tag icon ع ع ع

أمير حقوق | محمد ديب بظت | موفق الخوجة | عدي الحاج حسين

مع سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024، لم ينتهِ ملف الاعتقال في سوريا، بل دخل مرحلة جديدة من الأسئلة حول طريقة تعامل مؤسسات الدولة مع الموقوفين، ومدى التزامها بالإجراءات القانونية، وما إذا كانت الممارسات التي ارتبطت لعقود بأجهزة النظام السابق وسجونه لا تزال حاضرة بأشكال مختلفة.

وخلال المرحلة الانتقالية، برزت حالات توقيف أثارت تساؤلات حول ما يجري منذ لحظة سلب الحرية، مرورًا بظروف الاحتجاز والتحقيق، وصولًا إلى حق الموقوف في معرفة سبب توقيفه والاستعانة بمحامٍ، وحق ذويه في معرفة مكان وجوده ومصيره.

وأعادت وفاة محمد غميرة، في آب الماضي، بعد توقيفه في قسم شرطة الحفة بريف اللاذقية على خلفية شكوى مالية، هذه الأسئلة إلى الواجهة، بعدما أعلنت وزارة الداخلية أن التحقيق أظهر تعرضه للصفع داخل القسم قبل تدهور حالته الصحية ووفاته في المستشفى.

في هذا الملف، ترصد عنب بلدي واقع التوقيف والاحتجاز في سوريا اليوم، من خلال شهادات موقوفين سابقين وذوي محتجزين، ورصد حالات في عدد من المحافظات، إلى جانب قراءة قانونية للإجراءات التي يفترض أن ترافق التوقيف والتحقيق، كما تبحث في مدى التزام جهات إنفاذ القانون بهذه الإجراءات، وحق المحتجز في الدفاع، وآليات إبلاغ ذويه، وما الذي تحتاج إليه منظومة الاحتجاز والعدالة من إصلاح لضمان عدم تكرار الانتهاكات.

داخل المخافر.. شهادات عن التوقيف والتحقيق

لا تبدأ تجربة الموقوف عند باب الزنزانة، بل منذ لحظة توقيفه، وما يرافقها من طريقة اقتياد واستجواب ومعاملة، ثم ظروف احتجازه خلال فترة التحقيق.

وبينما يفترض أن تحكم هذه المراحل إجراءات قانونية واضحة، تكشف شهادات جمعتها عنب بلدي من أربعة سجناء سابقين عن تجارب مختلفة داخل مخافر في حلب والقنيطرة وريف دمشق، تحدث أصحابها عن اكتظاظ وظروف احتجاز صعبة، إلى جانب تعرضهم، بحسب رواياتهم، للضرب وأساليب تعذيب خلال التحقيق.

زيارة لذوي النزلاء في سجن الأقطان في محافظة الرقة - 2 شباط 2026 (وزارة الداخلية)

زيارة لذوي النزلاء في سجن الأقطان في محافظة الرقة – 2 شباط 2026 (وزارة الداخلية)

اكتظاظ داخل الزنزانات

روى سجينان (فضلا عدم نشر اسميهما لأسباب أمنية وخوفًا من تداعيات الحديث عن ظروف الاعتقال)، تفاصيل فترة احتجازهما معًا في أحد مخافر مدينة حلب، بعد توقيفهما على خلفية اتهامهما بمقاومة دورية.

وقال أحدهما، إن ظروف الزنزانة كانت “سيئة جدًا”، موضحًا أنها كانت تضم قرابة 50 محتجزًا في الوقت نفسه، ما تسبب باكتظاظ شديد داخل المكان.

وأضاف أن العدد الكبير للمحتجزين انعكس على أماكن النوم، إذ كان السجين الجديد، بحسب روايته، يضطر إلى النوم بمحاذاة “دورة المياه” لعدم وجود مساحة كافية داخل الزنزانة.

وأشار إلى وجود إنارة ومراوح داخل الزنزانة، لكنه وصف ظروف الإقامة فيها بالصعبة نتيجة ارتفاع عدد المحتجزين مقارنة بالمساحة المتاحة.

أما الطعام فقال إن الوجبات المقدمة للمحتجزين كانت مقبولة، وتضمنت البطاطا مع الأرز، بينما كانت وجبات أخرى تتكون من الأرز مع الفروج.

الضرب خلال التحقيق

إلى جانب ظروف الاحتجاز، تحدث السجينان عن تعرضهما للضرب خلال التحقيق.

وأوضح أحدهما أن الضرب شمل استخدام الخرطوم والركل، مضيفًا أنه شاهد رفيقه في التوقيف يتعرض للضرب أمامه.

وبحسب روايته، أُجبر على البقاء في مكانه وعدم خفض رأسه في أثناء تعرض الشخص الذي كان موقوفًا معه للضرب، ما جعله يشاهد الواقعة بشكل مباشر.

وقال السجين الثاني، إنه تعرض بدوره لما وصفه بـ”الفلقة” خلال التحقيق، مشيرًا إلى أن الضرب كان من بين أساليب المعاملة التي واجهاها خلال فترة الاحتجاز.

أساليب تذكّر بسجن “صيدنايا”

في مخفر آخر بالقنيطرة، قال شاب لعنب بلدي، فضّل عدم نشر اسمه لأسباب أمنية، إنه تعرض خلال توقيفه لأكثر من ستة أشهر قيد التحقيق لما وصفه بأنه أساليب تعذيب شبيهة بما كان يجري في سجن “صيدنايا”، بحسب روايته.

وقال إنه تعرض لـ”الشبح” والجلد والصعق الكهربائي و”الفلقة” والركل والضرب بالعصا، على خلفية ادعاء قدمه شخص بحقه، مشيرًا إلى أن المخفر لم يتحقق، بحسب قوله، من الادعاء قبل توقيفه.

وأضاف أن المخفر رفض السماح له بتوكيل محامٍ، ولم يُظهر له مذكرة قضائية تبرر توقيفه، معتبرًا أن ممارسات مرتبطة، بحسب روايته، بـ”عقلية السجون” خلال حكم بشار الأسد لا تزال قائمة حتى اليوم.

 

تعرضتُ خلال توقيفي لأكثر من ستة أشهر قيد التحقيق لأساليب تعذيب مثل “الشبح” والجلد والصعق الكهربائي و”الفلقة” والركل والضرب بالعصا، على خلفية ادعاء لم يتحقق المخفر منه، و”عقلية السجون” خلال حكم بشار الأسد لا تزال قائمة حتى اليوم.

سجين تعرض لانتهاك في أحد مخافر القنيطرة

 

أما السجين الرابع فقال إنه تعرض لاعتقال وصفه بالتعسفي في مخفر يبرود بريف دمشق، على خلفية بلاغ قدمه شخص ضده.

وبحسب روايته، تعرض خلال فترة التوقيف لـ”الشبح” ورش المياه والركل والضرب بالأيدي، ما أدى، وفق قوله، إلى كسر بعض أسنانه، وإصابته برضوض وكسور في أنحاء من جسده، إضافة إلى تصبغات غطت كامل جسمه.

وأكد لعنب بلدي أن التعذيب الشديد كان بهدف إجباره على الاعتراف بفعل لم يرتكبه.

وبعد عدم ثبوت التهمة الموجهة إليه، خرج من المخفر وتوجه إلى وزارة الداخلية السورية، حيث قدم شكوى بحق المخفر، اتهم فيها عناصره بتوقيفه من دون مذكرة قضائية وتعذيبه من دون تهمة أو دليل، إضافة إلى عدم السماح له بتوكيل محامٍ، دون حصوله على نتيجة من الشكوى.

وتتقاطع روايات السجناء الأربعة في حديثهم عن التوقيف من دون إطلاعهم، بحسب رواياتهم، على مذكرة قضائية، وعن عدم السماح لهم بتوكيل محامٍ خلال فترة التحقيق، إلى جانب تعرضهم، بدرجات وأشكال مختلفة، لممارسات وصفوها بالانتهاكات.

وبالتوازي مع هذه الشهادات، أظهر رصد أجرته عنب بلدي في عدد من المحافظات، بينها دمشق وريفها والقنيطرة وحلب وحماة واللاذقية، تباينًا في تجارب الموقوفين من حيث طريقة الاعتقال وظروف الاحتجاز وأساليب التحقيق والمعاملة داخل المخافر، بحسب الحالات التي جرى تتبعها.

 

أي مخالفة أو تجاوز من جانب عناصر وزارة الداخلية سيتم التعامل معه بحزم وفق القوانين والإجراءات المتبعة، وكل مخالف سينال جزاءه العادل أيًا كان فور استكمال التحقيقات.

وزير الداخلية السوري أنس خطاب بعد حادثة محمد غميرة

 

معلومات محدودة عن مصير الموقوف

لا تتوقف آثار التوقيف عند الشخص المحتجز، إذ تعيش عائلته خلال هذه الفترة حالة من القلق، لا سيما عندما تقتصر المعلومات التي تصلها على تأكيد وجود أحد أفرادها لدى الجهة التي أوقفته، من دون معرفة تفاصيل القضية أو التحقيق أو المدة التي قد تستغرقها الإجراءات.

وتحدثت عنب بلدي مع ذوي مسجونين، للوقوف على ما يرافق فترة التوقيف من معلومات وصلت إلى الأهالي، وإمكانية رؤية المحتجز والتواصل معه.

رفض أحد ذوي مسجون في مخفر بدمشق الكشف عن هويته لأسباب أمنية وخوفًا على قريبه داخل المعتقل، وقال إن المخفر تواصل معهم بعد توقيف ابنهم وأبلغهم بوجوده لديه، ما مكّنهم من معرفة مكان الاحتجاز.

لكن الاتصال لم يترافق مع معلومات تفصيلية حول أسباب التوقيف أو طبيعة التحقيق، والإجراءات التي يخضع لها ابنهم.

وأضاف أنه لم يتمكن من رؤيته خلال فترة التحقيق، بعدما أُبلغ بأن مقابلته لن تكون ممكنة قبل انتهاء التحقيق.

وبحسب روايته، لم يترافق ذلك مع إساءة مباشرة في التعامل مع أفراد الأسرة، إلا أن عدم القدرة على رؤية المحتجز أو الحصول على معلومات إضافية عنه والسماح بتوكيل محامٍ، أبقاهم في حالة من القلق خلال تلك الفترة.

أما والدة مسجون في سجن “عدرا المركزي” فتحدثت لعنب بلدي أن ابنها متهم بقضايا السرقة والنصب، وأن المعاملة مع أهالي المساجين “متباينة” و”متقلبة المزاج” بحسب فترة المناوبة، وقالت إن توقيت الزيارة غير ثابت وأحيانًا يمنعونها من الزيارة لأسباب مختلفة.

وأكدت أنها لم تعلم بموعد جلسات المحاكمة لابنها، معتبرة أنه “تصرف حكومي غير قانوني”.

وفي حلب، قالت أخت مسجون في أحد مخافر المدينة، إن المخفر أبلغها بوجود أخيها لديه بعد توقيفه، ما جعلها على علم بمكان احتجازه، لكنها أشارت إلى أن المعلومات التي حصلت عليها خلال فترة التحقيق بقيت محدودة.

وبحسب روايتها، لم تكن لديها صورة واضحة عن تفاصيل القضية أو المدة التي قد تستغرقها الإجراءات، في حين وصفت تعامل عناصر المخفر مع أفراد الأسرة بأنه “عادي”، ولم تتعرض، وفق قولها، لإساءة مباشرة.

وبالنسبة إليها، لم تكن المشكلة الأساسية في طريقة التعامل المباشر معها، وإنما في محدودية المعلومات المتاحة خلال فترة التحقيق، فمعرفة مكان وجود المحتجز لم تعنِ بالضرورة معرفة تفاصيل ما يجري معه أو موعد انتهاء التحقيق رغم مضي أكثر من ثلاثة أشهر من اعتقاله، في حين لم تكن الزيارة متاحة خلال هذه المرحلة، بحسب روايتها.

ويترك غياب هذه المعلومات العائلة في حالة من عدم اليقين بشأن وضع المحتجز، وما إذا كان سيسمح لها بزيارته أو التواصل معه، ومتى يمكن ذلك.

النائب العام في سوريا حسان التربة يزور أحد السجون في الحسكة - 21 نيسان 2026 (وزارة الداخلية)

النائب العام في سوريا حسان التربة يزور أحد السجون في الحسكة – 21 نيسان 2026 (وزارة الداخلية)

إجراءات جهات إنفاذ القانون.. “ازدواجية واسعة”

تتجاهل جهات إنفاذ القانون، من أمن وشرطة، العديد من الإجراءات القانونية في أثناء توقيف المتهمين والمشتبه بهم، مرورًا بالاعتقالات التعسفية، وتغييب بعضهم، وصولًا إلى منع متهمين، في بعض الحالات، من توكيل محامٍ للدفاع عنهم.

ورصدت عنب بلدي حالات توقيف “تعسفية” دون إبراز مذكرات اعتقال، في حين أن حالات أخرى مكثت في مراكز التوقيف أكثر من المدة القانونية، دون عرضها على القضاء.

وتثير هذه الحالات تساؤلات حول الإجراءات القانونية المتبعة في سوريا، ومدى تطبيق جهات الإنفاذ لها، مع مناقشتها مع قانونيين ومختصين.

تواصلت عنب بلدي مع وزارتي الداخلية والعدل، عبر مكاتبهما الإعلامية، للاستفسار عن الإجراءات القانونية المتبعة، ولأخذ ردهما حول هذه الحالات، وسؤالهما عن إجراءاتهما لرصد وإيقاف هذه التجاوزات، إلا أنها لم تتلق ردًا حتى لحظة تحرير الملف.

وأشار المحامي والخبير القانوني الدكتور محمد شيخ إبراهيم إلى وجود ما أسماه “ازدواجية واسعة” بين النص القانوني النظري المفترض والتطبيق العملي، في مرحلة ما قبل المحاكمة، استنادًا إلى القوانين المعمول بها في سوريا، وصولًا إلى الإعلان الدستوري السوري المؤقت 2025.

مدة التوقيف القانونية

أوضح القانوني شيخ إبراهيم أن المدة التي يحق فيها للضابطة العدلية (الشرطة والأمن) الاحتفاظ بالموقوف تكون عادة 24 ساعة، وفي الجنح تكون مدة التوقيف الاحتياطي الإجمالية سبعة أيام، قابلة للتمديد بقرار معلل من قاضي التحقيق، بشرط ألا يتجاوز مجموعها 60 يومًا، ما لم تتم إحالة الدعوى للمحكمة أو يصدر قرار قضائي جديد يبرر استمرار التوقيف.

وفي الجنايات تكون مدة التوقيف الاحتياطي الأولية 15 يومًا، قابلة للتمديد بقرار معلل من قاضي التحقيق، على ألا يتجاوز مجموع مدد التوقيف ستة أشهر.

شيخ إبراهيم قال إن النموذج السوري جامد في التعامل مع التوقيف لدى الضابطة العدلية، حيث يسمح بالتمديد دون اشتراط صارم لاستمرار عملية التوقيف، ودون رقابة قضائية أو نص قانوني من حيث الواقع العملي.

ويرى أن الحل يكمن في عدم استمرار الحبس إلا بموافقة القضاء، بشروط واضحة ومحددة غير قابلة للتأويل.

من زيارة وزير الداخلية أنس خطاب لسجن دمشق المركزي - 8 حزيران 2026 (وزارة الداخلية السورية)

من زيارة وزير الداخلية أنس خطاب لسجن دمشق المركزي – 8 حزيران 2026 (وزارة الداخلية السورية)

الاعتقال “التعسفي”

وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” 141 حالة اعتقال تعسفي نفذتها قوات الحكومة السورية في النصف الأول من عام 2026، بينهم طفلان وسيدتان، في حين أفرجت لاحقًا عن 12 محتجزًا في ذات المدة، بينهم طفل واحد.

وقالت “الشبكة” في بيان لها، نشرته في 2 من تموز الماضي، إن 19 حالة منها وثقتها في الربع الثاني من عام 2026، من ضمنها الطفلان.

وتعرّف “الشبكة” الاعتقال التعسفي بأنه حرمان شخص من حريته دون سند قانوني صحيح، أو بما يتعارض مع الضمانات المنصوص عليها في القانون الدولي.

وفي سياق مشابه، رصدت عنب بلدي حالات توقيف نفذتها قوى الأمن دون إبراز مذكرة اعتقال، والذي يعد أحد أشكال الاعتقال التعسفي التي تجري خارج السياق القانوني.

الجرم المشهود استثناء

الأصل أنه لا يحق للضابطة العدلية التوقيف إلا بموجب مذكرة صادرة عن النيابة أو القضاء، باستثناء ما حددته القوانين المتعلقة بحالات الجرم المشهود، وفق ما أوضحه شيخ إبراهيم، مشيرًا إلى أنه في هذه الحالات يجوز لعناصر الشرطة والأمن توقيف المشتبه به فورًا واقتياده، وعليهم إبلاغ النيابة العامة خلال 24 ساعة وتسليمه مع الضبط.

وحتى في حالة التلبس، يمنع تفتيش المنازل إلا بإذن قضائي، باستثناء حالة واحدة هي وقوع الجناية داخل المنزل، وفق ما لفت إليه شيخ إبراهيم.

ووفق شيخ إبراهيم، حصر القانون السوري حالات التوقيف دون مذكرة في الجرم المشهود، وقيّد الضابطة العدلية في مواجهة حالات الخطر في التأخير التي لا تحتمل انتظار إذن النيابة أو القضاء.

التشريعات الحديثة توسع سلطة التوقيف المؤقت متى توفرت شروط المذكرة الأصلية وكان التأخير مفضيًا إلى إفلات المشتبه به أو ضياع الأدلة، دون اشتراط التلبس.

لكنها تقابل هذا التوسيع برقابة قضائية فورية وصارمة، إذ يجب عرض الموقوف على القاضي المختص خلال مدة قصيرة جدًا، وإلا بطل التوقيف.

كما تخضع مدته لمراجعة دورية، ولا يجوز تمديدها إلا بقرار معلل ولمدة محددة.

لذلك، يرى أن على المشرّع السوري التخلص من حالة الجمود في الحالات وغياب الضمانات الرقابية الفعلية، وعليه توسيع حالات التوقيف المشروعة عند الضرورة مع تشديد الرقابة القضائية اللاحقة، لا العكس.

الإجراءات اللاحقة باطلة

يعد التوقيف دون إبراز مذكرة صادرة عن سلطة مختصة، أو دون عرض الموقوف على القاضي المختص خلال المدة القانونية، باطلًا بطلانًا مطلقًا ينسحب على كل الإجراءات اللاحقة، ولا يعتد بأي اعتراف أو دليل مستمد منه، وفق شيخ إبراهيم.

ويرى أنه يشكل “جريمة قائمة بذاتها”، إذ يندرج تحت جريمة الحرمان من الحرية الشخصية، وقد يرقى إلى الاختفاء القسري المحظور بموجب الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006.

 

تشدد المعايير الأوروبية، ولا سيما المادة “5” من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، على أن التوقيف لا يكون مشروعًا إلا إذا أُبرزت أسبابه فورًا، وتم عرض الموقوف على قاضٍ خلال مدة قصيرة جدًا، وإلا اعتُبر توقيفًا تعسفيًا يوجب التعويض.

د. محمد شيخ إبراهيم

محامٍ وخبير قانوني

 

ويرى شيخ إبراهيم أن تجاهل إبراز المذكرة ليس مجرد مخالفة شكلية، بل انتهاك جوهري للحق في الحرية والأمن الشخصي، يستوجب البطلان والتعويض والمساءلة الجنائية.

منع المتهم من توكيل محامٍ

فيما يتعلق بمنع المتهمين من توكيل محامٍ للدفاع عنهم، شدد شيخ إبراهيم على أن هذا إجراء غير قانوني، حيث لا يوجد نص واحد في القانون السوري يجيزه.

وأكد أنه حتى في جرائم أمن الدولة، لا يجيز القانون المنع المطلق.

ويرى أن منع الوكالة للمحامي بحجة أن المتهم ما زال قيد التحقيق يترتب عليه انتهاك حق الدفاع ويؤدي إلى بطلان التحقيق، والمسؤولية المسلكية على الضابط والعناصر ومدير السجن، كما يمكن أخذه قرينة على التعذيب والاحتجاز التعسفي أمام المحاكم الدولية.

واعتبر أن منع المعتقل من توكيل محامٍ لدى الضابطة العدلية ليس مجرد مخالفة إدارية، بل هو “انتهاك مركّب” يهدم سلامة التحقيق من جذوره، ويفتح الباب أمام الاعترافات الباطلة، ويعرّض مرتكبيه للمساءلة الجزائية بتهمة حجز الحرية الشخصية أو حتى الاختفاء القسري.

ولفت شيخ إبراهيم إلى أن وزارة الداخلية أصدرت تعميمًا حول الحضور الصامت للمحامي، والذي يقر بحقه حضور جلسات استجواب الضابطة العدلية، لكنه قيده بالصمت وعدم التدخل إلا بإذن.

وبقدر ما يبدو التعميم الوزاري خطوة نحو الأمام، فإنه يظل حماية شكلية ما لم يُترجم إلى حضور فعّال ومؤثر للمحامي، ويكون غيابه موجبًا لبطلان مطلق لكل ما يترتب عليه، وفق ما يعتقده الخبير القانوني.

أما المحامي والناشط الحقوقي عبد الناصر حوشان فيرى أن عدم حضور المحامي خلال مرحلة التحقيقات الأمنية الأولية لا يعني، بحسب تفسيره للإجراءات، إسقاط حق المحتجز في الدفاع، وإنما يرتبط بطبيعة هذه المرحلة وسريتها.

وأوضح أن الهدف من هذا الإجراء ليس حرمان الموقوف من حقه الأصيل في الدفاع، وإنما حماية سير العدالة وسرية المعلومات، إذ إن تسريب أي اسم لشاهد أو مشتبه به في هذه المرحلة قد يؤدي إلى الإضرار بالحقيقة أو إفشال ملف التحقيق كاملًا، مؤكدًا أن هذه القيود تُرفع فور انتقال الملف إلى المرحلة القضائية العلنية المعتادة.

 

عدم حضور المحامي خلال مرحلة التحقيقات الأمنية الأولية لا يعني إسقاط حق المحتجز في الدفاع، وإنما يرتبط بطبيعة هذه المرحلة وسريتها.

عبد الناصر حوشان

محامٍ وناشط حقوقي

 

“صوتك وصل”.. شكاوى لم تصل

يشكو بعض أهالي الموقوفين من عدم معرفة مصير ذويهم، أو أماكن وسبب احتجازهم.

أبرز مثال هو الإعلامي مراد محلي، المحتجز في سجون وزارة الداخلية منذ أكثر من ثمانية أشهر، دون إحالته إلى القضاء، بالإضافة إلى الإعلامي محمود الخطيب، الذي قال ذووه وأصدقاؤه إنه مختطف منذ أكثر من سنة ونصف، دون معرفة مكانه، والجهة التي اختطفته.

ونظّم إعلاميون وناشطون وقفة احتجاجية أمام مبنى قيادة الأمن الداخلي في مدينة حلب، أواخر آب الماضي، للمطالبة بالكشف عن مصير الإعلاميَّين، واحترام حقوقهما وضمان حقهما في الحماية القانونية، والكشف عن مصير المحتجزين والمختفين قسرًا، بما ينسجم مع مبادئ العدالة وسيادة القانون.

بالمقابل، أتاحت وزارة الداخلية تطبيقًا إلكترونيًا باسم “صوتك وصل”، وقالت إن مهمته تسهيل الاستعلام عن منع السفر، ومتابعة حالة الموقوفين، وتقديم الشكاوى ومتابعتها بخطوات بسيطة وآمنة، وفق تعريفها.

عنصر أمني يسير وسط أسرة فارغة في سجن حمص - 21 كانون الأول 2024 (رويترز)

عنصر أمني يسير وسط أسرة فارغة في سجن حمص – 21 كانون الأول 2024 (رويترز)

بين الإصلاح الهيكلي والواقع القانوني

تكشف الشهادات التي جمعتها عنب بلدي عن فجوة بين الإجراءات التي يفترض أن تحكم عملية التوقيف والتحقيق، وبين ما يرويه موقوفون سابقون عن تجاربهم داخل بعض المخافر.

ومع انتقال النقاش من الحالات الفردية إلى آليات الاعتقال والاحتجاز، يبرز سؤال أساسي حول ما إذا كانت معالجة الانتهاكات تتطلب إعادة بناء المنظومة القانونية والمؤسسية، أم أن القوانين النافذة توفر أصلًا الضمانات اللازمة، وتتمثل المشكلة في تطبيقها وقدرة المؤسسات على تنفيذها.

ويختلف تشخيص أسباب الخلل بين مقاربتين، فالمؤسس المشارك والمدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، بسام الأحمد، يرى أن جزءًا أساسيًا من المشكلة يرتبط بغياب نظام وطني مركزي يوثق حركة المحتجز منذ لحظة توقيفه، بينما يعتبر المحامي والناشط الحقوقي عبد الناصر حوشان أن الإجراءات القانونية الأساسية باتت من “المسلّمات”، وأن التحدي الأبرز يتمثل في نقص الكوادر والقدرات التنفيذية أمام حجم الملفات.

نظام مركزي أم رقابة مزدوجة؟

بالنسبة إلى الأحمد، تبدأ معالجة الاعتقال التعسفي من معرفة مكان المحتجز وتسجيل المعلومات المتعلقة به منذ اللحظة الأولى، ويطرح لذلك إنشاء منصة وطنية موحدة تشترك فيها جميع الجهات المسؤولة عن الاحتجاز، ويُلزم القانون من خلالها بتسجيل بيانات كل موقوف، بما يشمل تاريخ وساعة التوقيف، والجهة التي نفذته، والمبرر القانوني، ومكان الاحتجاز.

ويرى الأحمد أن حماية المحتجز تبدأ من عدم ترك وضعه خارج السجلات الرسمية، ومن إلزام الجهة التي تنفذ التوقيف بتقديم أساس قانوني واضح له وإبلاغ عائلته بمكان وجوده، إلى جانب توثيق حالته الصحية وضمان حقه في التمثيل القانوني.

في المقابل، قال حوشان إن التوقيف، وفق الإجراءات القانونية المعمول بها، يتم تحت إشراف النيابة العامة وبموجب مذكرات قضائية محددة، بينها “مذكرة إحضار” و”مذكرة توقيف” و”مذكرة قبض ونقل”.

وأضاف أن الشرطة لا تملك، بحسب هذا الإطار، صلاحية اتخاذ قرار التوقيف من تلقاء نفسها، وإنما ترفع الضبوط ونتائج التحقيق إلى النيابة العامة المختصة، التي تقرر التوقيف أو إخلاء السبيل.

ويظهر التباين بصورة أوضح عند الحديث عن الحالات التي لا تصل فيها معلومات التوقيف إلى العائلة أو لا تكون الإجراءات الرسمية واضحة أمام المحتجز.

وفي حين ينفي حوشان وجود سجون سرية، معتبرًا أن الإجراءات الحالية أصبحت أكثر وضوحًا، يرى الأحمد أن عدم إصدار وثائق رسمية تثبت وجود بعض المحتجزين، أو منع ذويهم من زيارتهم، يمكن أن يعيد إنتاج صورة من صور الاحتجاز السري.

ويستند إلى قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، وإلى المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، للقول إن حماية المحتجز من الاحتجاز التعسفي وضمان قدرته على الطعن في قانونية احتجازه والاتصال بمحامٍ تمثل ضمانات أساسية لا ينبغي تعليقها على طبيعة الجهة التي تحتجزه.

وشدد الأحمد على أن معالجة ملف السجون لا تنفصل عن مسار العدالة الانتقالية، معتبرًا أن حصر ولاية الهيئات المعنية بالمفقودين والعدالة الانتقالية بانتهاكات النظام السابق دون غيرها يترك مساحة لانتهاكات جديدة من أطراف مختلفة من دون آليات واضحة للمساءلة وجبر الضرر.

 

معالجة ملف السجون لا تنفصل عن مسار العدالة الانتقالية، وحصر ولاية الهيئات المعنية بالمفقودين والعدالة الانتقالية بانتهاكات النظام السابق دون غيرها يترك مساحة لانتهاكات جديدة.

بسام الأحمد

المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”

 

المحامي العام بدمشق حسام خطاب يجري جولة ميدانية في سجن دمشق المركزي - 8 آب 2026 (وزارة العدل)

المحامي العام بدمشق حسام خطاب يجري جولة ميدانية في سجن دمشق المركزي – 8 آب 2026 (وزارة العدل)

ما الذي بقي من إرث النظام السابق؟

يمتد الخلاف كذلك إلى القوانين التي تحكم المنظومة الجزائية في سوريا، فبينما يرى حوشان أن القوانين الأساسية، ومنها قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات الجزائية، تتضمن في أصلها مبادئ وضمانات قانونية لا خلاف جوهريًا عليها، يرى الأحمد أن معالجة ملف الانتهاكات تتطلب مراجعة تشريعية أوسع ومواءمة القوانين الوطنية مع الالتزامات الدولية، إلى جانب الانضمام إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب.

ويقر المحامي حوشان، في الوقت نفسه، بأن المنظومة العقابية السورية تعرضت لتحولات منذ ستينيات القرن الماضي، حين توسعت صلاحيات الأجهزة الأمنية وظهرت تشريعات ومحاكم استثنائية، وصولًا إلى قانون مكافحة الإرهاب رقم “19” لعام 2012 ومحكمة قضايا الإرهاب بموجب القانون رقم “22” لعام 2012.

ويرى أن تجاوز هذا الإرث يبدأ بإلغاء التشريعات الاستثنائية وتجريد الأجهزة الأمنية من صلاحيات الضابطة العدلية، مع الإبقاء على القواعد الأساسية للقانون الجزائي وتطبيقها بصورة صحيحة.

أما الأحمد فيرى أن تغيير النصوص وحده لا يكفي، معتبرًا أن الاختبار الحقيقي يكمن في وجود إرادة سياسية ومؤسسات قادرة على منع الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، وليس الاكتفاء بلجان أو إجراءات لا تنتهي إلى نتائج فعلية.

 

الاختبار الحقيقي يكمن في وجود إرادة سياسية ومؤسسات قادرة على منع الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها، وليس الاكتفاء بلجان أو إجراءات لا تنتهي إلى نتائج فعلية.

بسام الأحمد

المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”

بين نقص الكوادر وإعادة بناء المنظومة

تظهر صعوبة تطبيق هذه الإجراءات أيضًا في حجم الملفات التي تواجه المؤسسات القضائية والأمنية، وأشار حوشان إلى أن عدد القضايا والموقوفين المحالين إلى القضاء وصل، بحسب تقديره، إلى نحو عشرة آلاف ملف وموقوف، في ظل نقص بأعداد المحققين والقضاة، الأمر الذي أدى إلى إبطاء البت في التحقيقات.

وقال إن مراجعة الملفات مستمرة، وإن دفعات من الموقوفين الذين لم تثبت إدانتهم تخرج بصورة دورية، وتتراوح أعدادها بين 50 و100 شخص، إلى جانب العمل على تعيين قضاة جدد لتسريع معالجة الملفات.

 

 

عدد القضايا والموقوفين المحالين إلى القضاء وصل إلى نحو عشرة آلاف ملف وموقوف، في ظل نقص بأعداد المحققين والقضاة، الأمر الذي أدى إلى إبطاء البت في التحقيقات.

عبد الناصر حوشان

محامٍ وناشط حقوقي

 

في المقابل، يرى الأحمد أن معالجة هذه التحديات لا ينبغي أن تقتصر على زيادة أعداد القضاة والمحققين، وإنما تتطلب إعادة هيكلة المنظومة العقابية وإنشاء آليات رقابة مستقلة تمتلك صلاحية التفتيش المفاجئ على أماكن الاحتجاز.

وأكد أن حظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية يجب أن يسري على جميع المحتجزين من دون تمييز، وأن ارتكاب الشخص جريمة أو وجود شبهات بحقه لا يسقط حقه في المحاكمة العادلة والمعاملة الإنسانية.

 

حظر التعذيب والمعاملة اللاإنسانية يجب أن يسري على جميع المحتجزين من دون تمييز.

بسام الأحمد

المدير التنفيذي لمنظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”

 

الإصلاح يبدأ من لحظة التوقيف

تضع المقاربتان ملف السجون أمام مسارين مختلفين في تحديد نقطة الخلل، فبينما يركز حوشان على تطبيق القوانين القائمة، وإلغاء الاستثناءات، وزيادة القدرة البشرية والمؤسسية على إنفاذها، يدفع الأحمد باتجاه إصلاح أوسع يشمل التشريع والتوثيق والرقابة والمساءلة.

وبين المسارين، تبدو لحظة التوقيف نقطة مركزية في اختبار أي إصلاح مقبل: من يملك قرار التوقيف؟ وأين يسجل؟ وهل يعرف المحتجز سبب سلب حريته؟ ومتى يستطيع الاستعانة بمحامٍ؟ ومتى يعرف أهله مكانه ومصيره؟ ومن يراقب طريقة معاملته داخل مكان الاحتجاز؟

وتحيل هذه الأسئلة إلى ما هو أبعد من ظروف السجن نفسها، إلى قدرة المنظومة القانونية والمؤسساتية على ضمان ألا تتحول صلاحية التوقيف والتحقيق إلى مساحة خارج الرقابة والمساءلة، وهو ما يجعل إصلاح السجون مرتبطًا بإصلاح منظومة العدالة والأجهزة المكلفة بإنفاذ القانون ككل.

مقالات متعلقة