أي سوريا نريد أن يراها العالم؟

tag icon ع ع ع

علي عيد

يتصور البعض أن بناء صورة الدول عملية بسيطة: مرر ما تراه ناجحًا في الإعلام، وأغمض عينًا وافتح أخرى، وسينتهي الأمر. والحقيقة هي أن الإعلام مهما كان محترفًا ومصممًا بطريقة تسويقية فائقة الدقة، سيفشل لأن الصورة الإعلامية ليست حملة علاقات عامة، بل حصيلة السياسة والأداء والرموز والسردية الوطنية.

لذلك، طرح أحد أبرز الأسماء العالمية في دراسة الصورة والسمعة الدولية للدول والمدن والمجتمعات، وهو المستشار والباحث البريطاني سايمون أنولت (Simon Anholt)، مفهوم “Competitive Identity”، وهو مفهوم يبحث في كيفية بناء الدولة سمعتها من خلال السياسة والثقافة والناس والسياحة والمنتجات/ العلامات التجارية والاستثمار، ما يعني أن أهم فريق إعلام في العالم لا يستطيع رسم ما هو غير موجود، لكن ماذا لو كان هذا الإعلام يتجاهل مقدرات الدولة واستراتيجيتها الدبلوماسية والسياسية والثقافية، ولم يستطع تمثُّل كل ما يتطلبه مفهوم بناء السمعة؟

يضع أنولت مجسمًا سداسيًا للهوية التنافسية (Competitive Identity)، يتكون من السياحة والمنتجات/العلامات التجارية والسياسة والاستثمار والثقافة والناس، لذلك فإن أي إعلام يحتاج للاستناد إلى هذه العناصر برأيه، وهو ما أراه ضروريًا في بلد مثل سوريا يحاول كثيرون “دعشنته”، سواء لأن شيطنتها تخدم مصالحهم، أو لأنهم يعتقدون أنها البيئة الرخوة التي لم تتشكل بعد، والتي يجب الدفاع فيها عن مساحة تشددية، لتصبح أمرًا واقعًا.

وبالمناسبة، كل الدول لديها هوية تنافسية، ولديها صورة ذهنية مثل ألمانيا الصناعية والولايات المتحدة القوية والإمارات العربية المتحدة العصرية وفرنسا “الموضة” وإيران المؤذية، وضع ما تشاء في ذهنك من الأوصاف التي تعرفها عن الدول.

لم تتشكل بعد صورة وطنية جديدة مستقرة لسوريا بعد سقوط نظام الأسد الذي أغرقها في الظلم والفوضى، فأصبحت رمزًا للجوء والنزوح والبراميل المتفجرة والفشل السياسي.

اليوم هناك مرحلة حساسة جدًا، ولذلك أفهم تمامًا أن الحكومة تبحث عن صياغة صورة هذه البلاد، وإذا عدنا إلى العناصر الستة يمكننا وضع احتمالات وفق كل واحدة منها أو أكثر، وبالنتيجة الصبغة الأقوى في عنصر منها ستكون المدخل:

السياسة: يمكن أن تكون سوريا مدخل التغيير في الشرق الأوسط.

الثقافة: يمكن أن تكون الدولة الأكثر انغلاقًا، أو تشددًا، أو دولة القدود، أو الشعراء.

الناس: يمكن أن تكون الأكثر سعادة أو تعاسة أو تحضّرًا أو تخلّفًا.

السياحة: يمكن أن تكون متحف العالم ورئته.

المنتجات/ العلامات التجارية: يمكن أن تكون بلد عطر الورد أو الكباب أو القمح.

الاستثمار: يمكن أن تكون دوحة الاقتصاد الناشئ في الشرق الأوسط.

هل نريد دولة قوية متطورة؟ ولتحقيق هذا الهدف هل يكفي عنصر أو عنصران، ولماذا ليس الإعلام واحدًا منها؟

سأفترض أن سوريا المتحضرة والقوية باقتصادها هي الهدف، انطلاقًا من تحليل خطابات رئيس البلاد، ووزير الخارجية مسؤول دبلوماسيتها، وبقية المسؤولين والوزراء، لذلك يبدو أن “سوريا الاقتصاد”، كهوية تنافسية عالمية، تحتاج إلى أمن مستتب، وبيئة جاذبة للاستثمارات، وثقافة تتماشى مع مقوماتها، فالسياحة تحتاج إلى انفتاح مقبول، وسياسة خارجية غير مستفزة، وأن يكون الناس فيها واعين لأهمية هذا القطاع كمورد، ويملكون قدرات بشرية وقبولًا لفكرة أن يزور سائح بلادهم.

إذًا، العناصر الستة تسير مع بعضها البعض، ولا يمكن بناء الصورة بعنصر واحد دون اعتبارات للجوانب الأخرى.

لماذا ليس الإعلام واحدًا من العناصر الستة؟ لأنه هو العناصر الستة مجتمعة، وعبره تصل الصورة، ومعالجة أي خلل تبدأ من خلاله بالنقد والتصحيح والتصويب، وإبراز الإيجابيات وعناصر القوة، وترسيخ عدم الخوف من الخطة.

الإعلام ليس عنصرًا سابعًا في “سداسي” أنولت، لأنه ليس قطاعًا من قطاعات الدولة التي تنتج السمعة، بل هو إحدى الآليات التي ترى من خلالها بقية العناصر نفسها وتُروى للعالم.

الإعلام ليس مكلفًا بإقناع العالم بأن بلدًا ما ناجح أو جيد، بل هناك عناصر حقيقية على أرض الواقع قابلة للرواية، تعطيه القوة والدوافع. والدولة التي تمتلك أصولًا لا تعرف كيف تحكي عنها، يكون الإعلام حاضرًا للمهمة.

مثلًا، إذا كان قانون الاستثمار عصريًا، هذا يعني أن مستثمرًا سيأتي وسينقل رأيه وتجربته في النجاح، عندها تصبح لدينا قصة جيدة متماسكة ينقلها إعلام جيد ومتمكن، وهنا تظهر السمعة، وتتكون الهوية التنافسية.

ولا ننسى أننا في النهاية لا نبحث عن تحسين صورة ليست حقيقية، إذ ماذا نفعل بفيديو لمؤثر زار سوريا وأجزل في مدح مدرج تدمر الأثري، بينما تفتقر تدمر لأي مقومات خدمة سياحية وفندقية أو حتى لحافلة عصرية تنقل الركاب الراغبين بزيارة المدينة.

يمكن للإعلام أن يجعل تدمر معروفة، لكنه لا يستطيع أن يجعلها وجهة سياحية.

أختم أن الإعلام يحتاج إلى شيء حقيقي ينقله، وهو في النهاية مجرد خدمة، والمفاهيم الإضافية من المسؤولية إلى المهنية إلى الأخلاق أي الدور الوطني أو المهمة التسويقية أو رسم صورة البلاد، كلها نشأت في محيط هذه الخدمة. وتكون الخدمة جيدة إذا استطاعت نقل الحقيقة.. وللحديث بقية.




×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة