استشارية تشرح وتنصح.. بماذا يشعر الأطفال الفقراء في صفوف الدراسة؟

تضمن المدرسة الآمنة نفسيًا بيئة تعليمية متكافئة تتجاوز الفروق المادية وتكفل لجميع الطلاب حقًا متساويًا في الكرامة والانتماء والتعلم والاحترام (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

camera iconتضمن المدرسة الآمنة نفسيًا بيئة تعليمية متكافئة تتجاوز الفروق المادية وتكفل لجميع الطلاب حقًا متساويًا في الكرامة والانتماء والتعلم والاحترام (عنب بلدي/مولّدة بالذكاء الاصطناعي)

tag icon ع ع ع

عنب بلدي – شعبان شاميه

لم يعد الصف المدرسي مساحة تعليمية فقط، بل أصبح صورة مصغرة عن المجتمع بما يحمله من تفاوت اقتصادي واجتماعي، فقد يجلس على المقعد نفسه طفل يمتلك هاتفًا حديثًا ويرتدي ملابس من علامات تجارية معروفة، إلى جانب آخر تعجز أسرته عن توفير أبسط مستلزماته المدرسية.

وفي البيئة السورية، حيث أثّرت سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية في أوضاع شريحة واسعة من الأسر، تبرز اليوم إدارة هذه الفوارق كمسؤولية تربوية ونفسية دقيقة تفرض نفسها على الكوادر التعليمية مع بداية العام الدراسي الجديد.

من تباين طبقي إلى تهديد لتقدير الذات

قالت استشارية علم النفس الأسري الدكتورة هبة كمال العرنوس، في حديث إلى عنب بلدي، إن الأطفال يدركون الفوارق المادية بينهم وبين أقرانهم في سن مبكرة تتجاوز تقديرات البالغين، إذ يلاحظ الطفل تلك الاختلافات تلقائيًا عبر مظاهر يومية، كالملابس ونوعية الطعام والمصروف، وصولًا إلى وسائل النقل والرحلات المدرسية.

وبناء على ذلك، أوضحت العرنوس أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في رصد الاختلاف بحد ذاته، بل في المعنى النفسي الذي يبنيه الطفل حوله، إذ يتحول الأمر من مجرد تباين مادي إلى تهديد مباشر لتقدير الذات عندما يترسخ لديه شعور بأن “زميله أفضل منه”.

وفي السياق ذاته، تؤكد أبحاث حديثة أن التفاوت الاقتصادي داخل الفصول الدراسية يؤدي إلى تراجع النتائج الأكاديمية والمعرفية للطلاب الأقل حظًا. هذا الرابط يفرض عدم حصر الفوارق الطبقية في مظاهرها الاجتماعية الخارجية، بل التعامل معها كأزمة تتغلغل في العمق التعليمي والنفسي للطالب.

آثار نفسية وأكاديمية

لفتت استشارية علم النفس الأسري إلى أن شعور الطالب بالنقص نتيجة وضع أسرته المادي نادرًا ما ينعكس في شكوى لفظية صريحة، بل يتجلى غالبًا في سلوكيات غير مباشرة، إذ يميل الطفل إلى الانسحاب الاجتماعي، وتجنب الأنشطة والرحلات، فضلًا عن اختلاق الأعذار للتهرب من شراء المستلزمات أو دعوة الأصدقاء إلى منزله.

وينسحب هذا الضغط النفسي على تعاملاته عبر إبداء الغضب تجاه الوالدين، أو اللجوء إلى آليات دفاعية كالمبالغة في ادعاء ممتلكات غير موجودة، والسخرية من الأقران الأكثر ثراء.

ويمتد هذا الأثر ليظهر أكاديميًا في صورة تراجع ملحوظ في الدافعية والمشاركة، الأمر الذي يفرض على المنظومة التربوية استيعاب السياق الاجتماعي للطفل قبل إطلاق أحكام مسبقة تصفه بالكسل أو الانطوائية.

وفي المقابل، حذرت العرنوس من أخطاء غير مقصودة قد ترتكبها الكوادر التدريسية تكرس هذه الفوارق، كالإشهار العلني بفقر الطالب تحت ذريعة مساعدته، أو إظهار إعجاب مبالغ فيه بمقتنيات بعض الطلاب، مما يربط القيمة الشخصية بالقدرة الشرائية.

ولفتت الاستشارية إلى أن المساعدة الحقيقية هي التي تحفظ كرامة الطفل، وذلك عبر تقديم الدعم والقرطاسية والإعفاءات بسرية تامة ومن خلال آلية مؤسسية تجنبه الشعور بالوصم، وتضمن حماية تجربته التعليمية والنفسية من انعكاسات الفوارق الطبقية.

الحد من المظاهر الطبقية والتنمر

شددت العرنوس على أن الحل لا يكمن في إنكار الاختلاف المادي، بل في منع تحويله إلى تراتبية اجتماعية، إذ نصحت بوضع قواعد عامة تحد من استعراض المقتنيات غير الضرورية للتعليم، وتطبيقها على الجميع دون استهداف، إضافة إلى بناء ثقافة صفية ترتكز على الأخلاق والتفوق والمبادرة كمصادر للمكانة الاجتماعية بدلًا من المظاهر الاستهلاكية.

أما فيما يتعلق بآلية التعامل مع ت، فأكدت الاستشارية أهمية دور الكوادر بالتدخل الفوري والحازم، باعتبار السخرية من الوضع المادي إيذاء اجتماعيًا يستوجب التدخل العاجل لحماية المستهدف، وليس مجرد “مزاح أطفال”.

ومن هذا المنطلق، حذرت العرنوس من الاكتفاء بإجبار المعتدي على اعتذار استعراضي أمام الصف، بل الاستعاضة عن ذلك بضرورة مساعدته على فهم الأثر السلبي لسلوكه، وتدريبه على التعاطف وتحمل المسؤولية.

وفي المقابل، أشارت إلى أن الطفل المتضرر لا يحتاج إلى الشفقة، وإنما إلى استعادة مكانته وشعوره بالأمان والانتماء داخل بيئته المدرسية.

آليات لتحقيق التكافؤ

استعرضت الاستشارية حلولًا عملية منخفضة التكلفة يمكن تطبيقها في المدارس السورية، إذ أوصت بتقليل الأنشطة التي تتطلب إنفاقًا متكررًا من الأسرة، وتوفير بدائل مجانية، مع عدم ربط التكريم بالهدايا المادية.

كما نصحت بإنشاء خزائن مدرسية للكتب والقرطاسية تحفظ خصوصية الطلاب، مع تلافي تكليفهم بمشروعات تعتمد جودتها على القدرة المالية للأسرة، فضلًا عن اعتماد مجموعات صفية متنوعة بدلًا من التجمعات الثابتة القائمة على المستوى الاجتماعي أو الأكاديمي.

وفي هذا الإطار، تستشهد الاستشارية بدراسة منشورة عام 2024، إذ تُظهر نتائجها أن تشكيل مجموعات طلابية غير متجانسة داخل الصف وتقديم الدعم التعليمي الموجه يسهمان بفاعلية في تقليص فجوات التحصيل المرتبطة بالخلفية الاقتصادية والاجتماعية.

الدور الوقائي والسرية في الإرشاد

ترى العرنوس أن دور المرشد النفسي والاجتماعي يجب أن يتجاوز مجرد التدخل العلاجي بعد حدوث المشكلة، ليتجه نحو العمل الوقائي والتوعوي.

واقترحت في هذا الصدد تنظيم جلسات صفية دورية تُعنى بغرس قيم احترام الاختلاف، وتعزيز القيمة الذاتية، وتنمية التعاطف، إلى جانب التوعية بمخاطر الاستهلاك والضغط الاجتماعي.

وأكدت الاستشارية كذلك ضرورة تدريب المعلمين وتأهيلهم، ليتمكنوا من رصد ومكافحة “التنمر الطبقي” والإقصاء الاجتماعي داخل المدرسة.

وطالبت في الوقت ذاته بإيجاد قناة تواصل سرية وآمنة، تتيح للطالب طلب الدعم دون الخوف من كشف الوضع المادي أو الاجتماعي لأسرته أمام زملائه.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة