عمرة مصفاة بانياس.. هل تعيد تشكيل معادلة الطاقة في سوريا؟

  • 2026/09/13
  • 6:02 م
رئيس الشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي يتفقد أعمال "عمرة" مصفاة بانياس - 8 أيلول 2026 (الشركة السورية للبترول)

رئيس الشركة السورية للبترول يوسف قبلاوي يتفقد أعمال "عمرة" مصفاة بانياس - 8 أيلول 2026 (الشركة السورية للبترول)

enab_get_authors_shortcode

دخلت مصفاة بانياس مرحلة صيانة شاملة يُفترض أن تغيّر قدرتها الإنتاجية، مع أعمال تستهدف رفع طاقتها من نحو 80 ألف برميل يوميًا إلى نحو 130 ألف برميل، أي بزيادة تقارب 50 ألف برميل يوميًا.

وتتجاوز العملية، وفق ما أعلنته الشركة السورية للبترول، أعمال الصيانة الاعتيادية، إذ تشمل استبدال المفاعل، وإعادة تأهيل وحدات التقطير ومحطة القوى، إلى جانب تأهيل الأبنية والطرق ومتطلبات السلامة، فضلًا عن تطوير مختبر المصفاة وتجهيزه بمعدات متقدمة للفحوصات.

وبحسب نائب الرئيس التنفيذي للشركة لشؤون التكرير والصناعات الكيميائية، طارق شلاش العبد الله، تمتد الأعمال إلى وحدات التقطير الجوي والفراغي والتحسين والهدرجة والكبريت، إضافة إلى محطة القوى.

ومن المتوقع إنجاز أعمال التقطير ومحطة القوى خلال نحو شهرين، فيما يحتاج قسم التحسين إلى شهر إضافي، بسبب عدم استبدال مفاعله منذ أكثر من 40 عامًا.

وتأتي هذه الخطوة في وقت ما تزال فيه سوريا تعتمد على الاستيراد لتأمين جانب كبير من احتياجاتها من المشتقات النفطية، ما يطرح سؤالًا أوسع من مجرد زيادة الإنتاج: ماذا يمكن أن تعني إعادة تأهيل المصفاة للاقتصاد السوري، وفاتورة الاستيراد، وأسعار الوقود، والقطاعات المرتبطة بالطاقة؟

زيادة 50 ألف برميل.. ماذا تعني للاقتصاد السوري؟

رفع الطاقة الإنتاجية لمصفاة بانياس من 80 ألفًا إلى 130 ألف برميل يوميًا يعني زيادة القدرة التكريرية بنحو 50 ألف برميل يوميًا، في خطوة تأتي ضمن إعادة تأهيل منشأة تعد من الركائز الأساسية لقطاع الطاقة السوري.

ويرى الباحث الاقتصادي في “مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية”، أدهم قضيماتي، أن رفع طاقة مصفاة بانياس يأتي في سياق تطور أوسع في قطاع النفط، مشيرًا إلى وجود اتفاقيات تهدف إلى رفع كفاءة الآبار والمصافي الموجودة في سوريا.

واعتبر قضيماتي، في حديثه مع عنب بلدي، أن إعادة تأهيل المصافي من أولويات الحكومة السورية، ولذلك فإن رفع الإنتاج يأتي، بحسب قراءته، بصورة طبيعية ضمن هذا المسار، مع إمكانية أن تشهد سوريا مستقبلًا استكشافات جديدة نتيجة الاتفاقيات التي أبرمت مع الحكومة السورية بهدف رفع الإنتاج النفطي.

ولا يحصر قضيماتي أثر زيادة الإنتاج في المصفاة نفسها، بل يربطه بقطاع الطاقة بصورة عامة، معتبرًا أن رفع إنتاج النفط والغاز والمشتقات النفطية في سوريا يمثل تغيرًا حقيقيًا في القطاع، ومن الطبيعي أن ينعكس على الاقتصاد السوري وعلى حاجة البلاد إلى القطع الأجنبي.

من جهته، قال الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي في جامعة حماة، الدكتور عبد الرحمن محمد، إن رفع طاقة مصفاة بانياس من 80 ألف برميل يوميًا إلى 130 ألف برميل يمثل “خطوة جوهرية” في إعادة هيكلة قطاع التكرير السوري، الذي عانى من تدهور البنية التحتية لعقود.

ويحدد محمد الأهمية الاقتصادية لهذه الخطوة في ثلاثة أبعاد، وفق الآتي:

  1.  استعادة جزء من القدرة التكريرية الوطنية التي كانت معطلة، بما يرفع نسبة الاكتفاء الذاتي من المشتقات المكررة.
  2. خلق قيمة مضافة داخل سوريا بدلًا من تصدير الخام واستيراد المشتقات الجاهزة بأسعار أعلى.
  3.  تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الخارجية المرتبطة بمخاطر جيوسياسية.

لكن زيادة طاقة المصفاة، وفق الخبيرين، لا تعني أن قطاع الطاقة السوري وصل إلى مرحلة الاكتفاء، إذ تبقى القدرة التكريرية مرتبطة بتوافر الخام وبحجم الإنتاج المحلي من النفط، وهي عوامل تحدد مدى الاستفادة الفعلية من الطاقة الجديدة.

هل تخفّض العمرة فاتورة الاستيراد؟

في اقتصاد يعتمد على استيراد جزء كبير من احتياجاته النفطية، لا تقف أهمية زيادة إنتاج المشتقات عند حدود توافر الوقود، بل تمتد إلى العملة الأجنبية التي تحتاجها سوريا لتأمين الواردات.

تكلفة الإنتاج النفطي المحلي تختلف عن شراء النفط من الخارج، وفقًا لقضيماتي، موضحًا أن ارتفاع أسعار النفط عالميًا إلى مستويات تقارب 100 دولار للبرميل يجعل الإنتاج المحلي أكثر أهمية من ناحية توفير القطع الأجنبي.

وبحسب قراءته، يمكن أن يُستخرج النفط ويُوزع بتكلفة إنتاج تتضمن هامش ربح بسيطًا يغطي تكاليف التشغيل، وقد تصل القيمة إلى نحو نصف تكلفة الشراء الخارجي، ولذلك فإن ارتفاع الإنتاج السوري من النفط يمكن أن يوفر ما يقابله من القطع الأجنبي الذي كان سيخرج من سوريا لتعويض النقص.

ويرى قضيماتي أن زيادة الإنتاج يمكن أن تقلص فجوة الاحتياجات، لكنها لن تلغي الاستيراد في المرحلة الحالية.

واستند في ذلك إلى تقديره لحاجة سوريا إلى نحو 300 ألف برميل يوميًا، مقابل وصول الإنتاج، إلى نحو 100 ألف برميل يوميًا، وفق تصريح وزارة الطاقة، ما يعني استمرار الحاجة إلى استيراد نحو 200 ألف برميل يوميًا من الخارج.

أما الدكتور عبد الرحمن محمد، اعتبر أن زيادة الإنتاج المحلي من المشتقات تعني اقتصادًا في القطع الأجنبي المخصص لاستيراد البنزين والمازوت، موضحًا أن السوق السورية تستورد، وفق البيانات الحكومية التي يستند إليها، نحو 81% من حاجتها من البنزين و74% من المازوت.

وبحسب محمد، فإن رفع طاقة المصفاة بمقدار 50 ألف برميل يوميًا من شأنه أن يقلص الفجوة، لكنه لا يلغيها، إذ تقدر حاجة السوق السورية بنحو 300 ألف برميل يوميًا مكافئة من النفط والمشتقات، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي من الخام 100 ألف برميل، كما أن الطاقة الجديدة للمصفاة ستبقى دون مستوى الاحتياجات الإجمالية.

ويضيف أن أكثر من 75% من الخام المحلي من النوع الثقيل، وهو ما يفرض قيودًا على التكرير الكامل محليًا.

وعليه، خلص محمد إلى أن الاستيراد سيبقى ضرورة اقتصادية، لكن بحجم أقل نسبيًا وكلفة أجنبية أقل.

زيادة التكرير لا تعني بالضرورة وقودًا أرخص

قد يبدو منطقيًا أن تؤدي زيادة الإنتاج المحلي إلى انخفاض أسعار الوقود، لكن العلاقة بين الأمرين ليست مباشرة، بحسب الخبيرين.

قضيماتي يرى أن زيادة إنتاج المشتقات النفطية وزيادة إنتاج النفط في سوريا ستنعكسان على الأسعار، معتبرًا أن تكاليف الإنتاج ترتبط بدرجة كبيرة بالطاقة.

وعندما تكون أسعار الطاقة منخفضة، فإن ذلك يخفف من أحد مصادر التضخم التي يمكن أن تشهدها سوريا خلال الفترة المقبلة.

في المقابل، يربط محمد سعر الوقود بعوامل أوسع من حجم التكرير المحلي، مؤكدًا أن زيادة طاقة التكرير لا تعني تلقائيًا انخفاض أسعار الوقود للمستهلك.

ويشير إلى أن تسعير المشتقات في سوريا يخضع لمنظومة تشمل سعر النفط الخام عالميًا، وتكاليف الاستيراد والشحن والتأمين للكميات التي لا تكرر محليًا، وآلية تسعير الصرف المخصص للمحروقات، إضافة إلى مستوى الدعم الحكومي.

وبحسب محمد، فقد ارتفعت أسعار البنزين والمازوت في سوريا خلال عام 2026 رغم الجهود المبذولة، بسبب صعود خام برنت وتكاليف التوريد العالمية.

لذلك، فإن ما يمكن أن تحققه زيادة طاقة التكرير، وفق قراءته، هو تخفيف الضغط على كلفة التوريد، وليس بالضرورة خفض السعر النهائي للمستهلك بصورة مباشرة.

ويذهب قضيماتي إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا سيبقى عاملًا مؤثرًا في السوق السورية، باعتبار أن سوريا ليست بمنأى عن حركة أسعار الطاقة العالمية.

لكنه يرى أن ارتفاع الإنتاج المحلي من المشتقات يمكن أن يمنح الحكومة قدرة أكبر على التحكم بمعدلات التضخم، وكذلك في تسعير المنتجات، عندما يغطي الإنتاج المحلي حاجة السوق بدرجة أكبر.

وكانت مديرية خدمات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة السورية أقرت زيادة غير مسبوقة في أسعار المشتقات النفطية والغاز المنزلي والصناعي.

ودخل تطبيق الأسعار حيز التنفيذ اعتبارًا من اليوم، الأحد 13 من أيلول، إذ قفز سعر ليتر بنزين أوكتان “95” إلى 195 ليرة سورية بعد أن كان عند 152 ليرة، وصعد سعر ليتر البنزين “90” ليصل إلى 185 ليرة سورية مقارنة بـ147 ليرة في السابق.

في حين سجل ليتر المازوت الارتفاع الأكبر نسبيًا ليبلغ 175 ليرة سورية صعودًا من 125 ليرة.

وأوضحت وزارة الطاقة السورية أسباب قرار رفع أسعار المشتقات النفطية، مشيرة إلى أنه جاء نتيجة ارتفاع ‏استثنائي في تكلفة تأمين هذه المشتقات عالميًا، بالتزامن مع “عمرة” (تأهيل) مصفاة بانياس.

من النقل إلى الصناعة.. أين يظهر الأثر الأكبر؟

لا يتوقف أثر زيادة إنتاج المشتقات عند قطاع النفط نفسه، فالمشتقات النفطية تدخل في تكلفة قطاعات واسعة من الاقتصاد، ما يجعل أي تغير في توافرها أو كلفتها قابلًا للانتقال إلى قطاعات أخرى.

ويرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن محمد، أن القطاعات الأكثر استفادة من زيادة إنتاج المازوت والبنزين والغاز هي النقل والمواصلات، والكهرباء، والصناعة، والقطاع المنزلي.

فالنقل والمواصلات يرتبطان بصورة مباشرة بالبنزين والمازوت، فيما تحتاج الكهرباء إلى الفيول أويل والغاز لتشغيل المحطات، ويستخدم المازوت في العمليات التشغيلية والتدفئة الصناعية، بينما يمثل غاز النفط المسال “LPG” أحد مصادر الطاقة للقطاع المنزلي.

لكن انعكاس زيادة الإنتاج على تكاليف هذه القطاعات والأسعار في الأسواق، بحسب محمد، يتوقف على آلية توزيع الوفورات الناتجة عن تقليل الاستيراد.

ففي حال تراجعت الحاجة إلى استيراد المشتقات، يمكن نظريًا أن تنخفض كلفة تأمين جزء من احتياجات السوق، لكن ذلك لا يعني تلقائيًا انتقال الوفورات كاملة إلى المستهلك.

وحذر محمد من أن غياب سياسة تسعير شفافة تربط السعر المحلي بكلفة الإنتاج الفعلية قد يؤدي إلى عدم انتقال الوفورات كاملة إلى المستهلك، بحيث تبقى الأسعار متأثرة بعوامل خارجية أكثر من تأثرها بزيادة الإنتاج المحلي.

أما قضيماتي، فيربط زيادة إنتاج المشتقات بانخفاض تكاليف الطاقة، معتبرًا أن انخفاض أسعار الطاقة يخفف من الضغوط التضخمية، وبالتالي يمكن أن ينعكس انخفاضًا في تكاليف الإنتاج والأسعار بصورة أوسع.

العمرة وحدها لا تكفي لأمن الطاقة

تضع عملية تأهيل مصفاة بانياس أمام الاقتصاد السوري فرصة لرفع القدرة التكريرية والاستفادة بصورة أكبر من الإنتاج المحلي، لكنها في الوقت نفسه تكشف أن معالجة قطاع الطاقة لا تتوقف عند إصلاح منشأة واحدة.

واعتبر محمد أن عمرة مصفاة بانياس تمثل استثمارًا في الأصول الرأسمالية القائمة، وتعالج اختناقًا هيكليًا في سلسلة القيمة النفطية، لكن أثرها الاقتصادي الكلي سيبقى مرتبطًا بقدرة سوريا على استخدام الطاقة الإنتاجية الجديدة بكفاءة.

وهنا يطرح عاملين أساسيين: توفر الخام الملائم وتكاليف التشغيل.

وبحسب محمد، فإن رفع الطاقة التكريرية شرط ضروري، لكنه غير كافٍ لتحقيق أمن الطاقة، إذ تحتاج السياسة الاقتصادية إلى مواءمة تطوير التكرير مع إصلاح تسعير المشتقات، وتنويع مصادر الخام، ورفع كفاءة الاستهلاك.

وفي المقابل، يعتقد قضيماتي أن مسار الطاقة السوري لا يقتصر على زيادة إنتاج النفط والمشتقات، إذ توجد حلول أخرى تحتاج إلى وقت لتنفيذها، بينها الطاقة البديلة، مشيرًا إلى اتفاقية بقيمة 7 مليارات دولار بين الحكومة السورية وشركات من الولايات المتحدة وقطر للاستثمار في الطاقة، والتي تشمل إنتاج واستكشاف النفط والغاز والطاقة المتجددة.

مقالات متعلقة

أخبار وتقارير اقتصادية

المزيد من أخبار وتقارير اقتصادية