تصريحات قادة “العمال الكردستاني”.. حضور متصاعد في ملف الاندماج

camera iconقيادات حزب العمال الكردستاني؛ عبد الله أوجلان وجميل بايك ودوران كالكان (كانفا)

tag icon ع ع ع

تكثفت خلال أيلول الحالي تصريحات صادرة عن قيادات خارجية غير سورية في “حزب العمال الكردستاني” المنحل، و”منظومة المجتمع الكردستاني” التي تعتبر مظلة سياسية إيديولوجية تضم الحزب وحركات مشابهة، إلى جانب مواقف من زعيم الحزب عبد الله أوجلان، تناولت بصورة مباشرة التطورات السياسية والأمنية والتعليمية في شمال شرقي سوريا.

وتطرقت التصريحات، التي صدرت على فترات متقاربة، إلى ملفات كانت خلال الأشهر الماضية جزءًا من التفاوض بين الحكومة السورية و”قوات سوريا الديمقراطية” المنحلة، بينها شكل الاندماج في مؤسسات الدولة، ووضع مدينة عين العرب (كوباني)، وطبيعة الإدارة في المناطق ذات الغالبية الكردية، إضافة إلى مستقبل التعليم باللغة الكردية.

وتأتي هذه المواقف في مرحلة انتقل فيها ملف “قوات سوريا الديمقراطية” من التفاوض حول ترتيبات الاندماج إلى خطوات ميدانية أعلنت دمشق أنها تهدف إلى توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية.

وبالتزامن مع هذه التطورات، عادت قيادات مرتبطة بحزب العمال الكردستاني إلى التعليق على تفاصيل المرحلة الانتقالية، بما يتجاوز المواقف العامة المتعلقة بالسلام إلى قضايا ميدانية وسياسية سورية محددة.

أوجلان: لا تخريب لأرضية الحوار

في منتصف أيلول، قال عبد الله أوجلان، خلال لقاء مع وفد زاره في سجنه بجزيرة إمرالي التركية في 13 من الشهر، إن التطورات التي تشهدها المنطقة تؤثر بصورة مباشرة في مسار ما سماه “عملية السلام والمجتمع الديمقراطي”، داعيًا إلى معالجة المشكلات عبر الحوار والمفاوضات.

وقال إن “الأحداث في روج آفا” ينبغي تقييمها ضمن هذا الإطار، في إشارة إلى التطورات التي تشهدها مناطق شمال شرقي سوريا.

وفي اليوم التالي، نقلت صحيفة “روناهي” عن أوجلان موقفًا أكثر مباشرة من الأحداث التي شهدتها عين العرب (كوباني)، إذ وصف ما يجري بأنه “استفزاز”، وقال إن قتل شاب ثم اتخاذ ذلك ذريعة لدخول كوباني يمثل “تخريبًا يستهدف أرضية الحوار”، مطالبًا بوقفه “بشكل فوري”.

وتناول أوجلان في التصريحات نفسها وضع الكرد والعلويين في سوريا، داعيًا إلى ما وصفه بـ”تحالف الشعوب” القائم على المساواة والحرية.

وتكتسب هذه التصريحات أهمية إضافية في ظل حساسية الوضع في عين العرب (كوباني)، التي شهدت في أيلول توترًا أمنيًا عقب احتجاجات على مقتل مقاتل في وزارة الدفاع السورية، قبل أن تتطور الأحداث إلى توترات داخل سجن المدينة.

بايك: الاندماج لا يعني تسليم كل شيء للدولة

في 18 أيلول، اتسع نطاق التصريحات مع حديث جميل بايك، وهو أحد قيادات العمال الكردستاني، عن طبيعة الترتيبات السياسية المطلوبة في سوريا.

وقال بايك إن “الاندماج الديمقراطي لا يعني تسليم كل شيء إلى الدولة”، مطالبًا بأن تتمتع “المناطق الكردية” بالحكم الذاتي، ومعتبرًا أن دمشق تريد “التعامل مع روج آفا بعقلية نظام البعث”.

وأضاف أن الكرد “يجب ألا يقبلوا عقلية البعث مرة أخرى”.

وتناول بايك كذلك مهمة مظلوم عبدي مستشارًا للرئيس السوري، وقال إن عبدي كان قد أعلن سابقًا أنه لن يقبل منصبًا وسيبقى بين الشعب، معتبرًا أن الانتقادات الموجهة إليه بعد قبوله المنصب “في محلها”، ومضيفًا أن “منظومة المجتمع الكردستاني تنتقد القرار أيضًا”.

ويأتي هذا الموقف بعد انتقال عبدي من موقع قيادة قوات سوريا الديمقراطية إلى موقع رسمي في مؤسسة الرئاسة السورية، في أعقاب إعلان انتهاء مهمة القوات كقوة عسكرية مستقلة.

كالكان يربط انتشار القوات بالتعليم الكردي

وفي 22 أيلول، دخل دوران كالكان، وهو أحد قيادات الحزب، على خط التطورات السورية، منتقدًا إرسال قوات عسكرية من حلب إلى عين العرب (كوباني).

ووصف كالكان الخطوة بأنها “استفزاز خطير”، متسائلًا عن سبب إرسال القوات إلى مدينة قال إنها قادرة على حل مشكلاتها بنفسها.

واعتبر أن عدم قبول الإرادة المحلية، وبالتالي الإرادة الكردية، “ليس مقاربة ديمقراطية”.

ولم يقتصر حديث كالكان على الجانب العسكري، بل ربطه بملف التعليم باللغة الكردية، منتقدًا وقف التعليم باللغة الكردية بعد سنوات من بناء نظام تعليمي قال إنه امتد من المرحلة الابتدائية إلى الجامعة، ودُرّب خلاله آلاف المعلمين.

واعتبر أن مطالبة الأطفال والشباب الكرد بالتعلم بلغتهم الأم “مطلب ديمقراطي مشروع”، داعيًا إلى استمرار النظام التعليمي الذي تطور خلال السنوات الماضية.

ويأتي هذا الطرح في وقت يشهد فيه ملف التعليم باللغة الكردية نقاشًا في محافظة الحسكة، بعد القرارات التي أصدرتها وزارة التربية والتعليم السورية بشأن التعليمات التنفيذية الخاصة بتطبيق المرسوم رقم 13 لعام 2026.

وكان المرسوم رقم 13 قد نص على الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية للكرد السوريين، إلى جانب معالجة قضايا مدنية وحقوقية أخرى، بينما نص اتفاق الاندماج على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للمجتمع الكردي.

من الخطاب العام إلى تفاصيل المرحلة السورية

يرى الناشط والباحث السياسي محمد حمادة، في حديث إلى عنب بلدي، أن تصاعد التصريحات خلال الفترة الماضية يمثل، من وجهة نظره، استجابة للضغط العسكري في شمال شرقي سوريا، ومحاولة لإعادة فرض حزب العمال الكردستاني طرفًا رئيسًا في أي ترتيبات أمنية.

ويقول حمادة إن الحزب يخشى، من الناحية الاستراتيجية، التضحية بما يعتبره مكتسبات الكرد في صفقة إقليمية، ولذلك يسعى إلى تثبيت خطوط دفاع لمنع عزل “الإدارة الذاتية” عن إرثه الأيديولوجي.

ويضيف أن تصريحات جميل بايك ودوران كالكان تبرز، بحسب تقديره، سلطة “المرجعية الصلبة” في قنديل على ملفات التفاوض في القامشلي، معتبرًا أن ذلك يضع قيادة “قوات سوريا الديمقراطية” المنحلة في موقف محرج، في ظل محاولتها تقديم نفسها بوصفها جهة سورية محلية، ويقيد مرونتها ويعقد بناء الثقة مع دمشق والمحيط العربي.

أما رسائل عبد الله أوجلان، فيرى حمادة أنها تحمل تحذيرًا مزدوجًا من تخريب أرضية الحوار عبر الضغط العسكري أو الخطوات المنفردة، وتؤكد دوره كمرجعية عليا وثقل سياسي يطرح مشروع “الأمة الديمقراطية” بوصفه بديلًا للانفصال، ويجعل منه، بحسب رأيه، مفتاحًا أساسيًا للسلام.

ويشير حمادة إلى أن الانتقال من الشعارات العامة إلى الدخول في تفاصيل الملف السوري، مثل تحركات القوات ودور مظلوم عبدي، يدل من وجهة نظره على استشعار قرب “لحظة التسوية النهائية”.

ويرى كذلك أن هذا الانتقال يكشف صعوبة “سورنة” القضية الكردية مع استمرار الارتباط العضوي بـ “حزب العمال الكردستاني”.

ويضيف أن تأثير هذا الخطاب يشكل، بحسب تقديره، عثرة أمام تقدم المفاوضات مع دمشق، ويمنح الأطراف الحكومية والإقليمية، وخاصة تركيا، مبررًا للتشكيك.

ويعتقد حمادة أن استمرار هذا التدخل قد يضيّق الهامش السياسي أمام كرد سوريا، ويهدد بتفكيك ما يسمونه تجربة “الإدارة الذاتية”، ما لم تتم إدارة الملف، بحسب تعبيره، “بعقلية مصلحية سورية بحتة”.

مخاوف من انتقال التصريحات إلى الشارع

من جهته، يرى الناشط الإعلامي عبد العزيز علي، في حديث إلى عنب بلدي، أن هذه التصريحات “تصب النار على الزيت”، وتزيد من حدة الاستقطاب في مناطق شمال شرقي سوريا، خصوصًا أنها تأتي في مرحلة حساسة يجري فيها استكمال عملية الدمج.

ويقول علي إن هذه التصريحات يتبعها، بحسب ملاحظته، موجة من الاستقطاب العربي-الكردي على وسائل التواصل الاجتماعي، لأنها تجد صدى في الأوساط المؤدلجة من الشباب المتأثرين بأفكار الحركة “الآبوجية”، التي يمثل حزب العمال الكردستاني بالنسبة إلى جزء منهم رمزًا سياسيًا وفكريًا.

وفي المقابل، يرى أن صدور تصريحات تتناول تفاصيل سورية داخلية من قيادات ليست سورية يدفع شريحة من الشارع العربي إلى النظر إليها باعتبارها تدخلًا في الشأن السوري.

ويشير علي إلى أن هذا النوع من التصريحات يمكن أن يؤثر في مسار الاندماج، ليس بالضرورة عبر تغيير القرارات الرسمية بصورة مباشرة، وإنما عبر تمترس بعض الأطراف في المنطقة خلف هذه المواقف وتحولها إلى مرجع في النقاشات السياسية والاجتماعية المحلية.

ويضيف أنه عندما تتحدث شخصيات قيادية في حزب العمال الكردستاني عن شكل الحكم في سوريا، أو عن انتشار القوات في عين العرب (كوباني)، أو عن التعليم باللغة الكردية، فإن تصريحاتها لا تبقى، بحسب رأيه، محصورة في المستوى السياسي، بل تنتقل سريعًا إلى الشارع ووسائل التواصل الاجتماعي.

كما يرى أن وصف بعض التحركات العسكرية بأنها “استفزاز” أو “تخريب لأرضية الحوار”، والدعوة إلى الحكم الذاتي أو استمرار نموذج التعليم الذي نشأ خلال فترة سيطرة “الإدارة الذاتية”، يمكن أن يُفهم على أنه محاولة للتأثير في طبيعة الترتيبات التي يفترض أن يتوصل إليها السوريون أنفسهم، معتبرًا أن ذلك يزيد حساسية الملف.

الدور الخارجي في المرحلة الانتقالية

ولا يفصل علي هذه التصريحات عن التحولات التي شهدتها الساحة الكردية خلال الأشهر الماضية، ولا عن إعلان حل “قوات سوريا الديمقراطية” و”الإدارة الذاتية” والحديث عن الاندماج في مؤسسات الدولة.

ويطرح الناشط سؤالًا حول الجهة التي يفترض أن تحدد مستقبل المناطق الكردية في سوريا: هل هي القوى السياسية والاجتماعية الموجودة داخل سوريا، أم أن للقيادات الكردية غير السورية الموجودة خارجها دورًا يتجاوز الدعم السياسي إلى التأثير في تفاصيل المرحلة الانتقالية؟

ويرى أن استمرار هذا الخطاب بهذه الوتيرة قد يعقد مهمة الوصول إلى تفاهمات كاملة في المنطقة، لأنه يضيف إلى الخلافات القائمة مستوى آخر من التجاذب، ويمنح الأطراف المتشددة مادة إضافية لتأكيد مواقفها.

ويخلص علي إلى أن أي اتفاق مستدام يحتاج، من وجهة نظره، إلى أن يشعر السكان، عربًا وكردًا، بأن مستقبل مناطقهم يحدد عبر حوار سوري، وليس من خلال مواقف تصدر من خارج البلاد، مهما كان وزن أصحابها داخل الحركة الكردية.

من السيطرة الميدانية إلى ترتيبات الاندماج

تأتي هذه التصريحات بعد تغيرات ميدانية وسياسية واسعة شهدتها محافظة الحسكة خلال عام 2026.

وفي بداية العام، أعادت العمليات العسكرية رسم خريطة السيطرة في شمال شرقي سوريا، مع انتقال أجزاء واسعة من المناطق الريفية إلى سيطرة الحكومة السورية، مقابل انكفاء قوات سوريا الديمقراطية في مناطق حضرية رئيسية.

ثم انتقل الطرفان إلى مسار تفاوضي انتهى إلى اتفاقات بشأن وقف إطلاق النار والدمج التدريجي للمؤسسات والقوات.

ونص اتفاق 29 كانون الثاني على دخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية إلى مركزي الحسكة والقامشلي، وبدء دمج القوات الأمنية، إلى جانب دمج المؤسسات المدنية التابعة للإدارة الذاتية في مؤسسات الدولة السورية. كما شمل الاتفاق تشكيل ترتيبات عسكرية تستوعب تشكيلات من “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن هيكلية الجيش السوري.

وفي شباط، بدأت خطوات تنفيذية على الأرض، إذ دخلت قوات الأمن الداخلي مدينة الحسكة، فيما بدأت وزارة الداخلية استلام المباني الأمنية في القامشلي، كما بحثت وزارة الدفاع ترتيبات دمج عناصر “قوات سوريا الديمقراطية” ضمن تشكيلات الجيش.

وفي 21 آب، قالت دمشق إن عملية الدمج دخلت مرحلة التنفيذ الفعلي، مع التأكيد على أن استكمال جميع الترتيبات الإدارية والأمنية والعسكرية لا يحدث في لحظة واحدة.

وبعد أربعة أيام، أعلن مظلوم عبدي انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية وحلها كقوة عسكرية مستقلة، بينما أكدت الرئاسة السورية لاحقًا تعيينه مستشارًا لديها.

وتضمن الاتفاق في الوقت نفسه بنودًا تتعلق بالخصوصية الكردية، من بينها الاعتراف بالحقوق الثقافية واللغوية، وتسوية الحقوق المدنية والتربوية، إلى جانب ترتيبات خاصة بمدينة كوباني، نصت على إزالة المظاهر العسكرية الثقيلة منها وتشكيل قوة أمنية من أبناء المدينة مع إبقاء الشرطة المحلية مرتبطة إداريًا بوزارة الداخلية.



مقالات متعلقة


×

الإعلام الموجّه يشوه الحقيقة في بلادنا ويطيل أمد الحرب..

سوريا بحاجة للصحافة الحرة.. ونحن بحاجتك لنبقى مستقلين

ادعم عنب بلدي

دولار واحد شهريًا يصنع الفرق

اضغط هنا للمساهمة