الصحافة المجتمعية.. خدمة الناس وترميم الثقة
علي عيد
كثيرون اليوم لم تعد تعنيهم الأخبار والتقارير ولا التحقيقات المطولة، ولا الإعلام التقليدي برمته، وهو ما تظهره على الأقل كثير من الدراسات والأبحاث على المستوى الدولي.
وفي مجتمعات تعيش ظروفًا معقدة، مثل سوريا التي خرجت من حرب طويلة، هناك، إضافة إلى عدم الاهتمام، نقص في الأخبار، فوضى معلوماتية، تضارب في القرارات، ضعف في الوصول إلى البيانات، وتعقيد وعدم ثقة في العلاقة بين المواطن والمؤسسات العامة والخاصة.
كيف يمكن ردم جزء من هذه الفجوة، وترميم شيء من الثقة مع الناس الذين انصرفوا عن الشأن العام؟
هل يمكن أن تكون الصحافة المجتمعية وصحافة الخدمة العامة مخرجًا لإعادة الارتباط؟ نعم بالتأكيد وفق ما تشير إليه كثير من التجارب، إذ يتقاطع المفهومان في كثير من الحالات، لكنهما لا يتطابقان.
وقد تكون الصحافة مجتمعية بحكم ارتباطها بمجتمع محدد، وتؤدي في الوقت نفسه وظيفة من وظائف الخدمة العامة، كما يمكن لصحافة الخدمة العامة أن تتناول قضايا وطنية أو دولية لا ترتبط بمجتمع محلي محدد.
تعمل صحافة الخدمة العامة (Public Service Journalism) لمصلحة الجمهور والمصلحة العامة، وتؤدي وظيفة تتجاوز نقل الأخبار، نحو إتاحة المعلومات التي يحتاج إليها الناس لاتخاذ قراراتهم، والرقابة والمساءلة وكشف الفساد، والتفسير، وإبراز صوت الفئات المهمشة.
أما الصحافة المجتمعية (Community Journalism) فتركز على مجتمع محدد، قد يكون جغرافيًا، مثل مدينة أو حي أو قرية، أو قائمًا على اهتمام أو هوية أو روابط مشتركة، وتهتم بالقضايا المرتبطة مباشرة بحياة أفراده.
وهي تركز على القضايا التي تدخل مباشرة في حياة هؤلاء السكان والجماعات (المدارس، الخدمات، النقل، البيئة، البلديات، المبادرات المجتمعية).
سأركز في هذا المقال القصير على الصحافة المجتمعية وأهميتها، دون إهمال زميلتها الأوسع في مناسبة لاحقة.
تهتم الصحافة المجتمعية بتقديم معلومات موثوقة وقابلة للاستخدام تساعد الأفراد والجماعات على فهم حقوقهم وخدماتهم ومشكلاتهم، واتخاذ قرارات أفضل، والمشاركة في الحياة العامة، ومساءلة المؤسسات وأصحاب السلطة.
هذا النوع من الإعلام يستوجب من المؤسسات الذهاب بالسؤال أبعد من “ماذا حدث؟” إلى “ما الذي يحتاج أفراد المجتمع إلى معرفته وكيف يفيدهم؟”. فهي تعنى بمشكلة أو حاجة حقيقية لديهم، وتقدم معلومات عملية يمكن استخدامها.
كما أنها تحول المجتمع المحلي إلى شريك في تحديد القضايا والأسئلة التي تعالجها، بدل أن يبقى في حدود المتلقي.
وغالبًا هي تساعد بشكل واضح ومباشر أفراد المجتمع على معرفة حقوقهم وخدماتهم، والوصول إليها دون تعقيد، دون أن تتحول إلى جهة دعاية للمؤسسات.
وأسوق مثالًا، لو أن هناك وسيلة إعلامية تهتم بالصحافة المجتمعية في مدينة جديدة عرطوز بريف دمشق، فمن المؤكد أنها سترشد الناس إلى طريقة الوصول إلى خدمة معينة، مثل الحصول على عداد (ساعة) كهرباء إلكتروني جديد (كم يكلف، طريقة التسجيل، الجهة المعنية، الوقت الذي يستغرقه التركيب، الآثار المترتبة على عدم تركيبه، وغيرها من التفاصيل).
وتفيد هذه الصحافة في تعريف الناس بحقوق لم يكونوا يعرفون عنها، أو لا يعرفون كيفية الوصول إليها.
ولو أن مشاجرة نشأت في المنطقة بين بعض الأفراد، فإنها توضح بحيوية ما يجب على السكان فعله، وحقيقة ما جرى دون مبالغة، وترشدهم إلى أساليب التعاطي مع أي خطر قد يصلهم مثل أرقام الشرطة أو المستشفى.
يستخدم هذا النمط من الإعلام بعض الأدوات التي يستخدمها الإعلام بمعناه الواسع، مثل البيانات والأدوات الرقمية وقواعد البيانات، بلغة وطرق بسيطة وواضحة وسهلة الوصول، وفي ذات الوقت تأخذ الصحافة المجتمعية من الصحافة الخبرية ما يفيد في خدمة بيئتها المحلية أو الاجتماعية التي تعمل ضمنها، مع التزام معايير الدقة والأخلاقيات والقانون.
ومن أهم وظائف الصحافة المجتمعية المساعدة في ردم فجوات تتعلق بالحصول على المعلومات وفهمها، والوصول إلى الخدمات، ومساءلة المؤسسات، وتعزيز الثقة.
وهي تسأل دائمًا: “ما الذي يريد أفراد المجتمع معرفته؟”، لذلك يتم تحويل هذا السؤال إلى عمل يومي، ويجري إشراك المجتمع نفسه في طرح القضايا التي يريد تغطيتها.
وإذا انتشرت أخبار حكومية عن مشروع نقل الإدارات الحكومية إلى منطقة قريبة من جديدة عرطوز تدعى “دمشق الجديدة” مثلًا، سيكون الأهم بالنسبة لسكان المدينة الوصول لإجابات حول عدد من التساؤلات منها: أين ستقام بالضبط، هل سيتم استملاك أراضٍ تابعة للمدينة، هل تستفيد المدينة من الخدمات التي يوفرها ذلك المشروع، هل ستصبح المنطقة جزءًا من مدينة دمشق أم تبقى تابعة للريف، ماذا عن أسعار العقارات ومستقبلها، وربما أسئلة أخرى يبحث الناس عن إجابات لها.
ليست خدمة الناس في الصحافة المجتمعية مجرد تقديم معلومات إرشادية، بل بناء علاقة مع الناس، تبدأ من معرفة احتياجاتهم وأسئلتهم، وتعود إليهم بالمعلومات المفيدة في فهم واقعهم والتعامل معه.. وللحديث بقية.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :




