عندما يصبح الوطن غنيمة

tag icon ع ع ع

خالد المطلق

لم يكن سقوط بشار الأسد سوى بداية فصل في حكاية سورية أشد تعقيدًا وأكثر حساسية ومسؤولية، إذ سرعان ما تبين للجميع أن رحيل رأس النظام لا يعني بالضرورة زوال المنظومة الفاسدة التي هندست الخراب وأدارت البلاد عبر شبكات النفوذ والمال والسلطة لعقود طويلة، فالخطر الأكبر الذي يتربص بالمرحلة الراهنة يكمن في الميل المتزايد نحو وراثة آليات الاستبداد وممارساته القمعية تحت عناوين مغايرة ومسوغات طارئة تفتقر إلى النزاهة والشرعية، إذ تحاول بعض القوى العسكرية الصاعدة إعادة ترتيب الفضاء العام على مقاسها الخاص وأهوائها الضيقة، متناسية أن تطلعات السوريين قامت أساسًا على فكرة الخروج النهائي من حكم العصابة والتبعية إلى رحاب دولة المواطنة والقانون والمؤسسات العادلة.

وأخطر ما نشهده اليوم في هذا المسار الانتقالي المتعثر هو السعي المحموم لشرعنة السيطرة على الأصول والممتلكات العامة والخاصة، عبر إلباسها رداء عقائديًا وفقهيًا مأزومًا لا يمت لحقائق العصر بصلة. فتحت لافتات عتيقة استدعتها جماعات متشددة تصدرت المشهد، كمفاهيم الفيء والغنائم ودار الحرب، يجري استملاك مقدرات المجتمع والتحكم في المرافق الاقتصادية الحيوية وكأنها مكاسب فصائلية خالصة، تخضع لمنطق القوة العارية ومقولة “من يحرر يقرر”، وهو منطق تدميري يعيدنا قهرًا إلى ما قبل فكرة الدولة الحديثة، التي ترفض بشكل قاطع تقسيم الثروة الوطنية وفق موازين القوى الميدانية أو درجات الهيمنة الفئوية.

الدولة ليست كعكة يتقاسمها المنتصرون، ولا مغنمًا حربيًا لمن امتلك السلاح وفرض الأمر الواقع، بل هي كيان اعتباري جامع يمتلك فيه كل مواطن سوري حقًا أصيلًا ومتساويًا غير قابل للتصرف أو الإقصاء، وتتجلى هذه الممارسات المشوهة واقعيًا عبر استباحة أملاك الأوقاف والمنشآت الخدمية الحيوية وتغيير قيود الملكيات العقارية بصورة غير شرعية، وفرض إتاوات وجبايات قسرية ترهق كاهل التجار والمواطنين وتخنق الأسواق، يضاف إلى ذلك تكريس التعيينات الإدارية والوظيفية في مفاصل الدولة بناء على معايير الولاء الفصائلي والعقائدي، بدلًا من الكفاءة والجدارة والنزاهة المهنية.

وفي موازاة ذلك تبرز نزعة براغماتية مشبوهة لدى بعض أطراف السلطة المؤقتة، تدفعها إلى التماهي المريب مع كبار أصحاب رؤوس الأموال ورموز شبكات اقتصاد الحرب السابقة، تحت ذريعة الحاجة الملحة لتسيير المرافق وتجنب الانهيار ودفع عجلة الإنتاج المتعطلة، متجاهلة أن غض الطرف عن مصادر الأموال القذرة وشراء الولاءات بالصفقات والتسويات المريبة والمجاملات السياسية ليس سوى إعادة إنتاج مباشرة للفساد البنيوي والزبائنية المقيتة التي ثار ضدها السوريون، ودفعوا في سبيل إسقاطها أعظم التضحيات، فالرهان الخاسر على إعادة تدوير النخب الاقتصادية الفاسدة تحت ستار الواقعية السياسية يمثل طعنة غادرة في خاصرة مسار العدالة الانتقالية الشاملة، تلك العدالة التي يجب ألا تظل حبيسة ملاحقة الجرائم الجنائية والأمنية والانتهاكات العسكرية وحدها، بل يتعين عليها أن تمتد لتشمل مراجعة وتفكيك شبكات الثراء غير المشروع ومصادرة الأصول المنهوبة ورد الحقوق المالية المسلوبة إلى أصحابها الحقيقيين وإلى خزينة الدولة العامة، إذ لا قيمة حقيقية لأي عدالة انتقالية تكتفي بمحاسبة صغار المنفذين وأدوات النظام الميدانية وتغلق ملفات الحيتان الكبرى والشركاء الماليين، الذين هندسوا ومولوا حرب الإبادة والنهب الممنهج على مدى سنوات.

إن بناء بيئة سياسية واقتصادية سليمة ومستدامة يقتضي بالضرورة إرساء قضاء نزيه ومستقل، يمتلك الحصانة والجرأة لحماية المال العام من تغول البندقية وشهوة الاستحواذ الفئوي، إلى جانب تأسيس أجهزة رقابية وهيئات محاسبة محصنة تفرض الشفافية التامة في تداول العقود وإدارة المناقصات وتوزيع المشاريع العامة، مع ضمان مناخ ديمقراطي حقيقي يتيح للصحافة الحرة المستقلة ولمنظمات المجتمع المدني ممارسة دورها الرقابي والكشف عن التجاوزات دون خشية الملاحقة الأمنية أو الترهيب.

في المحصلة، فإن المواطن السوري المطحون هو الطرف الوحيد الذي يتجرع مرارة هذا التخبط، من خلال تدهور الخدمات الأساسية وغلاء المعيشة الفاحش وانعدام فرص العمل الشريفة، وتعثر مشاريع التعافي المبكر، وتأخر عودة ملايين المهجرين والنازحين واللاجئين الذين ينتظرون وطنًا آمنًا يحكمه ميزان العدل لا سطوة السلاح، وإذا ما استمر تكريس منطق المحسوبية وتوزيع الموارد بناء على فائض القوة والجغرافيا العسكرية فإن ذلك سيعمق حتمًا هوة الاغتراب واليأس بين الناس ومؤسسات الحكم القائمة، ويدفع المجتمع نحو البحث عن شبكات حماية فرعية وطائفية ومناطقية، وهو ما يهدد السلم الأهلي الهش بالانفجار من جديد.

إن التحدي المصيري التاريخي الذي يواجه سوريا اليوم لا ينحصر أبدًا في مجرد استبدال الوجوه الحاكمة أو تغيير الشعارات والرايات المرفوعة فوق المؤسسات، بل يتمثل في خوض معركة وعي وطنية ومواجهة شجاعة لقطع دابر عقلية الغنيمة، واسترداد مفهوم الشأن العام كحق مكفول للمجتمع كله دون تمييز أو وصاية، فإما أن ترتفع راية القانون فوق الجميع لتكون سوريا دولة لكل أبنائها وبناتها، وإما أن يتحول السلاح إلى وسيلة لتكريس سلطة أمر واقع دائمة تجعل الوطن رهينة لعصابة جديدة.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة