
أهالي غويران يستقبلون وفدًا من وزارة الدفاع السورية في مسجد الحي - 4 أيلول 2026 (مديرية إعلام الحسكة)

أهالي غويران يستقبلون وفدًا من وزارة الدفاع السورية في مسجد الحي - 4 أيلول 2026 (مديرية إعلام الحسكة)
شهد مسجد غويران في مدينة الحسكة، الجمعة 4 من أيلول، زيارة لوفد من وزارة الدفاع السورية ضم عددًا من أبناء حي غويران، بينهم قيادات عسكرية ومشاركون في معركة “ردع العدوان”، في زيارة وصفها أهالي الحي بأنها الأولى من نوعها منذ سنوات، وأعادت إلى الواجهة تاريخ الحي الذي كان خلال سنوات الثورة السورية مسرحًا لتحولات عسكرية وأمنية متعاقبة.
وأدى الوفد صلاة الجمعة في المسجد، وسط حضور لافت من المصلين واستقبال وترحيب من أهالي الحي ورواد المسجد، الذين تحدثوا إلى أعضاء الوفد عقب الصلاة، معبرين عن فرحتهم بعودة أبناء غويران إلى مسجدهم ولقائهم بأهاليهم بعد سنوات طويلة من الانقطاع.
وتكتسب الزيارة أهمية خاصة بالنسبة لأبناء الحي، وسط المكانة الدينية والاجتماعية التي يحتفظ بها المسجد، وارتباطه ببدايات الحراك الشعبي في الحسكة خلال عام 2011، إذ كان المسجد من الأماكن التي انطلقت منها المظاهرات المناهضة للنظام السابق، قبل أن يتحول الحي خلال السنوات التالية إلى ساحة لمعارك بين أطراف عسكرية متعددة، ثم إلى منطقة خاضعة لسيطرة “وحدات حماية الشعب” و”قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) لاحقًا.
وتأتي الزيارة في وقت تشهد فيه محافظة الحسكة تغيرات في وضعها العسكري والأمني والإداري، بالتزامن مع مسار الاتفاقات المتعلقة بدمج مؤسسات “قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، وسط تطلعات من سكان غويران إلى أن تنعكس هذه التطورات على الوضع الأمني والخدمي في الحي.
يحتفظ أبناء غويران بذاكرة مرتبطة بالمساجد والمظاهرات التي شهدها الحي في السنوات الأولى من الثورة السورية. وقال أحد أبناء الحي، “جاسم. أ”، إن المسجد الذي دخله أفراد من الجيش السوري، كان منطلقًا لأول مظاهرة في محافظة الحسكة للمطالبة بإسقاط النظام السابق.
وقال جاسم، لعنب بلدي، إن المسجد تعرض خلال سنوات الثورة للاستهداف عدة مرات، وشهد مظاهرات وصلت صورها إلى وسائل إعلام عالمية، كما كان مكانًا لتشييع عشرات الضحايا من أبناء الحي.
وأضاف أن زيارة الوفد وإقامة صلاة الجمعة في المسجد أعادت إلى الأهالي جانبًا من تلك الذاكرة، لكنه ربط استعادة حضور الدولة في الحي بالحاجة إلى الاهتمام بآثار السنوات الماضية، خصوصًا في مجال الخدمات.
وطالب الحكومة بمنح غويران “عناية خاصة” نتيجة الدمار الذي لحق بالحي وبنيته الخدمية، مشيرًا إلى الحاجة إلى تحسين خدمات المياه والكهرباء، وتعزيز الطبابة والمراكز الصحية، وترميم المدارس وإعادة افتتاحها.
وتعكس هذه المطالب جانبًا من واقع حي شهد خلال أكثر من عقد تغيرات متلاحقة في السيطرة العسكرية، رافقها نزوح للسكان، وتضرر للبنية التحتية، وتحولات في استخدام عدد من المنشآت العامة.
يقع حي غويران في القسم الجنوبي من مدينة الحسكة، ويعد من أكبر أحياء المدينة.
ووسط غياب الأرقام الرسمية، يقدر الناشط الإعلامي محمد الأحمد عدد سكانه حاليًا بنحو 60 إلى 70 ألف نسمة، مقابل نحو 40 إلى 50 ألفًا في بداية الثورة.
وأوضح الناشط، لعنب بلدي، أن الحي استقبل خلال سنوات الثورة موجات من النازحين القادمين من دير الزور ومناطق أخرى من الداخل السوري، إضافة إلى نازحين من رأس العين، ما أدى إلى ارتفاع عدد سكانه خلال السنوات الماضية.
بدأ حضور غويران في أحداث الثورة عام 2011، عندما شهد مظاهرات مناهضة للنظام، قبل أن تتدخل قوات النظام وتنفذ حملات اعتقال في المنطقة.
وخلال عام 2012 استمر الحراك في الحي، وشهد تشييع عدد من الضحايا الذين سقطوا برصاص قوات النظام. ومع اتساع رقعة المواجهات في محافظة الحسكة، بدأ الحراك السلمي يتحول تدريجيًا إلى مواجهات مسلحة.
وشهد غويران اشتباكات بين قوات النظام ومقاتلين من فصائل المعارضة المسلحة، بينما شددت قوات النظام انتشارها عند مداخل الحي والجسور المؤدية إليه، بالنظر إلى موقع المنطقة وقربها من منشآت عسكرية وأمنية مهمة.
وخلال النصف الثاني من عام 2012، تمكنت فصائل من المعارضة المسلحة من السيطرة على أجزاء واسعة من الحي، ليخرج غويران للمرة الأولى من السيطرة المباشرة لقوات النظام، ويتحول من أحد مراكز الاحتجاج في الحسكة إلى منطقة نفوذ للمعارضة المسلحة.
لكن السيطرة العسكرية على الحي لم تستقر خلال السنوات اللاحقة، إذ شهد عام 2014 اشتباكات متكررة بين فصائل المعارضة وقوات النظام، إلى جانب تعرضه للقصف، ما تسبب في سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين والمقاتلين، إضافة إلى نزوح سكان من مناطق المواجهات.
وفي أيلول من العام نفسه، حاولت قوات النظام التقدم داخل أجزاء من الحي من جهة السجن المركزي، قبل أن تتمكن فصائل المعارضة من صد التقدم واستعادة بعض المواقع.
وبقي موقع غويران حساسًا بسبب قربه من السجن المركزي والمنشآت الحكومية والأمنية والعسكرية في محيطه، وهو ما جعل الحي حاضرًا في المعارك التي شهدتها مدينة الحسكة خلال تلك الفترة.
شهد عام 2015 دخول تنظيم “الدولة الإسلامية” إلى معادلة الصراع العسكري في محافظة الحسكة، ما أدى إلى اتساع نطاق العمليات العسكرية ونزوح أعداد كبيرة من السكان من المدينة وأحيائها.
أعقب هذه التطورات، سيطرة قوات النظام السابق على الحي، وخروج مقاتلي المعارضة المسلحة منه، تلاه موجة اعتقالات لعدد كبير من أبناء الحي الناشطين في الحراك الثوري، قبل أن يُعلن لاحقًا عن وفاتهم في سجون النظام بـ “أزمات قلبية”، وفق ما ادعى النظام السابق.
لكن التحول الأكبر في وضع غويران جاء خلال معركة الحسكة عام 2016، عندما اندلعت مواجهات واسعة بين قوات النظام و”وحدات حماية الشعب”، التي أصبحت لاحقًا العمود الأساسي في تشكيل “قسد”.
وشملت المواجهات أحياء عدة من المدينة، وانتهت إلى تغير كبير في خريطة السيطرة. وبحلول نهاية المعركة، كانت قوات النظام محاصرة داخل المربع الأمني وسط الحسكة، بينما أصبحت مناطق واسعة من المدينة، وبينها غويران، ضمن نطاق سيطرة الوحدات الكردية.
ومنذ ذلك الوقت، دخل الحي مرحلة جديدة، وأصبح جزءًا من المناطق التي كانت تديرها “الإدارة الذاتية” في شمال شرقي سوريا، واستمر هذا الوضع لسنوات.
وخلال هذه المرحلة ارتبط اسم غويران بصورة خاصة بسجن الصناعة، الموجود في الأطراف الجنوبية للحي، والذي كان في الأصل منشأة تعليمية هي الثانوية الصناعية.
ومع سيطرة الوحدات الكردية على المنطقة عام 2016، تغيرت وظيفة المنشأة، وتحولت إلى مركز لاحتجاز عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية” الذين أسرتهم القوات المشاركة في العمليات العسكرية ضد التنظيم.
وبعد انتهاء المعارك ضد التنظيم وسقوط آخر مناطق سيطرته في الباغوز عام 2019، تدفق آلاف المعتقلين إلى سجون “قسد”، وأصبح سجن الصناعة في غويران واحدًا من أبرز مراكز احتجاز عناصر التنظيم.
بلغ الارتباط بين اسم غويران وسجن الصناعة ذروته في كانون الثاني 2022، عندما شن تنظيم “الدولة الإسلامية” هجومًا واسعًا على السجن.
وبدأ الهجوم مساء 20 من كانون الثاني، قبل أن تمتد الاشتباكات من محيط السجن إلى أحياء غويران والزهور ومناطق مجاورة، وتتحول أجزاء من مدينة الحسكة إلى منطقة عمليات عسكرية.
واستمرت المواجهات عدة أيام، ترافقت مع إجراءات أمنية مشددة وإغلاق طرق ونزوح أعداد كبيرة من السكان، في واحدة من أكبر العمليات العسكرية التي شهدتها المدينة منذ سنوات.
وفي 26 من كانون الثاني، أعلنت “قسد” استعادة السيطرة على سجن الصناعة، قبل أن تعلن لاحقًا استكمال عمليات التمشيط في المنطقة.
وأعادت المعركة تسليط الضوء على موقع غويران، الذي تحول خلال سنوات قليلة من حي شهد بدايات الحراك الشعبي في الحسكة ومعارك بين قوات النظام والمعارضة، إلى منطقة خاضعة لسيطرة “قسد” وتضم أحد أكبر مراكز احتجاز عناصر تنظيم “الدولة الإسلامية”.
وأبقى وجود السجن خلال السنوات اللاحقة الحي في حالة استنفار أمني مستمر، في وقت بقي فيه السكان يواجهون آثار سنوات الحرب وتراجع الخدمات وتضرر عدد من المنشآت.
قال أحد أبناء الحي، “سالم. م”، إن غويران شهد بعد تقدم الجيش السوري في بداية عام 2026 داخل محافظة الحسكة وسيطرته على الأرياف تشديدًا أمنيًا من قبل “قسد”، مشيرًا إلى اعتقال عدد من أبناء الحي وفرض حظر تجوال لفترات طويلة.
وأضاف، لعنب بلدي، أن “الشبيبة الثورية” مارست خلال تلك الفترة ما وصفه بمحاولات للإساءة إلى أبناء الحي، من خلال الاعتقالات وتشغيل الأغاني داخل المساجد.
وقال سالم إن الأهالي يترقبون تحسنًا في الوضع الأمني، بالتزامن مع التطورات التي تشهدها المحافظة.
ولا تقتصر تطلعات الأهالي على الجانب الأمني، إذ يطالب سكان غويران بإعادة تأهيل الخدمات والمنشآت العامة.
وأوضح سالم أن من أبرز الاحتياجات افتتاح مستوصف الحي، وإنشاء مركز طبي أكبر يتناسب مع عدد السكان، إلى جانب إعادة افتتاح المدارس التي تحولت خلال فترات سابقة إلى مراكز إيواء.
حملت صلاة الجمعة التي أداها وفد وزارة الدفاع في مسجد غويران الكبير دلالة خاصة بالنسبة لأهالي الحي، خصوصًا مع مشاركة عدد من أبناء المنطقة في الوفد.
وبالنسبة لسكان الحي، لم تكن الزيارة مجرد حضور ديني، بل جاءت بعد أكثر من عقد شهد خلاله غويران تغيرات متواصلة في السيطرة العسكرية والأمنية، بدءًا من مظاهرات عام 2011، مرورًا بالاشتباكات بين النظام والمعارضة، ثم معارك 2016، وصولًا إلى مرحلة سيطرة “قسد” وارتباط الحي بملف سجن الصناعة.
ويأتي ذلك في وقت تدخل فيه الحسكة مرحلة جديدة مع استمرار مسار دمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية التابعة لـ”قسد” ضمن مؤسسات الدولة السورية، وهو مسار ينعكس على عدد من أحياء المدينة ومناطق المحافظة.
ويرى أبناء غويران أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لمعالجة ملفات تراكمت خلال سنوات الحرب، وفي مقدمتها الأمن والخدمات والتعليم والصحة وإعادة تأهيل البنية التحتية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى