تعا تفرج
ملحم بركات وقلعة حلب الثانية
خطيب بدلة
مشكورًا، شارك الأستاذ الصحفي، صبري عيسى، زاويتي المنشورة في “عنب بلدي”، المعنونة “انحطاط الصحافة والأدب”، ما يعني أن هذه الموضوعات، والأسئلة التي أطرحها، تحظى باهتمام بعض زملائنا الصحفيين، والأدباء.
البارحة، شاهدت فيديو قصيرًا، يروي فيه الموسيقار اللبناني الكبير، ملحم بركات، حادثة ذات دلالة، وهي أنه، ذات يوم، كان مستغرقًا في إبداع لحن جديد، وبينما هو في ذروة الحالة، إذ دخلت عليه والدته، وقالت له: لك إبني، والله طوشتنا! وقد أدى هذا السؤال البريء، من سيدة طيبة، إلى أنه غضب، وكسر آلة العود.
هذه الحادثة، أعادتني، بالذاكرة، إلى قصة للكاتب الداغستاني، رسول حمزاتوف، يقول فيها إنه كان في غرفته الخاصة، وأتاه صوت زوجته، تدعوه لتناول الطعام مع الأسرة. قال لها: أنا هلق، مشغول، لما بخلص شغلي ألتحق بكم، وبعد نصف ساعة، دخلت عليه، فوجدته متسطحًا على ظهره، وعيناه سارحتان في السقف. قالت له: كيف قلت لي مشغول؟ فقال لها: مشغول جدًا، أنا أفكر قبل أن أكتب.
صعد الموسيقار، ملحم بركات، في عالم الموسيقا والغناء، بعدما رحل معظم المبدعين الكبار، وكان ينتج ألحانًا، تنتشر بين الناس بسرعة، بسبب قوة التطريب الذي تتضمنه، وجزالة الموسيقى، وعذوبة الكلمات، وطريقته الرشيقة في الأداء على المسرح. ومعروف أن ملحم بركات خاض صراعًا قويًا مع تيار المطربين اللبنانيين، الذين كانوا يغنون باللهجة المصرية، فكان يسأل:
– شو العبرة في إنه، نحنا اللبنانيين، نغني مصري؟ ما إلنا شخصية؟ ما عندنا تراث غنائي مهم؟
أذكر، أيضًا، أنني حضرت لملحم بركات لقاء، سئل فيه عن الغناء السوري، فقال: صباح فخري، وبس! وراح يتحدث، بإسهاب، ومحبة، عن المقدرة الصوتية العالية لهذا العملاق، ومداراته لصوته، فهو لا يدخن، ولا يأكل شيئًا حارًا، ولا باردًا، وعندما سئل، إن كان مستعدًا لأن يلحن له، قال إنه مستعد أن يلحن له، وأن يستغرق في تأليف اللحن سنة كاملة، لأن هذا صباح فخري!
ما يجمع بين ملحم بركات وصباح فخري، برأيي المتواضع، علو الكعب في الشغل الموسيقي، والإنجازات الكبيرة، وقد حرص الأول على أن يكون فنه لبنانيًا، وأصر الثاني أن يكون سوريًا خالصًا، وقاوم، في الأربعينات والخمسينات، فكرة النزوح إلى مصر، والانخراط في محيطها الفني الزاخر، وهو الذي أعاد إبداع أغنيات المبدع السوري الكبير أبي خليل القباني، ابتداء من مال الشام، إلى ما أسعدك صبحية، ويا طيرة طيري، ويا غصن نقى، وقدم أغنيات بكري كردي، وأمين الجندي، وسامي الصيداوي، وبعض موشحات الأندلس، وعندما تسمع له أغنية مقتبسة من المصري سيد درويش، مثل زوروني كل سنة مرة، أو من صالح عبد الحي، يكون في علمك، تشعر وكأنه قد جعلها أغنيات سورية، ناهيك بالأغاني التي كُتبت لأجله، والأغاني التي لحنها بنفسه.
لستُ مؤهلًا لإطلاق الألقاب على المبدعين، ولكنني، وأنا أقرأ الألقاب التي يتداولها المصريون، كقولهم إن محمد عبد الوهاب، هو الهرم الرابع، وأم كلثوم كوكب الشرق، تجرأت، وأطلقت على صباح فخري، لقب قلعة حلب الثانية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :





