
وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يشارك في اجتماع وزراء الخارجية العرب لمجلس جامعة الدول العربية في القاهرة - 7 أيلول 2026 (وزارة الخارجية السورية)

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يشارك في اجتماع وزراء الخارجية العرب لمجلس جامعة الدول العربية في القاهرة - 7 أيلول 2026 (وزارة الخارجية السورية)
عنب بلدي – يزن قر
أنهت جامعة الدول العربية، بعد نحو 15 عامًا، العقوبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المفروضة على سوريا، في قرار أقره مجلس الجامعة على المستوى الوزاري خلال دورته العادية الـ166 المنعقدة بالقاهرة في 7 من أيلول الحالي، في خطوة تعكس تحولًا في الموقف العربي من التعامل مع سوريا، من إجراءات العزلة والعقوبات إلى دعم مسار التعافي وإعادة الإعمار.
ونص القرار على رفع العقوبات التي فرضتها مؤسسات وهيئات الجامعة وأجهزة العمل العربي المشترك على الدولة السورية، بما في ذلك التدابير التي أُقرت منذ تشرين الثاني 2011، مع الإبقاء على الإجراءات الفردية بحق عدد من مسؤولي النظام السابق، ومن بينها منع السفر وتجميد الأرصدة.
كما كلف القرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي بمتابعة تنفيذ رفع العقوبات، وإزالة التدابير المفروضة على سوريا من جانب مؤسسات الجامعة وأجهزتها.
ويأتي القرار بعد سلسلة خطوات دولية وعربية أنهت جانبًا كبيرًا من عزلة سوريا الاقتصادية، بينها رفع العقوبات الأمريكية والأوروبية، وإزالة سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب الأمريكية، وفق ما أشار إليه وزير الخارجية، والمغتربين أسعد الشيباني، خلال اجتماع وزراء الخارجية العرب.
دمشق، رحبت بالقرار واعتبرته خطوة نحو تعزيز العمل العربي المشترك ودعم التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار والاستقرار، بينما رأى مصرف سوريا المركزي أن رفع العقوبات العربية يفتح آفاقًا أوسع للتعاون الاقتصادي والمصرفي مع الدول والمؤسسات العربية، ولا سيما في مجالات التجارة والاستثمار وحركة رؤوس الأموال.
وقد يتيح رفع العقوبات للشركات والمؤسسات العربية توسيع نشاطها في سوريا، واستئناف أو تنفيذ مشروعات واتفاقيات سبق توقيعها، خاصة في قطاعات الطاقة والكهرباء والنقل والموانئ والبنية التحتية والزراعة والصناعة، بعد أن شكلت القيود المالية والقانونية المرتبطة بالعقوبات عائقًا أمام عدد من هذه الاستثمارات.
لكن رفع العقوبات العربية لا يعني تلقائيًا تدفق الاستثمارات أو تحسن الاقتصاد السوري بصورة فورية، إذ تبقى قدرة دمشق على جذب رؤوس الأموال مرتبطة بعوامل أخرى، بينها البيئة القانونية والمصرفية والإدارية، والاستقرار الأمني والسياسي، وقدرة المؤسسات السورية على تحويل الاتفاقيات ومذكرات التفاهم إلى مشروعات فعلية.
يرى أستاذ القانون الدولي العام والخبير في العلاقات الدولية، الدكتور عامر فاخوري، في حديثه إلى لعنب بلدي، أن أهمية قرار جامعة الدول العربية برفع العقوبات عن سوريا “سياسية بالدرجة الأولى”، معتبرًا أنه يمثل إغلاقًا تدريجيًا لمرحلة بدأت عام 2011، عندما جُمّدت عضوية سوريا في الجامعة العربية وفُرضت عليها إجراءات سياسية واقتصادية.
وقال فاخوري إن عودة سوريا إلى الجامعة العربية عام 2023، شكلت خطوة أولى، لكن عودة المقعد لا تعني بالضرورة إزالة إرث العزلة، مشيرًا إلى أن قرار رفع العقوبات ا لصادر في 9 من أيلول الحالي، يمثل خطوة إضافية في هذا المسار.
وبحسب أستاذ القانون الدولي، فإن القرار يرفع العقوبات السياسية والاقتصادية والاجتماعية عن الدولة السورية ومؤسساتها، مع الإبقاء على العقوبات المفروضة على مسؤولي النظام السابق، معتبرًا أن ذلك يحمل رسالة واضحة تتمثل في التفريق بين الدولة السورية الحالية والمسؤولين المرتبطين بالمرحلة السابقة.
وأضاف أن القرار يعني عمليًا انتهاء مرحلة عزل الدولة السورية عربيًا، لكنه لا يفضل وصف المرحلة الحالية بأنها “انخراط كامل”، لأن الانخراط الكامل،ذلك، بحسب رأيه، لا يقاس بقرار واحد، وإنما بحجم العلاقات الدبلوماسية والتجارة والاستثمار وحركة البنوك والطيران والمشاريع المشتركة والتنسيق السياسي والأمني.
يفرق فاخوري بين القرار السياسي والنتائج الاقتصادية المترتبة عليه، موضحًا أن رفع العقوبات لا يعني دخول مليارات الدولارات إلى سوريا مباشرة، لكنه يزيل طبقة مهمة من القيود السياسية والقانونية والنفسية التي كانت تجعل التعامل مع المؤسسات السورية أكثر صعوبة.
ويرى أن القرار يمكن أن يفتح المجال بصورة أكبر أمام التجارة البينية، والتحويلات والتعاملات المصرفية، وتمويل التجارة، وحركة الشركات ورؤوس الأموال، والنقل البري والجوي، وإقامة مشاريع عربية مشتركة.
ويركز فاخوري بصورة خاصة على القطاع المصرفي، معتبرًا أن إعادة الإعمار”لا تبدأ بالأإسمنت فقط، وإنما تبدأ من النظام المالي”، إذ إن المستثمر قد يتخذ قرارًا بالاستثمار، لكن عدم قدرته على تحويل الأموال أو فتح الاعتمادات أو تمويل التجارة وتحويل الأرباح يجعل تنفيذ الاستثمارات أكثر تعقيدًا.
وفيما يتعلق بإعادة الإعمار، يرى فاخوري أن القرار يمكن أن يساهم في دفع هذا المسار، لكنه يحذر من المبالغة في أثره المباشر، بالنظر إلى حجم الاحتياجات السورية.
وأيشاير إلى تقاريرديرات البنك الدولي التي قدّرت تكلفة إعادة بناء الأصول المادية المتضررة في سوريا بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، بينما قُدرت الأضرار المادية المباشرة بنحو 108 مليارات دولار.
وقاليقول إن هذه الأرقام توضح حجم الفجوة بين رفع العقوبات وبين إعادة الإعمار الفعلية، معتبرًا أن القرار يمثل عاملًا مساعدًا، لكنه لا يكفي وحده لتغطية احتياجات إعادة البناء.
يعتقد أستاذ القانون الدولي العام، أن رفع العقوبات يمكن أن يشجع الاستثمارات العربية، مشيرًا إلى أن بعض الاستثمارات بدأت قبل صدور القرار نفسه.
ويذكر السعودية مثالًا على ذلك، إذ أُعلن في شباط 2026 عن حزمة استثمارات في سوريا شملت قطاعات المطارات والطيران والاتصالات والمياه والعقارات والبنية التحتية.
ومن بين المشاريع التي يشير إليها فاخوري مشروع “SilkLink” الذي تنفذه شركة الاتصالات السعودية (STC)، بقيمة ثلاثة مليارات ريال سعودي، لإنشاء شبكة ألياف ضوئية تتجاوز 4500 كيلومتر، إلى جانب مراكز بيانات وبنية اتصال دولية، فضلًا عن مشاريع أخرى في قطاع الطيران، بينها تطوير مطارات في حلب وإنشاء “Flynas Syria”.”.
وعن مدى عودة سوريا إلى النظام العربي، يفضل فاخوري وصف المرحلة الحالية بأنها انتقال من “العودة السياسية” إلى “الاندماج العملي”، لكنه يرى أن دمشق لم تصل بعد إلى نهاية هذا الطريق.
ويوضح أن عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية عام 2023، شكلت الخطوة الأولى، بينما يمثل رفع العقوبات في 2026 خطوة ثانية أكثر تقدمًا، في حين تتمثل المرحلة التالية في تحويل التقارب السياسي إلى شبكة مصالح عربية-سورية تشمل التجارة والاستثمار والمصارف والنقل والطاقة والأمن والحدود والمشاريع المشتركة.
يرى فاخوري أن توسع العلاقات الاقتصادية السورية مع السعودية ودول الخليج والأردن ومصر وبقية الدول العربية يمكن أن يزيد ارتباط دمشق بشبكة من المصالح العربية، بحيث لا تقتصر العلاقات على الجانب الدبلوماسي، وإنما تمتد إلى الاستثمارات والبنية التحتية والتجارة.
ويعتبر أن ذلك يمنح الدول العربية قدرة أكبر على التأثير في مستقبل سوريا بصورة إيجابية، موضحًا أن النفوذ في العلاقات الدولية لا يأتي دائمًا عبر الضغط والعقوبات، بل يمكن أن يكون الاستثمار والتجارة والربط الاقتصادي أكثر تأثيرًا من العزلة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى