“حبل سري”.. مها حسن تكتب عن الهوية والمنفى والمرأة
في روايتها “حبل سري”، رسمت الكاتبة السورية مها حسن حكاية امتدت لأكثر من جيل، متخذة باريس وحلب وعفرين أمكنة لتوثيق تلك الأحداث، لتربط بين شخصيات تنتمي إلى بيئات وثقافات مختلفة.
الرواية تتشكل عبر خطوط لسيرة صوفي بيران، امرأة فرنسية تعيش حياة غير مستقرة، وفي الجهة الأخرى تظهر حنيفة كمال، الفتاة الكردية التي تنشأ في حلب قبل أن تنقلب حياتها بعد انفصال والديها، حين يقرر والدها البقاء مع زوجته الثانية، بينما تغادر والدتها إلى قرية بعيدة، لتبدأ حنيفة طفولة جديدة يطغى عليها الشعور بالفقد.
ورغم أن حياة المرأتين تبدو منفصلة، فإن الرواية تترك للقارئ إشارات متفرقة إلى وجود رابط خفي بينهما، قبل أن تدخل باولا إلى الأحداث، وهي شابة تقرر السفر من باريس إلى حلب، لتصبح رحلتها مفتاحًا لكشف العلاقة التي تجمع الشخصيات، ولتتضح تدريجيًا دلالة عنوان الرواية.
حسن أعادت بناء حكايات شخصياتها عبر الذكريات والتنقل بين الأمكنة، لتتداخل حياة الفرنسيين والسوريين والكرد في سرد واحد، يربط بين أوروبا والشرق.
ومن خلال حنيفة، تقترب مها حسن من المجتمع الكردي في سوريا، متوقفة عند عاداته وتقاليده، كما ترصد الصعوبات التي عاشها الكرد، ليس لاستخدامات سياسية، وإنما من خلال أثرها في حياة المكون اليومية.
وتحتل المرأة موقعًا رئيسًا في الرواية، إذ تمنحها مها حسن المساحة الكبرى للسرد، وتتابع تحولات شخصياتها وهي تحاول الدفاع عن خياراتها في مواجهة القيود الاجتماعية.
غير أن الكاتبة تقدم المرأة كشخصية تسعى إلى إعادة تعريف حياتها، حتى لو كان ذلك عبر قرارات مؤلمة أو طرق غير مألوفة، وليس بوصفها ضحية دائمة.
وفي المقابل، يحضر الرجل في الرواية من خلال شخصيات متعددة، من بينها الروائي آلان بيران، زوج صوفي، الذي يواصل الكتابة بعد رحيلها، محتفظًا بها داخل ذاكرته ونصوصه، ليصبح الأدب وسيلته الوحيدة لمقاومة غيابها.
تعتمد “حبل سري” على بناء شخصياتها، والكشف التدريجي عن ماضيها، لذلك تتقدم الرواية عبر الحوارات والتأملات والعلاقات الإنسانية.
كما تستعيد الرواية الفرق بين الشرق والغرب، من دون أن تقدم أحدهما بوصفه النموذج الكامل للآخر، ففي باريس تبدو الحرية أوسع، لكن الوحدة قاسية، بينما يحمل الشرق دفء العلاقات العائلية، إلى جانب القيود التي تفرضها الأعراف والتقاليد، لتترك الكاتبة شخصياتها تتنقل بين العالمين، من دون أن تجد مكانًا يخلو تمامًا من النقصان.
تقدم مها حسن رواية تتعلق بالانتماء والذاكرة، إذ يبقى “الحبل السري” الذي يربط الإنسان بأمه وبوطنه وبماضيه حاضرًا حتى عندما يظن أنه قطعه إلى الأبد.
مها حسن
مها حسن روائية وكاتبة سورية من أصول كردية، ولدت في مدينة عفرين، وأقامت في فرنسا منذ مطلع الألفية، حيث واصلت مشروعها الروائي الذي انشغل بقضايا الهوية والمنفى والذاكرة والمرأة.
صدرت لها روايات عدة، من أبرزها: “حبل سري”، “بنات البراري والروايات”، “مترو حلب”، “عمت صباحًا أيتها الحرب”، “حي الدهشة”.
ووصلت روايتها “حبل سري” إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) عام 2011.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :