عبء التحالف الأمريكي- الإسرائيلي وتحول المزاج الشعبي

tag icon ع ع ع

لمى قنوت

مرت اتجاهات الرأي العام في الولايات المتحدة الأمريكية بعملية تراكمية تم خلالها إعادة تقييم الدعم العسكري والدبلوماسي المطلق والمتواصل لإسرائيل، مدفوعة بجرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبها الاحتلال في قطاع غزة والتطهير العرقي في الضفة، وقمع الحراك الطلابي الذي طالب بمساءلة المؤسسات الجامعية على شراكاتها مع الاحتلال والمجمع العسكري الداعم له، وسعي اليسار التقدمي في المجتمع المدني الأمريكي لربط المظالم المحلية الاقتصادية والعرقية في الولايات المتحدة مع القضية الفلسطينية خصوصًا في الوعي الجمعي الشبابي، الأمر الذي جعل العلاقة نفسها بين الولايات المتحدة وإسرائيل موضع مساءلة سياسية وأخلاقية وقانونية متصاعدة على مستويات أخرى.

في حين ركز النقد التقدمي في الولايات المتحدة على دورها المتواطئ في حرب الإبادة الإسرائيلية ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، ومناهضة الحرب على أسس أخلاقية، يتمحور منطق تيار “ماغا” (MAGA) المرتبط بترامب، والذي يرفع شعار “أمريكا أولًا”، حول إنهاء حروب الولايات المتحدة، والإنفاق الدولي والالتزامات الخارجية، ويشمل ذلك المساعدات والتمويلات والبرامج، وبضمنها تسليح إسرائيل، وانعكاس ذلك على دافعي الضرائب والمصلحة الأمريكية.

وتصاعد التوتر في تيار “ماغا” بعد الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران وتوقيع مذكرة التفاهم معها، والتي صبت أغلب بنودها في مصلحة الأخيرة. وقد تقاطع الخطابان، أي الخطاب التقدمي وخطاب “ماغا”، في رفض الدعم غير المشروط لإسرائيل، ونقل العلاقة والسياسة بينهما من قضية نخبوية خارجية إلى قضية داخلية شعبية.

من “حق الدفاع” إلى نتائج الحرب

قبل “7 أكتوبر”، كان هناك تباين خطابي بين إدارة بايدن وإسرائيل حول بعض الملفات في أيار 2023، مثل توسع الاستيطان في الضفة الغربية، الذي كانت ترى فيه “عائقًا أمام حل الدولتين”، وتعارضًا مع “التزامات إسرائيل تجاه إدارة بايدن”.

وخلال الأشهر الأولى، بعد “7 أكتوبر”، وصف بايدن الالتزام الأمريكي بأمن إسرائيل بأنه ثابت “راسخ/  Ironclad” لا يتزحزح، وافتخر بأنه الرئيس الوحيد الذي زارها خلال الحرب.

لكن في آذار 2024، ميز استطلاع للرأي العام الأمريكي بين الالتزام بأمن إسرائيل وتأييد ما تفعله إسرائيل عسكريًا، ووجد مركز “Pew” أن 58%  من الأمريكيين اعتبروا أن قتال إسرائيل ضد حركة “حماس” مبرر، لكن الجمهور الأمريكي كان أكثر انقسامًا حول سلوك إسرائيل في الحرب، ويقول 38% إنه مقبول، بينما يعتبره 34% غير مقبول. وانقسم الأمريكيون بالتساوي تقريبًا، بشأن المساعدة العسكرية لإسرائيل، فقد أيدها 36%، مقابل 34% عارضوها (ص48 من التقرير).

وفضلًا عن ذلك، فقد دعا 61% من الناخبين المحتملين، في استطلاع لـ”Data for Progress” أجري بين 22 و25 من تشرين الثاني 2023، إلى وقف دائم لإطلاق النار وخفض العنف في غزة، وفضّل 49% منهم استخدام العلاقات الدبلوماسية لخفض التصعيد وإطلاق سراح الرهائن، وعبّر 31% عن أهمية إرسال مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة، و 24% صوتوا على إرسال مساعدات عسكرية وأسلحة إضافية إلى إسرائيل، و11% صوتوا لإرسال قوات أمريكية لمساعدة إسرائيل في حربها على القطاع، والأهم هو موافقة 63% على أن الولايات المتحدة ينبغي ألا تقدم مساعدات عسكرية لإسرائيل إلا إذا التزمت بمعايير “حقوق الإنسان الأمريكية”.

بينما كانت الإدارة الأمريكية آنذاك تتحدث عن وقف إطلاق نار مؤقت، واستخدمت “الفيتو” ست مرات في مجلس الأمن ضد مشاريع قرارات تتعلق بقطاع غزة، آخرها مشروع يطالب بوقف فوري وغير مشروط ودائم لإطلاق النار في غزة، ويطالب إسرائيل برفع جميع القيود المفروضة على إيصال المساعدات إلى القطاع، وذلك في أيلول 2025.

كما هدد وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، بتفكيك المحكمة الجنائية الدولية “لبنة لبنة” وتشديد العقوبات على المحكمة والمنظمات التابعة لها وحظر سفر موظفيها وإلغاء التأشيرات، وقد سبق لواشنطن أن وضعت عقوبات على تسعة من قضاة المحكمة الجنائية الدولية، كتدابير انتقامية، على خلفية التحقيق بجرائم حرب ارتكبتها إسرائيل في قطاع غزة، تشمل استخدام التجويع كسلاح حرب، وجرائم ضد الإنسانية، والمتمثلة في القتل والاضطهاد وغيرهما من الأفعال غير الإنسانية، وأصدرت مذكرة توقيف بحق بنيامين نتانياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

مأزق “أيباك”

تعد لجنة الشؤون العامة الأمريكية- الإسرائيلية (أيباك) واحدة من مؤسسات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، وقد تم تأسيسها في أواخر عام 1953. وحتى عام 2021، كان جمع الأموال للمرشحين السياسيين يتم عبر أعضائها ومتبرعين أثرياء بشكل فردي أو من خلال لجان العمل السياسي غير التابعة لها، إلى أن أسست “أيباك” لجان العمل السياسي (AIPAC PAC) في نفس العام، لتتمكن من الإنفاق نيابة عن المرشحين المؤيدين لإسرائيل، ولتحافظ على نفوذها في “الكونجرس”.

وأنشأت أيضًا في الفترة نفسها لجنة سياسية كبرى بعنوان “مشروع الديمقراطية المتحدة” (UDP)، بهدف توسيع قدرة الشبكة المؤيدة لإسرائيل على الإنفاق الانتخابي، وهي تختلف عن لجان العمل السياسي في الأداة والقيود، فهي تستطيع من خلال الأخيرة إنفاق مبالغ غير محدودة على إعلانات لدعم مرشحين أو مهاجمة آخرين، وبضمنهم التقدميون.

وبذلك أصبح هذا الإنفاق إحدى أهم أدواتها للتأثير في تركيبة “الكونجرس” ومواقف أعضائه من إسرائيل.

تحولت “أيباك” في السنوات الأخيرة إلى واحدة من أكبر المنفقين في الانتخابات الأمريكية، إذ ارتفع مبلغ إنفاق لجان العمل السياسي، في الانتخابات التمهيدية لـ”الكونجرس” من 29.3 مليون دولار إلى 67.2 مليون دولار، أنفقت منها، مثلًا، 32 مليون دولار لمنع فوز عبد الرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، وتضمن المبلغ عشرة ملايين دولار لدعم منافسته النائبة هيلي ستيفنز، و22 مليونًا لتشويه صورته أمام الناخبين، ورغم ذلك فاز في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، بعد أن بنى حملته على ملفات الرعاية الصحية الشاملة، وإصلاح نظام تمويل الحملات الانتخابية، ووقف المساعدات العسكرية لإسرائيل.

ولعل من المفيد ذكر أن زهران ممداني، عمدة مدينة نيويورك، كان قد وصف “أيباك” ولجان العمل السياسي التابعة لها، خلال تجمع انتخابي في بروكلن، منتصف حزيران الماضي، بـ”وحوش تُحرّك ملايين الدولارات من الأموال المشبوهة لتحقيق هدف واحد، وهو الحفاظ على سلطتها، وذلك لكي تتمكن من تحويل الأمريكيين ضد بعضهم بعضًا، بدلًا من أن يتجه قادتهم نحو التغيير الأخلاقي الذي يعلم الجميع أنه ضروري”، كما وصفها بأنها كيان “لا يخيفه سوى أمر واحد أكثر من السماح للديمقراطية بالسير في مسارها الطبيعي، وهو إنهاء الإبادة الجماعية وحروب نتنياهو”.

مع تصاعد الانتقادات ضد المال السياسي في الولايات المتحدة، وصعود التقدميين، وازدياد الرأي العام السلبي تجاه إسرائيل، وخاصة من قبل الشباب، والذي وصل إلى 60%، بحسب استطلاع أجراه معهد “بيو” في آذار الماضي، أصبح رفض السياسات الإسرائيلية، وحروبها وجرائمها المستمرة، موقفًا انتخابيًا قابلًا للفوز.

لقد دخلت العلاقة الأمريكية- الإسرائيلية مرحلة ما بعد الإجماع السياسي غير المشروط، فرغم التعاون الأمني والعسكري الوثيق، والحماية السياسية والقانونية لمجرمي الحرب الإسرائيليين، وقدرة اللوبي الصهيوني على حشد الدعم بكل أشكاله للمرشحين، والتغلغل والتأثير في المؤسسات الأمريكية، فإن العلاقة مع إسرائيل أصبحت أكثر قابلية لأن تتحول إلى قضية خلافية في السياسة الداخلية الأمريكية.

ويمكن القول إن مرحلة ما بعد “7 أكتوبر” وحتى الحرب الأمريكية- الإسرائيلية ضد إيران، دفعت بمسار العلاقة بينهما، بعد الانخراط العسكري الأمريكي المباشر، إلى تساؤل طيف واسع من الناخبين الأمريكيين، نساء ورجالًا، عن معنى دعم إسرائيل غير المشروط، والتكلفة التي يتحملها الأمريكيون نتيجة ذلك، ومصالح بلادهم الوطنية، بمعنى أن العلاقة انتقلت من مرحلة الإجماع التقليدي إلى مرحلة إثبات جدوى التحالف.




×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة