جريمة القتل في حماة.. هل للشر وجه؟

tag icon ع ع ع

أحمد عسيلي

يتداول السوريون هذه الأيام مقطعًا مصورًا لجريمة قتل وقعت في حماة، بعدما نشر أهل الضحية تسجيلًا التقطته كاميرا المراقبة.

لم يكن أكثر ما أثار انتباه المتابعين الجريمة نفسها، بل الطريقة التي بدا بها القاتل (هو صديق مقرب من الضحية) في اللحظات التي سبقتها. لا غضب ظاهر، ولا حقد في العينين، ولا ذلك الوجه الذي نتخيله عادة لقاتل يستعد لارتكاب جريمته، على العكس، بدا هادئًا، وضحك بعفوية، بل ربما ظهر في ملامحه شيء من الود.

لدراسة هذا المقطع وطريقة تلقينا له، دعونا نعود إلى بداية الألفية، حين انتشرت في سوريا، كما في بلدان كثيرة، موجة من برامج التنمية البشرية: البرمجة اللغوية العصبية، الثقة بالنفس، لغة الجسد، والذكاء العاطفي. كنت يومها طالبًا في كلية الطب، وانغمست بدوري في هذه الموجة، حتى إنني قدمت محاضرة في المركز الثقافي في أرواد عن الذكاء العاطفي، رغم أن فهمي له، كما أراه اليوم، كان سطحيًا.

أحد الأشياء التي بقيت في ذهني من تلك المرحلة أن العقل والمنطق ليسا أداتينا الوحيدتين لفهم الآخرين، وأن لدينا خبرة عاطفية متراكمة تساعدنا في قراءتهم، وباختلاط الذكاء العاطفي يومها بلغة الجسد والتنمية البشرية، كنا نقترب أحيانًا من نسخة نفسية حديثة من فكرة “سيماهم في وجوههم”: انظر جيدًا، استمع إلى إحساسك، وستعرف من أمامك.

بعد سنوات قليلة، اعتُقلت خلال الثورة السورية، وتم اقتيادي من منزلي بعنف، وترافق ذلك مع الشتائم والإهانات، قبل أن أُعرض على مسؤول أمني أعلى رتبة عاملني بلطف وانتقد الطريقة التي عوملت بها. كنتُ أعرف، كطبيب نفسي، لعبة الشرطي السيئ والشرطي الجيد (ومن لا يعرف هذه اللعبة السخيفة)، ثم جاء محقق آخر، شاب قدم لي الشاي وبدأ باستجوابي بهدوء، كان وجهه يوحي لي بطيبة شديدة، بدا شابًا مسكينًا، وديعًا، من النوع الذي قد تتخيله يُغمى عليه لو رأى الدم، كنت أنظر إليه وأسأل نفسي: كيف يمكن لهذا الإنسان أن يعمل محققًا في أحد أكثر الأجهزة القمعية إجرامًا؟

بعد سنوات، واجهني السؤال نفسه من الجهة الأخرى.

كان جزء من عملي في أحد مستشفيات باريس أن أفحص، خلال العطلة، المرضى الموضوعين في غرف العزل، وفي إحدى المرات دخلتُ غرفة شاب في العشرينيات، كان صغير البنية، هادئًا، شديد الاحترام، أفكاره مترابطة وحديثه رزين، لم يفهم لماذا بقي معزولًا، مؤكدًا لي أنه لا يشكل خطرًا على أحد، طالبًا مني إنهاء عزله.

لو اعتمدتُ على الإنسان الذي كان أمام عيني فقط، لما رأيتُ سببًا يدعو للخوف منه. ثم قرأتُ ملفه! كنتُ أمام شخص ارتكب جرائم قتل متعددة، رافق بعضها تمثيل بالجثث، لم يتغير وجهه بعد أن قرأتُ الملف، لكن الوجه نفسه صار يعني لي شيئًا مختلفًا.

ربما كان الخطأ منذ البداية في السؤال نفسه: لماذا نفترض أن للشر وجهًا؟

الذكاء العاطفي، في تعريفه العلمي، لا يعني اكتشاف أخلاق الناس من وجوههم، بل القدرة على إدراك الانفعالات وفهمها وتنظيمها والاستفادة من المعلومات العاطفية في التفكير، ما انتشر شعبيًا كان أوسع من ذلك، واختلط أحيانًا بلغة الجسد والحدس والثقة بالانطباع.

وهنا تظهر ظاهرة نفسية أخرى تسمى “تأثير الهالة” (Halo Effect): نلاحظ صفة إيجابية في شخص، ثم نسمح لها بأن تمتد إلى صفات لا نملك دليلًا عليها، جميل، إذًا هو طيب، هادئ، إذًا هو متزن، متواضع، إذًا هو نزيه، ابتسامته مريحة، إذًا يمكن الوثوق به.

وربما كان كاميرون هيرين أحد أكثر الأمثلة قسوة على ذلك، الشاب الأمريكي الذي تسبب، وهو في الـ18، بمقتل أم وطفلتها في أثناء سباق سيارات في فلوريدا، وحُكم لاحقًا بالسجن 24 عامًا، وتحول بعد صور محاكمته إلى ظاهرة على وسائل التواصل، إذ تعاطف معه كثيرون، وانشغل بعضهم بعينيه ووسامته وصغر سنه، وكأن جمال الوجه أصبح، بطريقة ما، جزءًا من المرافعة عن صاحبه.

لكن المشكلة تصبح أخطر عندما تنتقل من حياتنا الشخصية إلى السياسة.

أحب الفرنسيون جاك شيراك، وبقي بعد رئاسته واحدًا من أكثر شخصيات الجمهورية الخامسة شعبية، كان مرحًا، قريبًا من الناس، صاحب حضور شخصي استثنائي، لكن شيراك نفسه أُدين قضائيًا عام 2011 في قضية الوظائف الوهمية المرتبطة بسنوات توليه بلدية باريس، وحُكم عليه بالسجن عامين مع وقف التنفيذ.

هذا لا يعني أن الفرنسيين أحبوه بسبب وجهه، ولا أن محبته كانت خطأ، بل يعني شيئًا أبسط: يمكن أن نحب إنسانًا، ونرتاح إليه، ونستمتع بحضوره، من دون أن تكون مشاعرنا دليلًا على نزاهته.

والأبحاث في علم النفس السياسي أكثر إزعاجًا، فقد وجد ألكسندر تودوروف وزملاؤه أن أحكامًا سريعة جدًا على “كفاءة” المرشحين اعتمادًا على صور وجوههم وحدها استطاعت التنبؤ بنتائج انتخابات أمريكية بنسبة أعلى بكثير من المصادفة. نحن، إذًا، لا ننتخب البرامج دائمًا وحدها، فقد يدخل معنا إلى صندوق الاقتراع شعور سريع تجاه الوجه.

المشاعر جزء أساسي من إنسانيتنا، لكنها ليست برهانًا، فالوجه قد يخبرني بما أشعر به وأنا أنظر إليه، لكنه لا يخبرني بالضرورة بمن يقف خلفه.




×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة