من يد الأم إلى الحفيدة.. الحسكة تتوارث خبز التنور

tag icon ع ع ع

في باحة منزلها بريف الحسكة الجنوبي، تبدأ فضة الصايل، البالغة من العمر 68 عامًا، تجهيز عجين خبز التنور في المساء. تضع الطحين في وعاء واسع، تضيف الماء والملح، ثم تبدأ بالعجن بيديها كما اعتادت منذ طفولتها، قبل أن تترك العجين لصباح اليوم التالي حتى يختمر.

لا تتعامل فضة مع خبز التنور بوصفه مهمة منزلية تنتهي بإعداد أرغفة تكفي العائلة، إذ تربطه بذاكرة والدتها التي كانت، بحسب روايتها، تستيقظ في الصباح الباكر لإعداد الخبز لأفراد الأسرة.

تقول فضة، في الحديث عن بداياتها مع التنور، إن والدتها كانت تصطحبها وهي طفلة لمساعدتها في تجهيز العجين وإشعال الحطب، قبل أن تبدأ تدريجيًا بتعلم طريقة تشكيل الرغيف ووضعه داخل التنور.

وتتذكر أن تعلم الخبز لم يكن يحتاج إلى دروس أو تعليمات مكتوبة، إذ كانت الفتيات يتعلمن من خلال المراقبة والممارسة اليومية داخل المنزل.

“كنت أراقب أمي وهي تخبز، وبعد فترة أصبحت أعرف من شكل العجين إن كان يحتاج إلى ماء أو طحين”، تقول فضة، مضيفة أن بعض التفاصيل الصغيرة في إعداد الخبز لا يمكن تعلمها إلا بالممارسة.

وبعد تخمّر العجين، تبدأ فضة بتجهيز التنور، مستخدمة الحطب لإشعال النار ورفع درجة حرارته قبل البدء بالخبز. وبمجرد أن يصبح التنور جاهزًا، تقطع العجين إلى كرات صغيرة، تفرد كل واحدة منها بيديها عبر حركات متلاحقة بإلقاء الرغيف بين يديها، ثم تضع الرغيف على جدار التنور الداخلي بحركة سريعة.

تراقب فضة الأرغفة أثناء نضجها، وتعرف الوقت المناسب لإخراج كل رغيف من لونه وشكله، قبل أن تضعه إلى جانب الأرغفة الأخرى.

عادة لا تبدأ بالرغيف وتنتهي به

بالنسبة إلى فضة، لا يرتبط التنور بالخبز وحده، إذ كان وجوده في المنزل جزءًا من الحياة اليومية للعائلة.

تقول إن تجهيز التنور كان في السابق موعدًا تجتمع خلاله نساء الأسرة، فتتولى إحداهن إعداد العجين، بينما تساعد أخرى في إشعال النار وتجهيز الأرغفة، وقد يمتد العمل إلى تبادل الأحاديث والأخبار بين أفراد العائلة والجارات.

وتضيف أن الخبز كان يُحضّر بكميات تكفي الأسرة لعدة أيام، بينما كانت بعض العائلات تتبادل الأرغفة أو تساعد بعضها في إعدادها، خاصة في المناسبات والأيام التي تحتاج فيها الأسرة إلى كميات أكبر من الخبز.

وتقول فضة إن حضور الخبز الجاهز في الأسواق وانتشار الأفران الحديثة جعلا الاعتماد على التنور أقل مما كان عليه في السابق، لكنها لا تزال تفضّل خبزه في المنزل عندما تتوافر لها القدرة والوقت.

وترى أن الرغيف المصنوع في التنور يحمل بالنسبة إليها طعمًا مختلفًا، ليس بسبب طريقة الخبز فقط، وإنما لأنه يذكّرها بالمنزل الذي عاشت فيه طفولتها وبوالدتها التي تعلمت منها هذه العادة.

من الجدة إلى الحفيدة

على بعد خطوات من التنور، تتابع سارة أحمد، البالغة من العمر 22 عامًا، جدتها وهي تخبز، وتحاول بين الحين والآخر تقليد حركاتها.

تقول سارة إنها لم تكن تهتم كثيرًا بطريقة إعداد خبز التنور عندما كانت أصغر سنًا، لكنها بدأت في السنوات الأخيرة تنظر إلى الأمر بصورة مختلفة، خصوصًا بعد أن أصبحت جدتها من الأشخاص القليلين في العائلة الذين ما زالوا يجيدون إعداد الخبز بالطريقة التقليدية.

وتحاول سارة تعلم التفاصيل التي تعرفها جدتها، من إعداد العجين إلى التعامل مع التنور، لكنها تقول إن الأمر يحتاج إلى وقت وممارسة.

“أستطيع أن أساعدها في العجين، لكن وضع الرغيف داخل التنور يحتاج إلى خبرة”، تقول سارة.

وتضيف أن جيلها اعتاد على شراء الخبز من الأفران، ولذلك لم تعد الحاجة اليومية إلى خبز التنور كما كانت لدى الأجيال السابقة، لكنها ترغب في تعلم الطريقة حتى لا تضيع داخل العائلة.

بالنسبة إلى سارة، لا يتعلق الأمر بإنتاج الخبز فقط، وإنما بالاحتفاظ بعادة تعلمتها من جدتها، وترى أن معرفتها بها تجعلها قادرة على نقلها مستقبلًا إلى أطفالها.

التنور في المناسبات

ولا يقتصر استخدام التنور لدى بعض العائلات على الأيام العادية، إذ يعود حضوره بشكل أكبر في بعض المناسبات العائلية، عندما تحتاج الأسرة إلى إعداد كميات من الخبز أو بعض المأكولات المرتبطة بالتنور.

يقول خالد محمود، من ريف الحسكة، لعنب بلدي، إن خبز التنور والصاج كان حاضرًا بصورة أكبر في المناسبات التي تجمع أفراد العائلة، خصوصًا عندما كانت الأسر الممتدة تعيش بالقرب من بعضها.

ويذكر أن إعداد الخبز كان عملًا تشترك فيه أكثر من امرأة خلال المناسبات، وأن الأطفال كانوا يشاركون أحيانًا في جمع الحطب أو تجهيز بعض الأدوات، بينما تتولى النساء مراحل إعداد العجين والخبز.

ويضيف أن تغير نمط الحياة أدى إلى تراجع هذه الممارسة، إذ أصبح شراء الخبز أسهل وأسرع بالنسبة إلى كثير من الأسر، بينما تحتاج عملية إعداد خبز التنور إلى وقت وجهد.

عادة تتغير ولا تختفي

لا ترى فضة أن خبز التنور اختفى من حياة سكان المنطقة، لكنها تلاحظ أنه لم يعد جزءًا يوميًا من حياة جميع العائلات كما كان في السابق.

وتقول إن بعض النساء ما زلن يحافظن عليه، بينما تعرف أخريات الطريقة دون أن يمارسنها بسبب ظروف العمل أو ضيق الوقت أو سهولة الحصول على الخبز الجاهز.

وتخشى فضة أن تفقد الأجيال الجديدة بعض تفاصيل هذه العادة إذا لم تتعلمها من النساء الأكبر سنًا.

وتقول إن ما يهمها ليس أن تخبز حفيداتها التنور كل يوم، وإنما أن يعرفن الطريقة ويحفظنها، “حتى لا يصبح الأمر مجرد حكاية عن جداتهن”.

أما سارة، فتقول إنها لن تخبز على التنور بصورة منتظمة عندما تؤسس منزلها، لكنها تريد أن تبقى قادرة على القيام بذلك.

وبينما تخرج فضة رغيفًا جديدًا من التنور، تمتد يد سارة لمساعدتها في جمع الأرغفة ووضعها جانبًا. لحظات قصيرة تختصر بالنسبة إلى العائلة انتقال عادة من جيل إلى آخر، في وقت تتغير فيه تفاصيل الحياة اليومية وتتراجع الحاجة إلى كثير من الممارسات التي كانت جزءًا أساسيًا من حياة الأسر في ريف الحسكة.

ولا تعرف فضة إن كان التنور سيبقى حاضرًا في بيوت أحفادها كما بقي في بيتها، لكنها تقول إن “الرغيف الذي تتعلمه اليد من الأم لا تنساه بسهولة”.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة