لم يحتج رفع أسعار المحروقات في سوريا إلى وقت طويل حتى يصل إلى وسائل النقل، لكن انعكاسه لم يأتِ بصورة موحدة في شوارع دمشق.
ففي حين رفعت بعض السرافيس أجورها بنسب تراوحت، وفق رصد أجرته عنب بلدي، بين 35 و70%، بقيت أخرى على التعرفة السابقة ضمن الخطوط، ليجد الركاب أنفسهم أمام أسعار مختلفة على الخط ذاته.
وبحسب النشرة الجديدة لأسعار المشتقات النفطية، التي صدرت في 13 من أيلول، ارتفع سعر ليتر المازوت من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة، أي بنسبة 40%، بينما ارتفع بنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة.
وفي جولة أجرتها عنب بلدي في عدد من كراجات ومراكز انطلاق السرافيس في دمشق، رصدت ارتفاع أجور النقل بنسب تراوحت بين 35 و70%، مع استمرار بعض السائقين في تقاضي الأجرة القديمة، في غياب تعرفة جديدة موحدة تضبط الأسعار على الخطوط، في حين تدرس المؤسسة العامة لنقل الركاب في دمشق وريفها رفع تعرفة السرافيس بمعدل 20 إلى 25 ليرة.
الراكب أمام أسعار مختلفة
ظهر التفاوت بوضوح في عدد من الخطوط داخل العاصمة دمشق اليوم، إثر غلاء نشرة المحروقات، بالتوازي مع انتظار السائقين والركاب نشرة التعرفة الجديدة.
ففي خطي المهاجرين- الصناعة، دويلعة- البرامكة، ارتفعت الأجرة من 30 ليرة إلى 40 أو 50 ليرة جديدة، بحسب السرفيس.
وفي خط فلسطين- الكراجات، أصبحت الأجرة بين 05 و60 ليرة بالعملة القديمة، مقابل 40 ليرة سابقًا، بينما ارتفعت أجرة خط مزة جبل- الكراجات من 35 ليرة إلى 45 أو 50 ليرة جديدة.
كما وصلت أجرة خط الدوار الجنوبي إلى 40 أو 50 ليرة، مقابل 35 ليرة سابقًا، وخط كفرسوسة- البرامكة إلى 40 أو 50 ليرة، مقارنة بـ30 ليرة.
أما خط الميدان- برزة، فارتفعت الأجرة فيه إلى 55 أو 65 ليرة، مقابل 45 ليرة سابقًا.
ولا يقتصر التفاوت على السرافيس، إذ رصدت عنب بلدي كذلك ارتفاع أجور سيارات الأجرة (التكاسي)، بين أحياء دمشق بنسب تراوحت بين نحو 30% و60%، بحسب الطلب والمسافة.
وبذلك لا يواجه الراكب مجرد زيادة في تكلفة التنقل، وإنما عدم معرفة السعر الذي سيدفعه قبل صعوده إلى السرفيس، مع اختلاف الأجرة بين مركبات تعمل على الخط نفسه.
كل سائق يطلب “ما يريد”
بالنسبة إلى الأهالي، تأتي هذه الزيادة في وقت ترتفع فيه تكاليف المعيشة أصلًا، ومع افتتاح المدارس، وما يرافقه من زيادة في حركة التنقل اليومية.
ناهد المصري، من أهالي حي الصناعة، اعتبرت في حديث إلى عنب بلدي أن ارتفاع أسعار المحروقات وانعكاسه على أجور النقل يمثل تهديدًا إضافيًا لدخل الأسر، ولا سيما مع بدء العام الدراسي.
وقالت إن المشكلة تصبح أكبر بالنسبة إلى العائلات التي لديها أكثر من طالب يعتمد على السرافيس للوصول إلى المدرسة، إذ تتحول الزيادة الصغيرة في أجرة الرحلة إلى مبلغ يومي متراكم.
أما محي الدين برزاني، فيرى أن ارتفاع أجور النقل مفهوم في ظل ارتفاع كلفة المحروقات، لكن المشكلة الأساسية، بحسب رأيه، هي أن السعر لم يعد موحدًا حتى بين السرافيس التي تعمل على الخط نفسه.
وقال الرجل الأربعيني، وهو رب أسرة لخمسة أطفال، إن سرفيسين على الخط ذاته طلب كل منهما أجرة مختلفة، معتبرًا أن ضعف الرقابة اليوم سمح بهذا التفاوت.
وأضاف أن انخفاض عدد السرافيس العاملة على بعض الخطوط زاد الازدحام، ودفع بعض الأهالي إلى استخدام سيارات الأجرة، التي ارتفعت أجورها بدورها بأكثر من 50% في بعض الحالات.
السائق: الغلة تقابل المازوت
في المقابل، لا يرى السائقون أن الزيادة تعني بالضرورة ارتفاعًا في دخلهم.
قاسم الأيوبي، سائق سرفيس على خط المهاجرين- الصناعة، قال لعنب بلدي إن السائق نفسه من أكثر المتضررين من ارتفاع المحروقات، خصوصًا عندما يكون السرفيس مملوكًا لشخص آخر ويتعين عليه دفع “يومية” أو أجرة شهرية لصاحب المركبة.
وقال إن غلة اليوم باتت بالكاد تكفي لتعبئة المازوت، بينما لا تكفي الزيادات التي يفرضها بعض السائقين، والتي تتراوح بين 10 و20 ليرة جديدة، لتغطية كامل تكاليف التشغيل.
وتشمل هذه التكاليف، بحسب الأيوبي، أعطال السرفيس، وأجرة السائق، وحصة صاحب المركبة، إلى جانب الوقود، ما يجعل السائق في النهاية أمام هامش ربح محدود أو خسارة.
وأشار إلى أن بعض الركاب اعترضوا عندما طلب السائقون زيادة عشرة ليرات فقط، واعتبروها زيادة كبيرة.
ويرى الأيوبي أن المشكلة كان يمكن تخفيفها لو جرى تحديد تعرفة جديدة بشكل مسبق وواضح، مع إعطاء السائقين والركاب مهلة لمعرفة السعر الجديد، بدل صدور قرار برفع المحروقات ثم ترك تحديد أجور النقل لكل سائق.
التكاسي.. بديل أكثر كلفة
مع تراجع عدد بعض السرافيس وارتفاع أجورها، تبدو سيارات الأجرة خيارًا متاحًا أمام من لا يستطيع الانتظار، لكنها بدورها أصبحت أكثر كلفة.
بهيج إسكندراني، سائق سيارة أجرة، قال لعنب بلدي إن ارتفاع المحروقات أدى إلى تراجع الطلب على التكاسي، لأن رفع الأجرة اللازمة لتعويض ارتفاع الكلفة جعل الخدمة أقل قدرة على المنافسة بالنسبة إلى الأهالي.
وأضاف أن حركة الطلب تراجعت بشكل واضح، رغم رفعه أجور طلباته المعتادة بنحو 30% فقط، في محاولة لتأمين دخل يغطي جزءًا من احتياجاته اليومية.
لكن هذه الزيادة، بحسب إسكندراني، لم تؤدِ إلى تحسن دخله، بسبب انخفاض عدد الزبائن.
ويرى أن قرارات رفع أسعار المحروقات انعكست في النهاية على السائق والراكب معًا، معتبرًا أنها تضغط على قدرة الناس على التنقل والعمل في الوقت نفسه.
غياب التسعيرة الموحدة
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الرحمن محمد، أن تفاوت أجور السرافيس على الخط الواحد، بين 30 و40 و50 ليرة سورية مثلًا، يعكس بالدرجة الأولى غياب تسعيرة رسمية ملزمة وواضحة، ما نقل قرار تحديد الأجرة من الجهة الناظمة إلى السائق.
وأشار محمد، في حديث إلى عنب بلدي، إلى أن اختلاف الأجور لا يرتبط فقط برغبة السائق في رفع السعر، وإنما أيضًا باختلاف تقدير كل سائق لنقطة التعادل بين إيراداته وتكاليف تشغيله، وهو أمر يمكن أن يحدث في السوق، لكن المشكلة تكمن في غياب سعر مرجعي موحد ينظم العلاقة بين الطرفين.
وبحسب محمد، فإن ترك تحديد الأجرة للسائق في سوق لا تتوافر فيه منافسة حقيقية يحمّل الراكب كامل الزيادة في التكاليف، في حين أن تثبيت الأسعار بشكل جامد من دون مراعاة تكاليف التشغيل قد يدفع بعض السائقين إلى التوقف عن العمل، لذلك لا يكمن الحل في تجميد الأجور أو تركها للعرض والطلب، وإنما في وجود آلية تسعير مرنة وشفافة مرتبطة بالتكاليف الفعلية.
النقل حلقة في سلسلة التضخم
ولا يقتصر أثر ارتفاع أجور النقل، وفق محمد، على الراكب الذي يدفع أجرة السرفيس أو سيارة الأجرة، بل يمتد إلى بقية النشاط الاقتصادي، إذ تستنزف الزيادة جزءًا أكبر من دخل الأسر، ولا سيما الأسر منخفضة الدخل التي يستخدم أفرادها أكثر من وسيلة نقل يوميًا للوصول إلى أماكن العمل أو المدارس والجامعات.
كما تنتقل زيادة تكاليف النقل إلى أسعار السلع، لأن نقل المواد من مناطق الإنتاج إلى الأسواق يدخل ضمن تكلفة المنتج النهائية.
وقدّر محمد أن تكاليف النقل يمكن أن تشكل نحو 5 إلى 15% من أسعار بعض الخضار والفواكه، وبالتالي فإن ارتفاع أجور النقل قد يظهر لاحقًا في أسعار هذه السلع وغيرها.
ويرى أن التأثير لا يتوقف عند هذا الحد، إذ إن ارتفاع تكلفة التنقل يدفع بعض الأسر إلى تقليل رحلاتها غير الضرورية، ما ينعكس على الحركة التجارية في الأسواق والمحال والمناطق التجارية، ويؤدي إلى تراجع الإنفاق الاستهلاكي.
ويضع الخبير ما يحدث ضمن سلسلة تضخمية مترابطة تبدأ من ارتفاع سعر المحروقات، ثم ارتفاع تكاليف النقل، وصولًا إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع القوة الشرائية للأسر.
تدخل تنظيمي.. أولى الحلول
يرى محمد أن معالجة المشكلة تحتاج إلى تدخل تنظيمي يستند إلى آلية واضحة، تبدأ من تحديد أجور موحدة لكل خط وفق تكاليف التشغيل الفعلية، على أن تُعلن مسبقًا وليس بعد بدء الاحتجاجات أو رفع السائقين للأجور بشكل منفرد.
واقترح في الوقت نفسه تقديم دعم موجّه للمازوت المخصص للنقل العام، بما يساعد على الحد من انتقال كامل الزيادة في تكلفة الوقود إلى الركاب، بدل تقديم دعم واسع وغير مستهدف قد تكون كلفته أعلى وأقل كفاءة.
كما اعتماد بطاقات نقل مخفضة للطلاب وكبار السن، باعتبارهم من الفئات الأكثر اعتمادًا على النقل العام، ما يخفف أثر ارتفاع الأجور على الفئات الأكثر تأثرًا.
وفي قطاع سيارات الأجرة، يمكن أن تساعد العدادات الذكية التي يجري الحديث عن تطبيقها في الحد من التفاوت والتلاعب بالأجور، لكن فعاليتها، بحسب محمد، تبقى مرتبطة بتطبيقها فعليًا ووجود آلية رقابة واضحة عليها.
وخلص محمد إلى أن المطلوب هو وجود جهة تنظيمية للنقل تجمع ممثلين عن السائقين والمشغلين والمستهلكين، وتراجع التعرفة بصورة دورية وفق منهجية معلنة تتغير مع تغير أسعار الوقود وتكاليف التشغيل. وفي المقابل، يمكن تقديم دعم مالي مباشر للفئات الأكثر هشاشة بدل الاعتماد على دعم شامل للوقود.
ما خلفية قرار غلاء المحروقات؟
أقرت مديرية خدمات الطاقة التابعة لوزارة الطاقة السورية زيادة حادة في أسعار المشتقات النفطية والغاز المنزلي والصناعي.
ودخل تطبيق الأسعار حيز التنفيذ اعتبارًا من اليوم الأحد 13 من أيلول، إذ قفز سعر لتر بنزين أوكتان “95” إلى 195 ليرة سورية بعد أن كان عند 152 ليرة، وصعد سعر لتر البنزين “90” ليصل إلى 185 ليرة سورية مقارنة بـ147 ليرة في السابق.
في حين سجل ليتر المازوت الارتفاع الأكبر نسبيًا ليبلغ 175 ليرة سورية صعودًا من 125 ليرة.
ولم تتوقف هذه الموجة عند وقود المركبات والتدفئة، بل طالت قطاع الغاز بشكل مباشر، إذ ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي إلى 1600 ليرة سورية وكانت تباع سابقًا بـ1470 ليرة، كما قفز ثمن أسطوانة الغاز الصناعي ليلامس 2570 ليرة سورية بعد أن كان محددًا بـ2350 ليرة.
وأوضحت وزارة الطاقة السورية أسباب قرار رفع أسعار المشتقات النفطية، مشيرة إلى أنه جاء نتيجة ارتفاع استثنائي في تكلفة تأمين هذه المشتقات عالميًا، بالتزامن مع “عمرة” (تأهيل) مصفاة بانياس.
ونقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن وزارة الطاقة اليوم، الأحد 13 من أيلول، أن التعديل مؤقت ويهدف إلى ضمان استمرار الإمدادات وتوفر المادة في السوق المحلية.
وبيّنت الوزارة أن السوق السورية تتأثر بارتفاع تكلفة تأمين البنزين والمازوت والفيول عالميًا، في وقت دخلت فيه مصفاة بانياس في “عمرة” شاملة لنحو شهرين، ما يزيد الحاجة مؤقتًا إلى استيراد المنتجات النفطية الجاهزة.
وشهدت عدة محافظات سورية، الأحد 13 من أيلول، احتجاجات وقطعًا للطرق، اعتراضًا على رفع أسعار المحروقات الذي دخل حيز التنفيذ اليوم، وسط مطالب بمراجعة القرار وتخفيف انعكاساته على تكاليف النقل والخدمات والمواد الأساسية.
وامتدت الاحتجاجات من محافظات شمال شرقي سوريا إلى حلب وإدلب، مع قطع طرق وإشعال إطارات، في ظل الحديث عن الدعوة إلى الإضراب احتجاجًا على الأسعار الجديدة.
وتأتي الاحتجاجات مع تخوف الأسواق من انتقال الزيادة الجديدة إلى أجور النقل وأسعار المواد والخدمات، خصوصًا مع اعتماد قطاعات واسعة على المشتقات النفطية في عملها اليومي.
