الترفع الإداري في الجامعات السورية.. مخاوف من تراجع الجودة والاعتمادية

من تقديم الامتحانات في كلية العلوم بجامعة دمشق _ 28 تموز 2026 (جامعة دمشق)

camera iconمن تقديم الامتحانات في كلية العلوم بجامعة دمشق - 28 تموز 2026 (جامعة دمشق)

tag icon ع ع ع

أثار مرسوم الترفّع الإداري الذي يتيح للطالب الجامعي الانتقال إلى السنة التالية مع حمل ثماني مواد بدلًا من أربع، جدلًا بين أساتذة الجامعات السورية، وسط انقسام بشأن جدواه وتأثيره في جودة التعليم واحتمال تراجع التصنيف الجامعي، مقابل ترحيب طلابي بالقرار الذي يمنح المتعثرين فرصة إضافية لمتابعة دراستهم.

وجاء هذا المرسوم بعد أن  أقرّ مجلس التعليم العالي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في آب الماضي، رفع مقترح مرسوم الترفّع الإداري إلى رئاسة الجمهورية، بعد الموافقة عليه بالإجماع خلال جلسة دورية ناقشت أيضًا ملف الدورة الامتحانية التكميلية. 

البوصلة يجب أن تكون العملية التعليمية

ويرى أساتذة جامعيون أن القرارات المرتبطة بالجامعات ينبغي أن تنطلق من مصلحة العملية التعليمية، وألّا تهدف فقط إلى إرضاء الطلاب، معتبرين أنه لا يوجد مبرر أكاديمي كافٍ للترفع بثماني مواد.

في المقابل، يرى آخرون أن الظروف التي يمر بها بعض الطلاب، ولا سيما العائدون من الخارج، تبرر اتخاذ إجراء استثنائي من هذا النوع.

الأستاذ في كلية الحقوق بجامعة دمشق، الدكتور محمد يوسف، قال إن القرارات المتعلقة بالجامعات يجب أن تكون بوصلتها خدمة العملية التعليمية، وليس تحقيق مصلحة آنية للطلاب فقط.

وأضاف يوسف، في حديث إلى عنب بلدي، أن إقرار مرسوم الترفع الإداري بناء على توصية مجلس التعليم العالي يمثّل، بحسب رأيه، حيادًا عن هذه البوصلة.

وأوضح أن قرارات الترفّع الإداري تُتخذ عادة عندما تكون الأوضاع غير مستقرة، أو عندما تمر البلاد بظروف استثنائية وملحة، متسائلًا عن الحدث الذي طرأ ليستدعي اتخاذ قرار من هذا النوع في الوقت الحالي.

الطلاب العائدون من الخارج

في المقابل، ترى النائبة الإدارية في كلية الهندسة المعمارية بجامعة دمشق، الدكتورة ندى الحلاق، في حديثها إلى عنب بلدي، أن الإجراء جاء لمساعدة الطلاب السوريين الذين عادوا من الخارج لمتابعة دراستهم، ولا سيما القادمين من مصر والأردن والسعودية وتركيا، وبينهم طلاب عادوا خلال الفصل الدراسي الثاني.

وقالت الحلاق إن كلية الهندسة المعمارية استقبلت هذا العام نحو 60 طالبًا وطالبة من جامعات في دول مختلفة.

وأضافت أن بعض العائدين كانوا يدرسون في السنة الرابعة، لكن إجراءات معادلة المقررات والمقارنة بين البرامج الدراسية أدت إلى إعادتهم سنة دراسية، وفي بعض الحالات أكثر من سنة.

ووفق الحلاق، فإن البرنامج التعليمي في سوريا يتضمن مقررات ومتطلبات قد لا تكون موجودة بالمستوى نفسه في برامج جامعات أخرى، ولذلك يُفاجأ بعض الطلاب، عند معادلة مقرراتهم، بإعادتهم إلى سنة دراسية أدنى.

واعتبرت أن الترفّع الإداري يمكن أن يساعد هؤلاء الطلاب على تعويض التأخر الذي لحق بهم، مشيرة إلى أن الطالب الذي انتقل إلى سنته التالية ووجد عددًا كبيرًا من المواد في انتظاره يستطيع تجاوزها إذا كثّف جهده خلال الفصل الدراسي المقبل.

ترحيل للمشكلة

لا يتفق الدكتور محمد يوسف مع هذا الطرح، إذ يرى أن الترفّع لا يقدم حلًا حقيقيًا للطلاب العائدين من الخارج.

وقال: “لنفترض أن طالبًا عاد من تركيا أو مصر أو أي دولة أخرى لمتابعة دراسته، فأين يكمن الحل في نقله إلى سنة جديدة بينما يحمل ثماني مواد لم ينجح فيها؟ سيشكّل ذلك عبئًا كبيرًا عليه”.

وأضاف أن ما حدث، بحسب رأيه، هو “نقل للمشكلة من سنة إلى أخرى”، إذ قد يجد الطالب نفسه أمام عدد من المقررات يتجاوز 20 مادة في السنة التي انتقل إليها.

ويرى يوسف أنه حتى لو تمكن الطلاب المستفيدون من الترفّع الإداري من النجاح في المواد الثماني خلال العام التالي، فإنهم قد يدرسونها بصورة سريعة بهدف تجاوز حد النجاح، بدلًا من اكتساب المعرفة المطلوبة في كل مقرر.

أعباء على الكوادر التدريسية والإدارية

لا تقتصر الاعتراضات على قدرة الطلاب على تجاوز المواد، إذ يرى يوسف أن القرار سيخلق أعباء إضافية على الكوادر التدريسية والإدارية في الجامعات.

وأوضح أن نحو 80% من مواد كلية الحقوق، على سبيل المثال، تعتمد نظام الامتحانات الكتابية التقليدية وغير المؤتمتة، ما يعني زيادة عدد الأوراق الإمتحانية التي يتعين على الأساتذة تصحيحها، خصوصًا مع ارتفاع أعداد الطلاب المنقولين إلى السنوات التالية.

وأضاف أن العاملين في الأقسام الإدارية والمعلوماتية سيتحملون أعباءً إضافية أيضًا، إذ سيضطرون إلى تعديل البرامج التقنية المعتمدة بحيث يُعد الطالب منقولًا إلى السنة التالية رغم حمله ثماني مواد، وذلك لمرة واحدة.

وبحسب يوسف، قد يؤدي الضغط الإداري إلى وقوع أخطاء غير مقصودة، إذ يمكن أن يُسجل للطالب نحو 20 مقررًا بدلًا من 12 أو 15 مقررًا خلال العام الواحد.

كما لفت إلى أن نقص الكوادر الإدارية في جامعة دمشق يزيد من صعوبة تطبيق القرار، وقد يضاعف الأعباء الملقاة على الموظفين الحاليين.

هل يتأثر تصنيف الجامعات؟

أثار مقترح الترفّع الإداري تساؤلات بشأن تأثيره المحتمل في تصنيف الجامعات السورية، ومدى ارتباط تكرار هذه القرارات بمعايير الجودة والاعتماد الأكاديمي.

وقال المدير السابق للتصنيف والجودة في جامعة دمشق، الدكتور مروان الراعي، لعنب بلدي، إن قرارات الترفّع الإداري قد تؤثر بصورة غير مباشرة في التصنيف الجامعي.

وأوضح أن السماح للطالب بالانتقال إلى سنة أعلى رغم رسوبه في ثماني مواد قد ينعكس على مؤشرات الأداء الأكاديمي والإحصاءات الخاصة بالجامعة، مثل معدلات النجاح والتخرج ونسب الرسوب ومستوى الأداء العام.

وأضاف الراعي أن هذه المؤشرات تدخل عادة ضمن تقييم جودة المؤسسات التعليمية، معتبرًا أن تكرار قرارات الترفّع الإداري، إذا أدى إلى ضعف الأداء الأكاديمي أو تراجع معايير الجودة، قد ينعكس سلبًا على موقع الجامعة في التصنيفات العالمية التي تأخذ في الحسبان جودة التعليم والبحث العلمي والبيئة الأكاديمية.

ويرى الراعي أن الإشكالية الأكثر خطورة قد تكمن في التأثير المحتمل للقرار في اعتماد الجامعات السورية والاعتراف بها دوليًا.

مخاوف مرتبطة بالاعتمادية

بدوره، قال الدكتور محمد يوسف إن من أخطر التحديات التي قد تواجهها جامعة دمشق تضرر اعتماد بعض كلياتها، معتبرًا أن القرارات الأكاديمية الاستثنائية والمتكررة قد تثير تساؤلات لدى الجهات الدولية المعنية بجودة التعليم العالي.

وأضاف أن بعض الجامعات والكليات السورية واجهت سابقًا مشكلات مرتبطة بالاعتماد، مرجعًا ذلك إلى تكرار قرارات الترفّع الإداري من دون تنسيق كافٍ مع الهيئات الدولية المعنية بالتعليم العالي، وفق قوله.

