبرية تظهر قفزة في مؤشر الأكسجين المستهلك كيميائيًا (COD)، ليتجاوز بكثير الحد المسموح به والمحدد بـ”3 ppm”، علمًا أن قيمته في مياه “الجفت” الصرفة تصل إلى نحو 76,000.
كما نبه إلى ارتفاع نسب الشوارد المغذية في مياه الشرب فوق الحدود المسموح بها، والتي تشمل: شوارد النترات، النتريت، الفوسفات، الأمونيوم.
وأضاف مدير الموارد المائية أن هذا التلوث يؤدي أيضًا إلى ارتفاع في أعداد “العصيات البرازية” نتيجة البيئة العضوية المغذية التي توفرها مياه “الجفت” الممددة، إلى جانب احتمالية الارتفاع الحاد في مؤشر “الفينولات” السامة.
ولفت إلى أن هذا المؤشر لا يتم قياسه في مخابر المديرية حاليًا لعدم توفر الجهاز اللازم.
وإلى جانب هذا الأثر السلبي، أضاف محرز أن التلوث يتسبب كذلك في تغير كامل بلون المياه ورائحتها، مما يجعلها غير صالحة للاستهلاك البشري.
في سياق متصل بهذه المعطيات الخطيرة، شدد محرز على ضرورة الالتزام التام بالضوابط والشروط البيئية، مؤكدًا أهمية منع وصول هذه المخلفات إلى المصادر المائية لتفادي المخاطر المذكورة وضمان سلامة مياه الشرب.
وفي معرض حديثه عن الإجراءات الحمائية، قال إنه رغم عدم توفر حل جذري ومثالي لهذه الأزمة حتى الآن، إلا أن هناك مجموعة من الضوابط الصارمة الكفيلة بالتخفيف من حدة تلوث مياه الشرب بـ”الجفت”، مشددًا على ضرورة الالتزام بها لحماية المخزون المائي.
وحذر بشكل قطعي من صرف هذه المخلفات في شبكات الصرف الصحي، أو التكهفات الجيولوجية والآبار، منبهًا إلى خطورة تفريغها في الوديان ذات الأقماع النافذة، أو بحيرات السدود، وحرم مصادر المياه من آبار وينابيع وغيرها، والمحددة وفق الأنظمة والقوانين النافذة.
فيما يتعلق بآليات الرقابة والمحاسبة، ذكر مدير الموارد المائية بطرطوس أن التعامل مع المخالفين والتجاوزات سيتم عبر لجان مختصة جرى تشكيلها في المحافظة لهذا الغرض.
وتابع أن هذه اللجان تضم ممثلين عن جميع الجهات المعنية، وتتولى مهام رصد المخالفات واقتراح العقوبات المناسبة بحق مرتكبيها، ومن ثم رفعها إلى المحافظ لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وحول الهيكلية التنظيمية وعمل هذه اللجان، بيّن أن مهامها تتوزع على مسارين رئيسين، إذ تُعنى فرق المسار الأول بالكشف الاستباقي على جاهزية المعاصر قبل البدء بموسم الاستثمار، وذلك للتحقق من سلامة المنشآت وضمان عملها بشكل آمن.
أما المسار الثاني، بحسب محرز، فيتمثل في لجان المراقبة الميدانية المستمرة في أثناء فترة الاستثمار، والتي تتركز مهمتها في متابعة سير العمل اليومي للمعاصر، والتأكد من التزامها بالشروط الفنية المعتمدة، وتطبيق الطرق الآمنة للتخلص من مياه “الجفت” والمخلفات الأخرى دون الإضرار بالبيئة.
في إطار الإجراءات الوقائية، استعرض محرز خارطة الأماكن المقترحة لتوزيع وتصريف مخلفات المعاصر في المحافظة، واضعًا بدائل علمية ومقسمة وفق أولويات محددة.
وأفاد بأن مناطق الغابات والأحراج الواقعة خارج نطاق الحظر تأتي كخيار رئيس، إذ يُسمح بنشر مياه “الجفت” ورشها على جوانب الطرق الحرجية لضمان توزيعها على أكبر مساحة ممكنة، محذرًا من صبها في نقطة واحدة لما يسببه ذلك من تسرب سريع إلى طبقات المياه الجوفية.
أما الخيار الثاني فهو استغلال مياه “الجفت” كسماد عضوي سائل للأراضي الزراعية المشجرة، لأنها غنية بالمواد المغذية للتربة، بشرط أن تُرش على مسافة آمنة تبعد ما بين 80 و90 سنتمترًا عن ساق الشجرة، مستندًا في ذلك إلى قاعدة علمية مفادها أن “قليلها سماد وكثيرها ضار”.
وفي حال تعذر تطبيق الخيارين السابقين، أشار محرز إلى إمكانية اللجوء للخيار الثالث المتمثل في الرش السطحي الحذر في الأراضي المفتوحة الواقعة خارج مناطق المنع، ولكن ضمن محددات صارمة.
وتشمل هذه المحددات الابتعاد الكلي عن المناطق الجيولوجية التي تحتوي على تكهفات أو أقماع نافذة، إضافة إلى تجنب السكب التراكمي لتقليص احتمالات نفاذ المخلّفات إلى باطن الأرض.
وشدد مدير الموارد المائية على منع التخلص من المخلفات نهائيًا في أي مواقع تسببت في مشكلات تلوث خلال المواسم السابقة، مؤكدًا أن هذه المواقع مرصودة بدقة من قبل الوحدات الإدارية والإرشادية في محافظة طرطوس لتفادي تكرار الأزمات البيئية.
مراسل عنب بلدي في طرطوس رصد المطالب والتحديات الراهنة لأصحاب المعاصر في مناطق المحافظة، إذ تركزت على ضرورة إعادة النظر في آلية حساب الضرائب المفروضة عليهم، مؤكدين أن الأرقام الحالية لم تعد تتناسب مع حجم الضغوط الاقتصادية التي يواجهونها.
ولم تقف المطالب عند حدود الضرائب، بل امتدت لتشمل استمرار عمل منشآتهم وتأمين لقمة عيشهم، إذ دعا أصحاب المعاصر إلى رفع أجور عصر الزيتون بشكل ينقذهم من الخسارة، ويعوض الارتفاع الحاد في تكاليف الإنتاج والتشغيل، بحسب تعبيرهم.
وفي محاولة لإيجاد مخرج للمأزق البيئي الذي يلاحقهم، شددوا على أن الحل لا يكمن في الملاحقة والمخالفات، بل في تأمين محطات معالجة مخصصة لمياه “الجفت”، سواء كانت محطات مكانية صغيرة أو مركزية، كخطوة فعلية تُنهي هذه المعضلة البيئية من جذورها، وتخفف الأعباء المتراكمة عن كاهلهم.
حول إجراءات الموارد المائية الكفيلة بضمان نجاح هذه العملية، أكد مدير الموارد المائية في المحافظة تنظيم جولات ميدانية مكثفة إلى المعاصر، للكشف على الخزانات المخصصة لتجميع مياه “الجفت”، والتحقق من حجمها الاستيعابي ومدى كتامتها، فضلًا عن التأكد من توفر المعدات اللازمة لترحيل المخلفات، كوجود صهاريج نقل مخصصة أو شبكات أنابيب مهيّأة لهذا الغرض.
تشمل الجولات أيضًا تحديد المناطق المستهدفة لرش مياه “الجفت” ومطابقتها للاشتراطات الفنية المعتمدة، بالتوازي مع توجيه إرشادات مباشرة لأصحاب المعاصر بخصوص المحظورات البيئية وطرائق التخلص الموصى بها، على أن تستمر هذه الجهود بمتابعة حثيثة لتطبيق كل ما تم الاتفاق عليه طوال موسم العصر والإنتاج.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى