الذاكرة كسلاح.. السياسيّات وصراع الشرعية في سوريا
لمى قنوت
في مرحلة شديدة الاستقطاب، يتسيد خلالها خطاب كراهية، شعبوي، عنيف، موالٍ للسلطة الانتقالية وسرديتها، تدفع الناشطات السياسيات المستقلات ذوات الخطاب العابر للطوائف، والساعي لدولة المواطنة والقانون، ضريبة الفعالية السياسية المستقلة، وتُسحق أهليتهن كفاعلات سياسيات بدل نقاش ونقد خطابهن بالحجة والمنطق.
ويمارَس بحقهن خطاب إسكاتي جارح، يُكثف بسبب جندرهن، كعقوبة إضافية عندما يمارسن خطًا سياسيًا ناقدًا أو معارضًا، لا تستطيع السلطة وموالوها أو بعض المجتمعات أو الأفراد تقبله واستيعابه داخل الأدوار الجندرية النمطية والتسلط الذكوري.
أثارت مداخلة السياسية والنسوية رولا ركبي، التي قدمتها بصفتها المديرة القُطرية لمنظمة “النساء الآن من أجل التنمية- لبنان” أمام مجلس الأمن في 27 من آب الماضي، موجة عنف رقمي مُركز ضدها، في محاولة لنزع الأهلية السياسية، والتشهير، وربط حضورها العام بوالدها، كما حصل في الحملة التي طالت السياسية د. فداء الحوراني، رئيسة المجلس الوطني لإعلان دمشق، بعد منعها من قبل جهات أمنية رسمية من إلقاء محاضرة في المركز الثقافي التابع لوزارة الثقافة بمدينة سلمية في تموز الماضي، ما اضطر منظمي الدعوة إلى نقلها إلى منزل المرحوم عبد الكريم الضحاك.
ولاحقًا، دعا موالو السلطة ومؤثروها للتظاهر ضد مشاركتها في أحد البرامج التلفزيونية في محافظة حماة، وترافقت هذه الدعوة مع طلب مدير أوقاف حماة، معاذ ريحان، بإلغاء مشاركتها في البرامج.
محاكمة الخمسينيات واختزالها
تنحدر كلتا السياسيتين من عائلتين ارتبطتا بالتاريخ السياسي السوري، إذ كان د. فيصل ركبي من مؤسسي حزب “البعث”، الذي غادره في مطلع سبعينيات القرن الماضي، وانتخب نائبًا عن مدينة حماة في عامي 1945 و1961، وفي عام 1948 تطوع في جيش الإنقاذ كطبيب مقاتل، واشترى من ماله الخاص، المخصص لإكمال اختصاصه في باريس، أدوية ومعدات لتجهيز نقطته الطبية المرافقة لكتيبته، وله أيادٍ بيضاء على مرضى عالجهم مجانًا.
أما أكرم الحوراني فقد أسس “الحزب العربي الاشتراكي” في تشرين الأول 1950، وانتشر الحزب في أوساط الفلاحين، وفي عام 1952 اندمج “العربي الاشتراكي” بحزب “البعث”، وأصبح اسمه حزب “البعث العربي الاشتراكي”.
كانت كتلة الحوراني في برلمان عام 1954 (22 مقعدًا) ثاني أكبر الكتل بعد كتلة حزب “الشعب” (30 مقعدًا)، بينما كان عدد مقاعد “الإخوان المسلمين” أربعة مقاعد، واعتبرت تلك المرحلة نموذجًا عن ازدهار الحياة السياسية في سوريا، وفي عام 1957 ترأس الحوراني البرلمان، وعُيّن نائبًا للرئيس جمال عبد الناصر خلال الوحدة مع مصر، وغادر سوريا بعد انقلاب 8 من آذار في عام 1963.
لا يمكن اختصار تاريخ الرجلين والمرحلة في أسطر موجزة، لكن “شيطنتهما” اليوم، وتحميلهما مسؤولية الصيرورة التاريخية والاستبداد الأسدي، هو اختزال للذاكرة السورية، وإعفاء للباحثين والناشطين من العمل التاريخي الجاد، وتسطيح التاريخ بخطاب شعبوي مليء بالمغالطات المنطقية، في حين أن النقد التاريخي لمرحلة الخمسينيات، على سبيل المثال، يمكن أن يكون مدخلًا لمراجعة المرحلة باعتبارها عصرًا ذهبيًا في تاريخ سوريا، وقد يكون مدخلًا لتحليل مسألة دخول الجيش بقوة في الحياة السياسية، وكيف تحول من مؤسسة دولة إلى فاعل رئيس، وفهم مسؤولية النخب المدنية أمام الانقلابات، والعوامل التي جعلت من البرلمان والمؤسسات المدنية في سوريا ما بين 1946 و1963 عاجزة عن ترسيخ آليات مستقرة لاحتواء الصراع السياسي والعسكري، رغم وجود فترات فعلية من التنافس البرلماني والتعددية، والبحث في تداخل الصراع الطبقي مع الهويات المناطقية والطائفية.
استدعاء الإرث السياسي
رغم أن الخطاب السياسي لكل من رولا ود. فداء ينتمي إلى أفق مختلف، فإنهما تشتركان مع والديهما بخطاب عابر للطوائف.
والمفارقة في استدعاء إرث والدهما السياسي، من قبل موالي السلطة الحالية، ومنتمين للإسلام السياسي، وغيرهم، في محاولة لتشويه تاريخ الرجلين بشكل سفيه، جاهل بالمرحلة، وبعيد كل البعد عن النقد، كحق، لا جدال فيه، في تقييم التجارب التاريخية والأحزاب وشخوصها.
إن سعار الحملة التشبيحية على الرجلين لوصم السياسيتين، ونزع الأهلية السياسية عنهما، والتشهير بهما، وربط وجودهما العام بآبائهن وخياراتهم السياسية آنذاك، بدل مناقشة ونقد أفكارهما ومواقفهما السياسية اليوم، يحرم السوريين والسوريات من فرص التحليل السياسي، وتفكيك الخطابات والمواقف لبناء سوريا جديدة بعيدة عن الاستبداد والعسكرة، وبناء دولة قانون ترسخ أطر العدالة المتعددة.
ومن هذه الزاوية، ورغم الحملة التضامنية الواسعة معهما، من المؤمنين، نساء ورجالًا، بحرية التعبير ومبادئ الديمقراطية وقيم المواطنة، فإن العنف الرقمي وخطاب الكراهية والتخوين الذي طال العديد من الناشطات، كريما فليحان وفرح يوسف وسوسن زكزك وغيرهن، يطرح مآلات البنية شديدة المركزية للسلطة الانتقالية، التي أغلقت الحوار الوطني في مرحلة مفصلية من تاريخ سوريا، في الوقت الذي يُفتح فيه المجال العام للخطاب الرجعي المتشدد، وللخطاب الطائفي، وخطاب الكراهية، ويضَيق تدريجيًا بفعل العنف ضد الناشطات، ذوات الخطاب الحقوقي والسياسي المستقل، المعارضات للسلطة أو المنتقدات لها، وعلى حقهن في تعريف المصلحة الوطنية من خارج البنى الأبوية والطائفية والسلطوية والعسكرية.
تعاد صياغة حدود المواطنة والشرعية والفاعلية السياسية للنساء، بتنوعاتهن وتنوع سياقاتهن، خلال المرحلة الانتقالية، وفي حين يُعترف ببعض آثار الحرب والقمع والفقدان والاعتقال والنزوح والتهجير القسري عليهن في سياق الأدوار النمطية المجندرة داخل الأسرة النووية، لكن معجم الاعتراف بالعنف والوصم لا يتسع عندما يعبرن عن استقلالية مواقفهن وآرائهن خارج “الهرم الجديد للشرعية السياسية”، الذي يعيد تشكيل وضبط المجال العام، ويرسخ التحيزات الاجتماعية والثقافية والسياسية ضدهن، ويحاول إخضاع التنوع السوري لأيديولوجيا واحدة.
اذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل/أرسلي تصحيحًا
إذا كنت تعتقد/تعتقدين أن المقال ينتهك أيًا من المبادئ الأخلاقية أو المعايير المهنية قدم/قدمي شكوى
-
تابعنا على :