وأشار يوسف، الذي كان يشغل منصب نائب رئيس جامعة دمشق آنذاك، إلى أن استعادة الاعتماد لبعض الكليات ولاسيما الطبية، التي تطلبت إنفاق مبالغ مالية كبيرة لتطوير المخابر والأدوات وتحقيق المتطلبات المطلوبة.

وبحسب يوسف، استعانت الجهات المعنية في ذلك الوقت بخبراء من النظام التعليمي في الأردن لزيارة سوريا وتقييم مدى استيفاء الجامعات للمعايير اللازمة لاستعادة الاعتماد.

وأضاف أن التوجه حينها بدأ بالكليات الطبية، وأن نحو ثلاثة ملايين دولار أُنفقت على تجهيز المخابر وشراء الأدوات وتلبية متطلبات أخرى، قبل استعادة الاعتماد، وفق روايته.

كما أشار إلى وجود توجه منذ عام 2024 لاستعادة اعتماد كلية الصيدلة في جامعة دمشق، محذرًا من صعوبة استعادة الاعتماد في حال فقدانه، وما يترتب على ذلك من تكاليف مادية وإدارية كبيرة.

ويرى يوسف أن الجهات الدولية قد تتعامل مع الإخلال المتكرر بالقواعد الأكاديمية بوصفه مساسًا بمصداقية الأنظمة التعليمية، ما قد يضر بصورة الجامعات السورية في الخارج.

لا توضيح

تواصلت عنب بلدي مع المكتب الإعلامي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، للاستفسار عن تداعيات مقترح الترفّع الإداري وتأثيره المحتمل في تصنيف الجامعات السورية واعتمادها الأكاديمي، من دون أن تتلقى ردًا حتى إعداد التقرير.

وكان المكتب قد ذكر في إجابة سابقة أرسلها إلى عنب بلدي بالتزامن مع صدور المرسوم، أن القرار يسهم في الحد من الهدر الزمني الذي يواجهه بعض الطلاب، ويساعد على تسريع وتيرة تخرجهم، مع الحفاظ على المعايير الأكاديمية المعتمدة في الجامعات السورية.

وأضاف أن المرسوم راعى خصوصية بعض الاختصاصات، إذ سمح لطلاب السنة التحضيرية بالترفع مع حمل ستة مقررات كحد أقصى، كما استثنى مقررات محددة في كليتي الهندسة المعمارية والفنون الجميلة، حفاظًا على المعايير الأكاديمية والمهنية الخاصة بهما. 

ما الترفّع الإداري؟

الترفّع الإداري في سوريا إجراء استثنائي يسمح لطلاب الجامعات الحكومية بالانتقال إلى سنة دراسية أعلى، رغم حملهم عددًا من المواد الراسبة يفوق الحد المسموح به وفق الأنظمة الجامعية المعتادة.

ويصدر هذا الإجراء عادةً بقرار أو مرسوم لمساعدة الطلاب في ظل ظروف استثنائية تؤثر في قدرتهم على الدراسة والتقدم للامتحانات.

وشهدت الفترة الممتدة من عام 2011 إلى عام 2020 صدور مراسيم أو قرارات استثنائية للترفع الإداري بصورة شبه سنوية، بالتزامن مع ظروف الحرب وما رافقها من صعوبات أمنية واقتصادية وتعليمية.

أما في العام الدراسي 2021- 2022، فلم يصدر قرار بالترفع الإداري رغم مطالبات طلابية بذلك، قبل أن تعود الحكومة إلى إقراره عقب زلزال شباط 2023، وما خلّفه من خسائر وأضرار، لا سيما في حلب ومناطق الساحل السوري.

وفي عام 2025، أُقرّ الترفّع الإداري بشرط ألّا يزيد عدد المواد التي يحملها الطالب على ست مواد، قبل رفع مقترح جديد يتيح الترفّع مع ثماني مواد.

وبينما ينظر الطلاب المستفيدون إلى الإجراء بوصفه فرصة لمتابعة دراستهم وتجاوز الظروف التي أخّرتهم، يرى معارضوه أن تكراره قد يحوّله من استثناء فرضته ظروف محددة إلى ممارسة تنعكس على جودة العملية التعليمية.

ويبقى السؤال مطروحًا بشأن ما إذا كان الترفّع الإداري سيظل إجراءً استثنائيًا، أم سيتكرر في الأعوام المقبلة بما يجعله جزءًا شبه ثابت من النظام الجامعي السوري.




×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة